القاهرة ــ «القدس العربي»: آيات القرآن لا تنطق بذاتها، وحتى لا تصبح وفق الهوى، وضعت لها الأحكام والقواعد، وتبارت الأصوات حتى تخرج هذه الآيات مُعبّرة وموحية، أكثر من مجرد كونها كلمات متراصة في كتاب مقدس. من هنا جاءت أهمية التلاوة وأصحابها، الذين أصبحوا بدورهم الأصوات الأكثر تأثيراً في مستمعي القرآن في العالمين العربي والإسلامي. لكل منهم أسلوبه وشخصيته، ومدى إحساسه بما يتلو من آيات الذكر الحكيم ــ نتحدث هنا عن رواد المدرسة المصرية في التلاوة، قبل هجمة أصوات الصحراء، حيث الخشوع المتكلف، والإيقاع الواحد الذي لا يتلون، حسب معنى الآية وروحها ـ ولكن.. ماذا عن النساء كقارئات للقرآن؟ وهل كانت وصمة (عورة) التي أضيفت إلى أصواتهن، كان لها أثر في ظهور قارئات للقرآن من النساء؟ بخلاف الشائع من أن أصوات الرجال فقط هي التي تأتينا عبر الإذاعة، ليتلو أصحابها ما تيسر من آيات، كانت منذ زمن بعيد تتصاعد هذه الآيات نفسها عبر أصوات نسائية، لهن من المكانة والتبجيل ما يُضاهي أشهر شيوخ القرآن في عصرهن، وما بين بداياتهن ونهاية ارتبطت بتحولات سياسية واجتماعية تتواتر الحكايات..
نائحات
جاءت بدايات قارئات القرآن من خلال فعل (النياحة)، فقد كان يتم استئجار النساء المتميزات بأصواتهن القوية والقادرة على التنغيم في النواح على المتوفى، إثارة لمشاعر الحضور. كما كانت تتحدد مكانة الفقيد، رجلا أو امرأة، بكثرة البكاء والعويل. وكان يُطلق عليهن لقب (المعدِدَات). وفي المدن خفتت تلك الظاهرة إلى حدٍ ما، عنها في الريف والقرى. فانتقلت صاحبات الأصوات المثيرة للعواطف إلى سرادقات العزاء، حيث لم يكن مسموحاً بسرادق يحتوي الرجال والنساء معاً، وبالتالي كان لا بد من وجود قارئات للقرآن بين النساء، خلال أيام العزاء، التي تستمر ثلاثة أيام، حتى أن بعضهن احترفن تلاوة القرأن بعد ذلك. ويذكر محمود السعدني في كتابه «ألحان السماء» ـ صدر عام 1959 ـ بعضا من هؤلاء، فأشهرهن كانت «الحاجة دربالة في الجيزة، وعندما كانت تحترف النياحة كانت قادرة على أن تستدر الدمع من عيون الصخر، ثم احترفت قراءة القرآن فترة من الوقت»، إضافة إلى كل من الحاجة خضرة في المنوفية، والست عزيزة في الإسكندرية، والست رتيبة في المنصورة، والشيخة أم زغلول في السويس.
قارئات
ونأتي للقارئات العظيمات، وكما ذكر السعدني في كتابه السالف قائلاً إنه.. «بموت السيدة نبوية النحاس عام 1973 انطوت صفحة رائعة من كتاب فن التلاوة والإنشاد الديني في العصر الحديث، فهي آخر سيدة مصرية ترتل القرآن الكريم في الاحتفالات العامة، وفي المناسبات الدينية، وفي المآتم والأفراح، وكان الاستماع إليها مقصوراً على السيدات». ولكن قبل نبوية النحاس كانت هناك كثيرات من القارئات، عمّ صيتهن البلاد، بل تعدى حدودها. فبداية مع نشأة الإذاعة المصرية عام 1934 ـ وقبلها الإذاعات الأهلية ـ احتلت المرأة مكانتها كقارئة للقرآن، فظهرت أسماء مثل.. مبروكة، كريمة العدلية، سكينة حسن، خوجة إسماعيل، التي أذاعت الإذاعة آيات القرآن بصوتها، بعد نبأ وفاة الملك فؤاد. كذلك الشيخة أم السعد، التي حصلت على إجازات في القراءات العشر، من الشيخة نفيسة بنت أبو العلا، التى كانت توصف بشيخة أهل زمانها. ويُلاحظ أن العديد من الرجال تتلمذوا على يد الشيخة أم السعد، ومن أشهرهم القارئ المصري أحمد نعينع، ثم القارئة منيرة عبده، أشهرهن على الإطلاق، التي يذكر عنها السعدني، «أحدث ظهورها ضجة كبرى في العالم العربي، ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت الشيخة منيرة نداً للمشايخ الكبار، وذاع صيتها خارج مصر… حتى أنها تقاضت أجراً 5 جنيهات، في الوقت الذي كان الشيخ محمد رفعت يتقاضى فيه 10 جنيهات»، حتى ظهور فتوى «صوت المرأة عورة» بداية الحرب العالمية الثانية، فكفّت المرأة عن التلاوة. مع ملاحظة أنه لا توجد سوى تسجيلات نادرة وشحيحة لهؤلاء القارئات. وقبل منع أصواتهن نهائياً من الإذاعة، كان يُحجب صوتهن خلال شهر رمضان من كل عام، وهن المعتمدات من قِبل الإذاعة نفسها.
رغم كون صوت النساء لم يعد مسموعاً من خلال ترتيل آيات الله، إلا أن المُعتمَدات من القارئات في نقابة قُرّاء القرآن الكريم يزددن يوماً بعد يوم.
مطربات
وبعد المنع النهائي من الإذاعة، اتجهت بعض القارئات إلى الغناء، نذكر على سبيل المثال الشيخة سكينة حسن، التي كانت ترتل القرآن والتواشيح في المناسبات الدينية، كما سجّلت بعض آيات الذكر الحكيم على اسطوانات، لكن الأزهر حرّم هذه التسجيلات، ما دفعها إلى الانتقال للغناء، وسجّلت مجموعة من القصائد والطقاطيق القديمة، وغيّرت اسمها إلى (المطربة سكينة حسن). ويُلاحظ في الأخير أن معظم القارئات كن كفيفات.
صوتها عورة
دائماً ما يُثار الأمر كل فترة، بأن تتلو المرأة القرآن، وتحت ذريعة (صوتها عورة)، قامت القيامة ولم تهدأ، عندما تمت الإشارة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، بأن تقوم (أم كلثوم) بتسجيل القرآن بصوتها ـ ربما فعلت ولم يُذع، أو لم تستكمل المشروع ـ من ناحية أخرى تم التصدي لعبد الوهاب ـ وهو رجل ـ بأنه ينتوي تسجيل القرآن بصوته!
ورغم كون صوت النساء لم يعد مسموعاً من خلال ترتيل آيات الله، إلا أن المُعتمَدات من القارئات في نقابة قُرّاء القرآن الكريم يزددن يوماً بعد يوم. وقد أثيرت قضية عودتهن إلى الإذاعة، التي رفضت السماح لهن بالتلاوة، بالحجة نفسها، صوتها عورة، ما أدى إلى قيام نقاشات وحوارات حادة على صفحات الصحف، كان يتزعمها الشيخ الراحل أبو العينين شعيشع، وكان وقتها يشغل منصب نقيب مقرئي القرآن الكريم، إذ تقدم بطلب رسمي إلى الإذاعة المصرية عام 2009، يدعو فيه إلى اعتماد مقرئات في الإذاعة، غير أنه قوبل بالرفض. وتعجب الرجل ممن يرفضون قائلاً، «هذه ردّة فكرية، فقد كانت هناك قارئات شهيرات يقرأن القرآن في الإذاعة، وبين العامة والحكام على وجه سواء. والغريب أن يتم هذا في وقت كان محرّماً على المرأة التعليم والعمل». من ناحية أخرى رفض الرجل حجة البعض بأنه لم يكن هناك قارئات في عهد الرسول، مؤكداً على أنها ذريعة غير منطقية للرفض، لأن النبي كان يسمح للنساء برواية الأحاديث والإفتاء.
الموقف المؤيد نفسه اتخذه الشيخ الطبلاوي ـ الراحل منذ أيام ـ موضحاُ أن «صوت المرأة ليس بعورة، لقوله تعالى في سورة الأحزاب «وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب»، فالأصل في الأشياء الإباحة، وما كان حلاله حلالاً فإن حرامه حرام، بمعنى أن المرأة التي تتحدث بترقيق متعمد لصوتها، يعد صوتها بالأساس خضوعاً بالقول، ولا يجوز لها ترتيل القرآن بهذه الطريقة، في حين أن المرأة الرصينة الملمة بقواعد التجويد وأحكام الترتيل، لا غبار على قراءتها».
والغريب أن من أشد المعارضين لطلب الشيخ شعيشع ورفاقه، كانت الإذاعية هاجر سعد الدين ــ رئيسة إذاعة القرآن الكريم وقتها ــ مبررة ذلك بقولها «أرى أنه لا ضرورة الآن لذلك، خاصة أن القرآن الكريم له آداب وأخلاقيات معينة يجب على النساء الالتزام بها».
ورغم ذلك لم تتوقف القارئات، بل أصبح دورهن أكثر تأثيراً الآن، بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، واليوتيوب، وقد أصبحن من خلاله أكثر قدرة على إيصال أصواتهن، رغم أنف الإذاعة وسدنتها، وتأتي على رأسهن القارئة المصرية سمية الديب حفيدة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وغيرها الكثيرات.