الفيلق الثقافي لصفقة القرن انطلق نشيطاً بتزوير التاريخ من خلال الدراما الرمضانية الخليجية
بيروت-“القدس العربي”:العاملون بثبات لتطويع الوعي العربي وإقناعه بأن شعب فلسطين باع أرضه للصهاينة ويستحق الطرد منها، يمعنون في تزوير الحقائق بشتى السبل وخاصة في الدراما التلفزيونية التي تدخل كل بيت. وهؤلاء المجندون لغسل الأدمغة تنفيذاً لقرار سياسي يشبهون من أذاب ضميره في الأسيد. ففي موسم الدراما الرمضانية الحالي بدا وكأن دور الفيلق الثقافي من صفقة القرن قد حان ليلعب على المكشوف وصولد. فالمتبصر في تلك الأعمال الدرامية يستخلص أن المعادلة الجلية المراد تسويقها تتمثل في مقولة “شعب يهودي هُجِّر من الدول العربية مقابل شعب فلسطيني هُجِّر من فلسطين”.
بموازاة تلك المسلسلات الخبيثة اشتعلت وسائط التواصل الاجتماعي بالتعبير المستنكر والرافض لهذا التطبيع، ولهذا الانسياق المطلق خلف الأهداف الصهيونية الأمريكية. ففي كل مفصل تكون فيه فلسطين في المواجهة نجد الوجدان العربي العام بالمرصاد مدافعاً عن الحقوق المشروعة لشعبها في الشتات، والمضطهد في أراضيه المحتلة. لهذا نراه قد رحب بشخصية “أم عطا” في مسلسل “حارس القدس” واستنكر شخصية “أم هارون” في المسلسل الخليجي. واستفزه كمُّ التجريح الذي سيق بحق بالشعب الفلسطيني وصولاً للإسفاف في المسلسل “مخرج 7”.
في هذا التحقيق سألنا أهل الدراما والتاريخ والنقد عن “أثر الدراما التلفزيونية في غسل العقول؟ وعن قدرتها على تزوير التاريخ في عصر وسائط التواصل الاجتماعي”؟ وكانت البداية مع كاتب السيناريو اللبناني انطوان غندور الذي مُنح جائزة جامعة الدول العربية عن مسلسل تناول حياة الشاعر العراقي المرموق بدر شاكر السياب.
*قال: يمكن للنوايا الخبيثة أن تصل عبر موضوع تاريخي وهو ما نسميه تزويراً للتاريخ. في حين أن صفات كاتب التاريخ يجب أن تتسم بالأمانة. من يكتب سيناريو تلفزيوني يستند بنسبة 70 في المئة إلى القصة الحقيقية، ويتصرف في 30 في المئة المتبقية. وله الحق بتأليف جديد، مع تقديس للفكرة وللمضمون الأساسيين. على سبيل المثال ليس ممكناً تحوير تاريخ الثائر طانيوس شاهين، الذي كان مع حقوق الفلاحين بحيث يصبح يميني الأفكار. من المؤكد أن الدراما تؤثر في عقول المتلقين، فقلة منهم تعرف حقيقة السيناريوهات وخاصة التاريخية. غسل العقول متاح حين يصوب الكاتب في هذا الاتجاه الخبيث. وهذه الأعمال لا تدخل التاريخ الذي يتطلب الصدق. ولا شك بوجود دراما متقنة فنياً وهدفها احترام عقول المتلقين، وأخرى لها أهدافها السياسية المبيتة.
*الكاتب شكري أنيس فاخوري الذي كتب العديد من المسلسلات التاريخية منها “غبطته والشيخ” عن الحرب الأهلية اللبنانية والذي لم يصور بعد، قال:
الدراما عبارة عن قصص اجتماعية واقعية، تتضمن المشاكل والمواقف الإنسانية، ويؤديها بشر مثلنا نعرفهم ويعرفوننا، ومن المؤكد أن لها دور في غسل الأدمغة، ومن هنا خطورتها. فإن قدر لها غسل الأدمغة نحو الشر فهذه مصيبة، وإن حصل باتجاه الخير فهذا جميل جداً. في رأيي للدراما دورها إنما هو ليس بدور ساحر، ففي نهاية المطاف ندرك كمشاهدين أننا حيال تمثيل. قد يعيش المشاهد أجواء الدراما إلى نهايتها من حزن وبكاء. وبمجرد مرور الجنيريك وقراءة إخراج وكتابة وتمثيل يعود المشاهد إلى عالم الواقع وهو تمثيل بتمثيل. كأكثرية تشاهد الدراما ليس لنا علم كبير بحقيقة التاريخ وتفاصيله، وعندها يمكن تزويره وتحويره. فلا سلطة لأحد للوقوف على صدقية النص، وخاصة عندما لا يكون التزوير فاضحاً. على سبيل المثال فإن مشاهد تلفزيونية من لبنان في مواجهة الانتداب الفرنسي لا يجب أن تتضمن ثوّاراً حملوا البنادق وأطلقوا النار. فقد كانت المظاهرة أقصى مظاهر الاعتراض. والتزوير هنا يصبح “مضحكة”. أما تقصد تزوير المبهم فسيمر على المشاهدين بسهولة.
*وقالت منى سكرية كاتبة وصحافية لبنانية: ليس جديداً ما نشهده من عروض درامية مرئية يحظى بها شهر رمضان الفضيل في كل عام، أو ما يدور حولها من نقاشات تتراوح وتتفاوت الحِدّة والرويّة والموضوعية تجاهها. فالأعمال الدرامية المرئية سواء التاريخية في موضوعاتها أو الاجتماعية، إنما تخضع لأنواع من تفجير الموهبة وتقديم الصورة بالحبكة التي يرغبها كاتب السيناريو والمخرج، واللحظة السياسية الراهنة بكل أبعادها. الأمر الذي يعقبه تفجير لنقاشات الأقلام والعقول والتخاطب حول هذا العمل وذاك. أما بالنسبة إلى الدراما ذات الموضوع التاريخي عن حقبة معينة أو عن بيئة اجتماعية لها ارتباطها بالبعد السياسي – الثقافي- الجغرافي- الديني- العسكري، فإن الفيصل فيها هو تمييز الحق عن الباطل. وهنا تكمُن عقدة كيفية تقديم الهدف من وراء هذا العمل الدرامي من ذاك. وهنا تتلطى النوايا الخفيّة خلف أسلوب التشويق أو التزوير أو الموضوعية. هناك فرق لا يمكن نُكرانَه، بل هو من باب المؤكّد، أن أي عمل درامي مرئي ذو قصة تاريخية لا يُمكن له أن يرتفع إلى مستوى العمل البحثي التأريخي الموثّق و”المنخول” بشتى أنواع المصادر وبطون الكتب والمخطوطات، ما يجعلنا نطرح سؤالاً حول جديّة وحقيقية ما يتطرق إليه هذا العمل الدرامي؟ هذا من ناحية، أما من ناحية الدور المؤثّر لهذا العمل على مستوى غسل العقول فيمكنني وبكل صراحة أن أُميّز بين طبقات هذه العقول ونسبة استجابتها لما هو مطروح من واقعة أو خبرية في هذا العمل الدرامي. وسواء تركت عملية التزوير هذه بعضاً من رضوض الكذب والبهتان لدى ضعفاء النفوس وتدني درجات التلقّي العقلي لديهم، فإن تنظيفاً وكنساً لهذه السيناريوات الكاذبة والمزوَّرة والمُزوِّرة ما تلبث أن تأخذ طريقها إلى الحضور لنقض ودحض تلك الأكاذيب.
وأضافت: لا شك أن الأعمال الدرامية المرئية أو سائر ما يُضَخّ على وسائل التواصل الاجتماعي إنما يخضع ويتأثر بالأوضاع السياسية، بل هو الناطق بما ترغب اللحظة السياسية تقديمه دعماً لأدائها أو إدانة لخصمها، ولكن شتّان ما بين قولة حق صادقة وبين ثرثرة ولغو ما يلبث أن يتبدّد. هناك شواهد كثيرة على وقائع تاريخية لا يمكن تزويرها ولو حيكت على أرقى المسلسلات الهوليوودية، أو في نُسَخِها العربية الكاريكاتورية -المهزلة، وما فلسطين إلا الشاهد الأقوى والأنصع على الفارق ما بين الحق وتزوير الحقيقة، ما بين يهودي عاش في جنبات المجتمع العربي كسواه وبين يهودي – صهيوني لملمته أيدي المؤامرات القذرة العديدة والمتنوعة دولياً وعربياً -وما تزال – إلى أرض فلسطين محتلاً وغاصباً ومستوطناً وإرهابيا.
أختم لأقول بما يشبه القناعة الراسخة: لو أن استطلاعاً للرأي العام العربي أجري وتحديداً لدى متابعي “أم هارون” فهل سنرى غير “أم عطا” في الوجدان الخفي في عقول وقلوب هؤلاء؟ تعوزهم لحظة وعي نفتقدها منذ النكبة القديمة والمتجددة بأدوات السَحَرَة!
*الروائي والكاتب والفنان التشكيلي وعضو قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان مروان عبد العال قال: صناعة الرأي العام ليس قضية عفوية، خاصة وأننا في صراع مديد مع الكيان الصهيوني وبالتالي هو يفكر بخوضه على الجبهات كافة. جبهة الدراما ثقافية وهي حساسة، ونلاحظ كم أمسكت بعقول وضمائر كثيرين على مستوى العالم. ما يجري حالياً أمر مدروس بهدف اختراق العقل العربي وعبر الدخول إلى كل بيت. المسلسل أو الفيلم أو المقال، جزء من الاستخدام، وهذه المسألة ليست آنية بل جرى التخطيط لها سابقاً، فهناك وزارات خاصة لصناعة الرأي العام، وفي سنة 2016 اُنشأت في الكيان الصهيوني وزارة خاصة لمحاصرة جهود المقاطعة الممتدة في العالم، لمنع وجود رأي عام مضاد لها، وهذا يتم من خلال الدخول في الأعمال الفنية والدرامية والثقافية عامة. صحيح يمكن مواجهة المسلسل الدرامي وكشفه، لكن ما يجري له صلة مباشرة بالسياسة. أي أن هناك مسؤولين ينساقون إلى التطبيع، وهذا ما نسميه الجناح الثقافي لصفقة القرن. وهذا لم نشهده مع الأنظمة السابقة التي وقّعت اتفاقيات سلام سواء في الأردن أو مصر، وذلك نتيجة وجود رواية مزيفة ورواية حقيقية. والعرب جميعهم هم أبطال الرواية الحقيقية وهي ليست رواية فلسطين منفردة. في رأيي أن المسلسلات التي نشهدها في رمضان اصطدمت مع الضمير الجمعي العربي وعبر وسائط التواصل الاجتماعي. وقبل تلك الوسائل جرت أحداث بسيطة جداً ومعروفة في الشارع المصري، وبالذات الناس العاديين وكيفية تعاطيهم مع خطوات تطبيعية. ونذكر عدداً من فناني مصر، ومن صحافييها ساروا في ركب التطبيع وكيف عزلهم المجتمع والشارع سواء بإلقاء محاضرة في جامعة للكيان، أو على أي خطوة تطبيعية. بالتالي هذا درس يجب أن يتعلمه الجميع.
*رأي في صدقية التاريخ قاله المؤرخ والأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور الياس قطّار: حكماً ينجح تزوير التاريخ رغم وجود وسائط التواصل الاجتماعي. فالناس ليسوا بمؤرخين، وغالبيتهم يصدقون نشرات الأخبار. يتلقى المؤرخون أحياناً أخباراً مفبركة عبر وسائط التواصل الاجتماعي يصدقونها بادئ ذي بدء، ومن ثم يبدأ طرح الأسئلة على الذات عن الأهداف ومن وراء هذا الخبر أو ذاك. وسائط التواصل ليست بكتاب تاريخ يحظى بالموضوعية والمنهجية. لكتابة التاريخ تقنيات من الضرورة مراعاتها. وإحدى تلك التقنيات أننا عندما نكون حيال خبر معين علينا تقديم الوثائق ووجهات النظر كافة، سواء كانت متناقضة أم متجانسة وبدون إهمال لأية وثيقة أو خبر، وإلاّ سيتغير المضمون.
وأضاف: في كتابة التاريخ توزن الكلمة بميزان الذهب. فحرف جر من شأنه تغيير المعنى. وكذلك حال حرفي “أل لام”. وفي التاريخ العربي الحديث الكثير من الوثائق يتناقض معناها بين أن تكون مفردة أو مضاف لها “ألف لام”. عامة الناس تصدق وسائط التواصل الاجتماعي لأنهم لا يتمتعون بمناعة تاريخية وثقافية ونقدية. أما الدراما التلفزيونية فلها أفقها المقصود والمحدد من قبل الكاتب والمنتج لتمرير فكرة معينة، وعندها تُخضع المعلومات لخدمة الفكرة. والمسلسلات التاريخية التي تُعرض على الشاشات ليس بالضرورة أن تكون حقيقية. فالمسلسل اللبناني الذي حمل عنوان “ثورة الفلاحين” لم يكن أميناً لعاميات لبنان ولا يشبهها، ومشاهده ذكرتني بالثورة الفرنسية. وبشأن مسلسل “أم هارون” الذي يدور نقاش حوله علينا بدءاً التمييز بين الصهيونية واليهودية. اليهود موجودون في مناطقنا العربية قبل المسيحية والإسلام. عاشوا براحة وحرية تامة في حين أن أوروبا فرضت عليهم العيش في غيتوهات. كانوا يعيشون بين مختلف الطوائف في المدن والقرى ويتعاطون الأعمال كافة. واليهود موجودون في بلاد فارس ولا يزالون إلى يومنا ولهم مقاماتهم. ولا شك بأن خيبر كان فيها يهود، كما غيرها من مناطق الجزيرة العربية.
كادر
ـ العارفون بمسلسل “الإجتياح” الذي سطره التونسي الراحل شوقي الماجري بعبق من ياسمين، وكتبه رياض سيف بحب وحرفية ونال جائزة “إيمية” العالمية عن فئة المسلسلات الطويلة، وكانت الأولى في تاريخ الدراما العربية، سيهزؤون مما يُعرض لهم على أي قناة تلفزيونية تقول بأن الفلسطيني باع أرضه. فالماجري والفريق بكامله خلّدوا بعمل رائع بطولات هذا الشعب سنة 2002 حين صدّ بلحمه الحي عدوان الصهاينة على الضفة الغربية وجنين تحديداً.
ـ وإلى هذا الحقد البالغ على الشعب الفلسطيني من بعض الأدوات وعبر بعض المسلسلات تبرز من فلسطين الداخل مواجهة وباللحم الحي أيضاً، إنها الممثلة ربى بلال عصفور. فربى رفضت جائزة أفضل ممثلة من الأكاديمية الإسرائيلية للتلفزيون عن دورها في مسلسل “الفتيان”. هذا المسلسل انتجته “إتش بي أو” ويتناول مقتل مستوطنين وقتل الطفل الفلسطيني محمد خضير حرقاً. عصفور أدت دور أمه بكل جوارحها. شكرت من صوّت لها، وقالت إنها قبلت هذا الدور لأنه واجب بالنسبة لها وليس بهدف المال.