“إتنين في الصندوق” وصفة سحرية للضحك والبكاء معاً

كمال القاضي
حجم الخط
1

في زحمة الدراما الرمضانية واختلاط الكوميدي بالتراجيدي بالاجتماعي، الصدفة وحدها هي ما تقود الجمهور لاكتشاف الفارق والمتميز في لعبة السباق المحموم الذي يبدأ من بعد مدفع الإفطار مباشرة ويظل مستمرا إلى صباح اليوم التالي، حيث الإعادة والتكرار إلى درجة التشبع الكامل وعدم القدرة على هضم المزيد من المسلسلات والبرامج والمسابقات والافيهات.

القليل من الأعمال المتوالية والمعروضة في أوقات متقاربة هو ما يعلق في الذهن، لا سيما إذا كان من النوع الكوميدي المستساغ والهادف، وتلك ميزة لا تتوافر إلا في الحالات الدرامية الاستثنائية، ولهذا فالوقوف عندها والعناية بقراءتها في ضوء ما تتضمنه من جديد ومختلف أمر بديهي وضرورة يستوجبها التقييم والتذوق.

للعام الثاني على التوالي يستحوذ عدد من النجوم الشباب على الجزء الأكبر من كعكة رمضان الفنية ويمثلون محور الارتكاز في العملية التنافسية على مستوى الرهان، وقد بات ظهور فنانين مثل علي ربيع ومحمد عبد الرحمن وويزو وكريم عفيفي ومصطفى خاطر وشيماء سيف من ثوابت الموسم السنوي الكبير، وعلى أثر ردة الفعل الجماهيرية إزاء ما يقدمونه وصلت معدلات المنافسة إلى أقصاها وبات كبار النجوم يستعينون بهم لتسويق أعمالهم وضمان نجاحها.

لكن هناك أيضاً تجارب خاصة بهم يشغل فيها الممثلون المحترفون حيزاً كبيراً من دون أن تُسند إليهم أدوار البطولة بالكامل، ولعل المثال القريب على ذلك مسلسل “إتنين في الصندوق” للنجمين الشابين حمدي الميرغني ومحمد أسامة، وهما ثنائي كوميدي ناجح يتم الاعتماد عليهما بشكل أساسي في المعالجة الجديدة اللافتة إلى عمال النظافة بواقعهم وحياتهم ومشكلاتهم داخل عالمهم الخفي والمُسمى مجازاً بمجتمع الزبالين وفق التسمية الشعبية الدارجة.

 يقدم المسلسل لأول مره على الشاشة الصغيرة حكايات وشخصيات وصراعات داخل دوائر ضيقة تُفضي إلى معاني كبيرة، وعبر زوايا نوعية مختلفة تكشف الرؤية الإنسانية المغلفة بالغطاء الكوميدي عن مآسي وأحزان وبؤس قطاع كبير من البشر، غير أنها تفجر أيضاً مفاجآت من العيار الثقيل عن خفايا وخبايا المجتمع التحتي. ولأن أقسى الهموم هو ما يفجر السخرية فقد اتسمت الحلقات التي تم عرضها بالمسحة الكوميدية الساخرة في محاولة مقصودة لاستغلال مواهب الفنان صلاح عبد الله وتفعيلها لدعم الفكرة الرئيسية القائمة على تضمين الأحداث للكثير من القضايا المصيرية المتصلة بواقع فئة سكانية تعيش على الهامش وتغلق على أوجاعها وهمومها أبواب التساؤل والاستفسار.

 المواقف الدرامية المُصاغة في المسلسل يرمز أغلبها إلى الأبعاد الغائبة عن اهتمام الهيئات والمؤسسات والوعي الجمعي للمجتمع المأزوم والمشغول طوال الوقت بأولويات يراها الكثيرون أكبر من تفاصيل أولئك الهامشيين العائشين على ضفاف الحياة، غير المكترثين بما هو أكبر من طموحهم وأحلامهم، كما أن الإشارات الكوميدية العابرة الواردة في بعض المشاهد هي في واقع الحال صور ضوئية مُجسدة للأزمات النفسية الناتجة عن الاختناق الاقتصادي وضيق ذات اليد وترجمة تراجيدية لما يدور داخل مجتمع الزبالين بكافة خصوصياته وأدق تفاصيله، فالمعارك الدائرة في الحواري والأزقة والبؤر العشوائية على أتفه الأسباب ليست إلا تفسيراً منطقياً للأزمات الطاحنة، فما هو مُضحك ومُغرق في السخرية هو في الأصل مُبكي ومؤلم وبالغ الحزن.

الجديد والمهم في مسلسل “إتنين في الصندوق” للكاتب لؤي السيد والمخرجان محمد مصطفى وأحمد عزب، هو ذلك التعادل العبقري في النوع الدرامي الخاص بين ما يُثير الشفقة وما يُضحك إلى حد البكاء، إذ لا يُشكل الجمع بين النقيضين غير مفارقات تتميز فيها الأشياء بأضدادها ونقائضها وهو سر الصنعة في العمل الكوميدي التراجيدي المغاير، والمطروح باعتباره وصفة رمضانية خفيفة للتسلية والتسرية، بينما هو في الحقيقة حاوية كبيرة لأوجاع الفقراء المشار إليهم بنماذج من عمال النظافة كعينات من طبقة سميكة وطنت نفسها على المعايشة مع المشكلات مهما كان وقعها، فهي تقتنص لحظات الفرح في أحلك أوقات الضجر.

صلاح عبد الله وحمدي الميرغني ومحمد أسامة ثلاثي شديد الإقناع في الأداء الملتبس المراوغ، ما بين قمة السعادة وقمة البؤس وهي المنطقة الصعبة في دور كل منهم، فالحالة مركبة ومتداخلة وتحتاج لقدرة استيعابية خاصة في التعامل معها بما يليق بالشكل والمضمون والمعنى والرسالة المستهدفة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية