بعباءةِ الملكِ الرثيثةِ..
قلتُ، أو في زِيّ شحّاذٍ؛ أجيءُ إليك إيثاكا.. وهَا أنَذا.. بلغْنا الشاطئَ الصخريَّ
في ريحِ الشمالِ..
نزلتُ في غبشٍ كعينِ الهرِّ، وحدي.. والطريقُ الساحليُّ دوائرُ الخفّاشِ.. سرْتُ..
جرابُ راعٍ فيهِ أشيائي الفقيرةُ كلّها.. بيدِي..
خرائطُ أطلسٍ.. قارورةُ الزيتِ المُعطّرِ
( مَرْثُ أزهارِ الحديقةِ.. ماءُ ذكرى بيتيَ الإسكندريِّ مُقطّرًا)،
كوزُ الصنوبرِ، رَكْوةٌ، قَرْنٌ؛ لأشربَ، صَمغُ طلْحٍ، عِرْقُ لُؤلؤةٍ؛
ومرْآتي الصغيرةُ كيْ أرى فيها.. ولا أحدٌ يرانِي..
لم يكنْ أحدٌ هنالك في انتظاري.. كنتُ أعرفُ أنّني سأكونُ وحدي..
قلت ليسَ يهمُّ.. لا أحدٌ فيعرفنِي.. حياتي الآنَ بين يديَّ.. في السبعينَ..
أصنعُ ما أشاءُ بها.. وأعرفُ لم أعدْ أخشى سوايَ..أقولُ لا خوفٌ..
فَلِي بيتٌ تلفّعَ بالحجارِ.. سأهتدي بالبانتَيُونِ.. إليهِ.. لمْ أرَهُ.. أنا الإسكندريَّ..
ولا ولدتُ به..
ولي مفتاحُهُ (هو كلّ إرثي من أبي)..
٭ ٭ ٭
الحارسُ الليليُّ في كُشْكِ الحراسةِ، لم يزل مستيقظًا..
تمثالَ كَرتونٍ يدورُ مكانه؛ بعباءةِ الملك الرثيثةِ..
كلبهُ مستغرقٌ في النومِ.. قلتُ أنامُ بعضَ الوقتِ..
ثمّةَ مقعدُ المَطرانِ عند السروِ.. حيثُ الجرفُ..
هذا الشاطئُ الصخريُّ أينَ نزلتُ؛
معقوفٌ كأجنحةِ الطيورِ.. يدورُ بي..
٭ ٭ ٭
هيَ لم تعدْك بأيِّ شيء أنتَ قسطنطينُ.. إيثاكا..
ولا مُتنزَّهاتُ ملوكِها لكَ..
لا مدافِنُهمْ.. ولا بِركُ الجبالِ.. بِها.. ولا الزيتونُ.. لا الأعنابُ..
لا أغنامُها.. لا ضَانُها..
لا البطرسيُّ (صديقي الطائرُ البحريُّ) لا البَلشونُ أبيضَ..(ربّما نَامَا)..
ولا حتى فراشُ دوابِّها..
لا البحرُ.. لا الفلْكُ المواخرُ فيه.. لا حيتانُه..
لا موردُ السفنِ انتظرنَ فُراتهُ.. لكَ ماؤهُ..
لا البانتيونُ ..ولا النبات ملقّحا بطيورِها..
أو زاهيًا.. ومخلّدًا في واجهاتِ قصورِها..
لك أنتَ..لا أسماكُها فضيّةً ذهبيّةً تطفو..
ولا أعيادُ إنزالِ السفائنِ.. حيث بَكْراتُ الحديدِ تدورُ..
كما تدور الآن إيثاكا بها..
٭ ٭ ٭
مُلْقًى على سطحِ السفينةِ كنتَ.. والبحّارُ يَجنحُ..
وهْي في خضراءَ طاميةٍ.. ضلوعُ سفينةٍ شُدّتْ بزيتِ الجوزِ.. جوزِ الهندِ
أم ألواح ساج؟ حيث كنتَ تنامُ كالسنجابِ..
أو متوجِّسًا متكوّرًا كالهرِّ
(لَمْ آخذْ برأسِ أخي أنا.. فأجرَّهُ.. في حُمْرةِ المَرجانِ.. أُشْنتهِ.. وكيف؟
ولا اغتسلتُ أنا كهذا
الصيفِ في دمِ شمسهِ البيضاءِ..
أو في صُفرةِ الطمي امتلاءَ النهرِ.. رطْبًا يابسًا)
لكأنّنا الفايكنجُ نحنُ .. وذي مراكبُنا مَدافنُنا.. أوَانَ هياجهِ..
٭ ٭ ٭
لِمَ جئتَ من إسكندريّةَ أنتَ؟ قلْ.. هلْ كنتَ تعرفُ مصرَ قسطنطينُ؟
لم تركبْ سفائنَها المَسلاّتِ الجَواري، وهي تقطعُ ساحلَ المتوسّط، الشرقيَّ..
أشرعةً مُثلّثةً.. مُربّعةً.. ولم تنزلْ بخاناتِ الفِنيقيّينَ.. في صُورٍ.. وأوتِيكا..
ولا تعْتعتَ في حاناتِهمْ.. وثَملْتَ مثلهمُ.. مَنَاخِذةً.. قَراصِنةً.. وملاّحينَ.. تجّارًا..
مِنَ الإغريقِ.. والإسْكَندَرانيّينَ.. والرومانِ.. والأكرادِ.. مِنْ عرب الشآمِ..
هناك.. في أرواد.. أو دمياطَ.. قلْ..
هلْ كنتَ تعرفُ مصرَ قسطنطينُ؟
لمْ ترَها.. ولم تسمعْ لَها.. يومًا.. ولم تركبْ قواربَها.. ولم تمخرْ بها..
في صفِّ مجذافينِ.. فجرَ النيلِ.. ليلَ النيلِ..
لم تعرفْ أدلاّءَ الصحارَى والجبالِ.. ولا الصعاليكَ اللصوصَ..
ولم تكنْ يوما على أهلِ المواشي.. أوْ لأهلِ رَكيبِها.. ليلاً..
ولا روّضتَ مثلهمُ عصائبَ من عتاقِ طيورِها.. أو بَازَها وعُقابَها..
وحفظتَ للآتين في حلقاتِها أنسابَها..
هل كنت تعرفُ مصرَ أنتَ؟ وما تَوَقّلتَ الجبالَ.. ولا استمعتَ إلى الوصايا العشرِ..
في سيناءَ تنزلُ.. حيثُ شعبُ التائهينَ.. ولا اهتديتَ إلى دمشقَ..
ولا إلى عنبِ الخليلِ.. ولا بساتينِ الكرومِ..
ولا إلى كنعانَ في قربانِ زهرةِ سوسنٍ.. تَعْطُو إليكَ..
ولا إلى فلاّحة في حَلْيها وخِضابِها..
في صوتِها.. تزكُو..»زِراعِيّاتُ» هزْيودٍ معلّمِنا،
وفي «أعمالهِ.. أيّامِه» مغسولةً في مائهَا..
هلْ كنتَ تعرفُ مصرَ؟ لم تجلسْ إلى شعرائِها في «كُونكُورِدْيَا»..
أنتَ لم ترقصْ.. على أدوارِ «سيّدها».. كما رقصُوا..
ولم تثملْ بقوسِ كمانِها.. أو عودِها.. والعطرُ أسودُ.. ثمّ أبيضُ..
بعضُ سرِّ الزهرِ.. في أعطافِ سيّدةٍ.. لزهرِ قِرابِهَا..
(في العطر شيء من غموض الزهر قسطنطينُ….
تعرفهُ النساءُ إذا انْفتقْنَ على سريرِ الليلِ مثلَ القنّبِ الوحْشيّ)؛
لم تضحكْ كما ضحكُوا..
ولم تعرفْ كنائسَها الصغيرةَ.. مصرُ.. لم تجلسْ إلى الأقباطِ آباءِ الصحارَى؛
إذ أضَلّكَ نجمُها.. وخَوى..
ولم تسمعْ إلى إنجيلِ إكليمَنْدَسَ الإسكندريَّ.. مرتّلاً.. لـ»التائهِ الإسْكَافِ»؛
قلْ.. هلْ فيكَ شيءٌ من يهوذَا.. (ربّما.. إنجيلهُ السريُّ.. سرُّ خيانتِي)
٭ ٭ ٭
لِمَ جئتَ من إسكندريّةَ؟ أيُّ ملاّحٍ بِها أغواكَ قسطنطينُ
قلْ.. بِمَ؟.. كانَ شَبُّ الليلِ في إسكندريّةَ كلِّها متفتّحًا قبل المغيبِ وبعدهُ لك أنتَ..
مأخوذَا بفُطرِ الصيفِ.. حيث اللازوردُ يَشِفُّ في الريحانِ.. عنكَ..
أقوسُك القُزحيُّ ؟ قلْ.. أم كعبُ آخيليسَ؟ قلْ؟
٭ ٭ ٭
لا داخلاً..لا خارجًا.. لكأنّها «ماريوتُ» في سبْخاتِها..
والبحرُ في إسكندريّةَ.. كان أصفرَ.. كان يُغوي بالرحيلِ.. وأينَ؟
(مُغامرو اليونانِ أعني»الأرْغَنوتَ» العائدينَ إلى الجزيرةِ.. كلُّ ما غنموهُ..
أكياسٌ من الذهبِ الرمادِ لنا)..
وفي الكلماتِ.. للكلماتِ.. بعضُ دمٍ وطمْثٍ.. بعضُ وعْثٍ من رمالٍ..
مِنْ صِغارِ حَصًى ورقّتِها…. رَخاوةِ أرضِها..
ولها لسانٌ لاقطٌ.. ذَنَبٌ… نَواصِي أيّلٍ..
ولها كمَا للأرضِ مُنحنياتُ أنثى.. والبيوتُ مريبةٌ..
لكأنّها إسكنْدريّةُ.. أو»أوتيكا» التونسيّةُ.. جئتَها من بابِها.. أو ظهرِها..
٭ ٭ ٭
لا شيءَ قسطنطين..هذا كلّ ما في الأمرِ..
إيثاكا الفقيرةُ مثلُ فكّ المومياء.. هشاشةُ الأبديِّ.. والأبديُّ وقتيٌّ..
وأنتَ الآن في السبعينَ.. نامَ الحارسُ الليليُّ.. تبحثُ في جرابكَ..
في جيوبِ عباءةِ الملكِ الرثيثةِ..أين ما أورثتني؟ المفتاحَ يا أبتا؟
وكيف نسيتُهُ؟
من أيّ سورٍ؟ أيّ باب في حجارتها رديفٍ.. سوف أدخل؟
أيّ بيت؟ ذا جدار كلّه أعمى؟ حائط ٌلا بابَ فيه.. غيرَ صوتٍ نابحٍ..
أتُراهُ أبصرَ ما يريبُ؟ الصوتُ يخدعنا كما أسماؤه..
هل أقرعُ الأحجارَ؟ لكنْ من سيفتحُ للغريبِ؟ ومن سيفتحُ للطريدِ؟
ومن سيفتح للقيطِ سواهُ؟
ذا كلبٌ أسَنَّ.. يُطلّ من سرْدابِ حصْنٍ..في النشيدِ.. كأنّه «أرجوسُ»..
بل «أرجوسُ» يرفعُ رأسهُ.. ويَصرُّ أذْنيْهِ..
ويدعونِي لأدخلَ.. في النشيدِ..
٭ شاعر من تونس
ـ عمل شعريّ قيد الكتابة»بورتريهات منصف الوهايبي»