القاهرة ـ «القدس العربي»: أبرزت الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 11 مايو/أيار، نبأ اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير المالية محمد معيط، ونائبه للشؤون المالية ونائبه لشؤون الخزانة، وبحث معهم خطط إعادة دورة الاقتصاد، للحفاظ على المكاسب التي حققتها سياسة الإصلاح الاقتصادي، خاصة بعد تراجع الاحتياطي النقدي، وطلب مصر قرضا من صندوق النقد الدولي.
الوضع الصحي يضغط على الوضع الاقتصادي والحكومة تخفي أخطاءها بحجة أن الشعب غير واع
كما تابعت الصحف أيضا مدى انتشار الإصابة بفيروس كورونا، وعدد الوفيات، والمخاوف مستمرة من انتشار مفاجئ له، خاصة أن قطاعات كبيرة من الناس لا تلتزم بالتعليمات الصحية، ما سيؤدي إلى مشكلة في عدم توافر أماكن العزل والمستشفيات.
أما عن المقالات فكانت أغلبها عن المسلسلات الرمضانية، كما لوحظ اهتمام بعض الصحف وليس كلها، بادارة فيسبوك لتعيينها الناشطة اليمنية توكل كرمان في مجلس الأمناء، الذي شكلته وهي قضية لم يلتفت إليها أحد. وإلى ما عندنا….
الخروج من الأزمة
عمرو الشوبكي في «المصري اليوم» يقول:»لا أجد أي مبرر أو فائدة من حديث مسؤولين حكوميين وبعض الإعلاميين على أن سبب انتشار فيروس كورونا هو عدم وعي الشعب، وتكرار ذلك بصورة غير مسبوقة، وكأن الشـــعب يولد بالفطرة واعيًا، في حين أن الشعوب تكتسب وعيها من التعليم والإعلام، وكل أدوات النظام السياسي.
مسؤولية الحكومة عن التوعية أساسية، وإذا كنا اعتدنا هذه التصريحات من وزيرة الصحة، فإنها بدت غريبة على لغة رئيس الوزراء، الذي قال إن «المشكلة في سلوكيات الناس وليست ساعات الحظر». لم يقل أحد في العالم أن رهانه على وعي الشعوب حتى يقال بعدها إن الرهان فشل، إنما الرهان على تنفيذ القانون وإعماله، وعلى إجراء نقاش عام حقيقي، يوازن بين الضرورات الاقتصادية والصحية، بحيث لا يموت الناس جوعًا أو مرضًا.
والحقيقة أن المشكلة في عدم توعية الناس، وضعف الأدوات التي تستخدم في تحقيق ذلك، أليست الحكومة هي المسؤولة عن محاسبة المخطئين والمتجاوزين من الشعب؟ فالمطلوب أن يُعاد تنظيم المجال العام والصحي في الفترة المقبلة، بصورة تحترم فيها القوانين المطلوبة، فكما تتعامل الدولة بصرامة، وأحيانًا حدة، مع من يخالف قانون التظاهر، فيجب أيضًا أن يتم التعامل بالمسطرة نفسها مع من يخالف قواعد الحظر، ولا يلتزم بالقواعد الطبية للأمان والوقاية. إن الصين المركزية ذات نظام الحزب الواحد، لم تراهن على وعي الشعب الصيني المتقدم، إنما وضعت نظامًا صارمًا للعزل والتتبع وإجراءات الوقاية، ونجحت بعدها في القضاء على الفيروس، وهي بلد يعاقب من يخالف إشارة المرور وقواعد النظام العام، مثلما يعاقب من يخالف القواعد السياسية، ولا يمكن أن تكون صارمًا في مجال ومتساهلًا لدرجة التسيب في مجال آخر.
لا يوجد شعب في الدنيا، بما فيه الشعب المصري، يولد واعيًا، إنما «يتوعى» من خلال دور الدولة ومؤسسات المجتمع الأهلي والإعلام والأحزاب، فالشعب والدولة مرآة لبعضهما بعضا.
لا أحد يطالب حكومة مصر بأن يكون أداؤها مثل الصين أو ألمانيا أو أي بلد صناعي متقدم، تمامًا مثلما يجب على الحكومة ألا تتوقع أن يكون أداء الشعب المصري مثل هذه الشعوب، فالدولة والشعب في مركب واحد، ويجب أن لا تكون أزمة كورونا مدخلًا للبعض أن يُخفي أخطاءه بإهانة الشعب المصري واتهامه بالجهل وعدم الوعي، مثلما يجب أن لا يقبل أيضًا أن يستغل البعض هذا الظرف لكي يصفي حساباته مع الدولة لمصالح ضيقة. يحتاج خطابنا السياسي والإعلامي لمراجعة، لأن الفترة المقبلة ستكون صعبة على الجميع، ويجب أن يتطور الأداء، ونعمل على تكوين منظومة متكاملة تتعامل مع الجوانب الصحية والاقتصادية والسياسية للجائحة، فأعداد الإصابات تتزايد والوضع الصحي يضغط على الوضع الاقتصادي، ومع ذلك الخروج من الأزمة وارد بإصلاحات حقيقية».
ظواهر سيئة
أما كرم جبر في «الأخبار» فهاجم استمرار الناس في عدم الالتزام بالتعليمات، ما يؤدي إلى زيادة انتشار المرض وقال: «من الظواهر السيئة الالتفاف حول حظر التجوال، وكأن ذلك فخر ومباهاة، ولن يقتنع أحد من المخالفين، أن القرار لصالحهم إلا إذا حلت الكارثة ودخل الوباء البيوت، وعانى «المعاندون» العذاب بسبب إصابتهم أو إصابة أحد أقربائهم. ماذا نفعل في شباب مستهترين وبشر انعدمت لديهم المسؤولية، فصاروا بالمئات في الجنازات وإفطار رمضان، والخروج إلى الشوارع ليلاً، وهل مطلوب من الأمن أن يضع سيارة مطاردة أمام كل حارة وزقاق؟ وهناك كثيرون ينزلون إلى الشوارع والأسواق، بدون ضرورة، زهقوا من القعدة، أو يمارسون التسكع فهؤلاء أيضاً لن يرتدعوا إلا إذا اقتحمت كورونا أجسادهم ودقت صدورهم».
الفهم الادعائي
وفي «اليوم السابع» فإن رئيس تحريرها التنفيذي أكرم القصاص سخر من الذين يواصلون الهجوم على الناس والحكومة وقال عنهم: «نظرة واحدة على آراء يطالب أصحابها وما زالوا، بإغلاق كامل، باعتبار أن الحكومة تأخرت في الإغلاق والحظر الشامل، وأن عدم الاستماع لرؤيتهم هو السبب وراء التفشي بعض هؤلاء مصابون بحالة «الفهم الادعائي» ولا يفكرون في ظل غرورهم أن يلقوا نظرة على دول العالم، والعدوى والوفيات، ولو فعلوا سوف يكتشفون أن كل بلد اتخذ إجراءات بناء على كلام الخبراء، ولا توجد اختلافات بين دول أغلقت تماما، أو جزئيا أو رفضت الإغلاق، ثم إن الأزمة تحدث لأول مرة، حيث لا خبرات سابقة يمكن الاستناد إليها، وهناك عناصر غامضة في العدوى والوفيات، وأن دولا لديها نظام طبي وإجراءات قوية، عجزت عن مواجهة الفيروس ومنعه، الأمر في حاجةلبعض التواضع وعدم الإفراط بجلد الذات والآخرين، والانخراط في نشر تقارير مضروبة مترجمة لمجرد أنها ترضي شعوره المنتفش بالتعالي. ويفضل هؤلاء مهاجمة الشعب والحكومة، وهم أنفسهم يخالفون ويتزاحمون، ثم يلوم الآخرين على أساس أن «التانيين غلطانين» مثل بعض العالقين في الخارج، ممن كانوا يطلبون العودة فلما رجعوا بدأوا في تصوير فيديوهات يظهرون فيها بحالة هستيرية الغرض منها العرض في الخارج. وقد حاولت الحكومة ووزارة الهجرة تقديم أقصى الإمكانات لاستعادة العالقين وعزلهم، حرصا على صحتهم وصحة أقاربهم وأسرهم، وهذا حق المواطن في إطار الإمكانات المتاحة، والأغلبية تقدر هذا، لكن هناك من يتعمد إنتاج فيديوهات للعرض الخارجي، ولن ندخل في نياتهم لكن بعضهم لديه أهداف خاصة، وأن القنوات تدفع بسخاء مقابل أي إساءة، وهو أمر لم يعد يخفى على أحد، لدى بعض من يدلون بآرائهم في أزمة كورونا، ويفتون بعلم أو بدونه. ويفترض أن يتواضع هؤلاء قليلا ويمدوا نظرهم إلى دول العالم كله، ليعرفوا أن الدول الكبرى تشكو من خسائر ضخمة، وتفكر في إلغاء الحظر الجزئي أو الكلي، الأمر نفسه في ما يتعلق بدعوات العودة إلى العمل، ومغادرة الحجر. طبعا بعض أصحاب الأعمال يهتمون بمصالحهم، وهو تفكير أصحاب الأعمال في العالم كله، لكن لا يمكن إنكار أن هناك قطاعات مرتبطة بالأعمال يعاني أفرادها من أزمات اقتصادية طاحنة، ومن يمكنه تحمل البقاء بدون عمل لشهر أو شهرين لن يمكنه الاستمرار».
ضحايا الفيروس
تتحدث الدراسات واستطلاعات الرأي العام أن النصف الثاني من هذا العام سيشهد بداية سقوط رموز وحكومات وأحزاب حول العالم. يقول عماد الدين أديب في «الوطن»:» مقياس استمرار هؤلاء يعتمد بقدر كبير على تقييم الرأي العام لأدائهم في أزمة وباء كورونا. سوف يسأل الرأي العام: كيف تصرفوا مع الأزمة؟ هل تحركوا في التوقيت المناسب؟ أم تصرفوا بعدم اكتراث؟ هل أداروا الأزمة بشكل علمي؟ أم بأسلوب عشوائي ارتجالي؟ هل وفروا الإمكانيات الطبية والرعاية الصحية اللازمة؟ هل اتُّخذت القرارات الاحترازية في وقتها؟ هل كانت أكثر من المطلوب أم أقل من المطلوب؟ هل طبقت أجهزة الدولة هذه الإجراءات بشكل تعسفي أم بشكل إنساني؟ وسوف يسأل الرأي العام: هل أظهر الحاكم وأظهرت الحكومة مساحة من التعاطف الإنساني مع الطبقات الاجتماعية الأكثر فقراً من عمال اليومية، وصغار التجار والصناعيين وأصحاب المشروعات البسيطة؟ سيكون حكم الرأي العام قاسياً لا يعرف المجاملة لأن ما حدث في العالم أكبر من وباء وأكبر من أزمة. نحن – حتى الآن- نتحدث عن وفيات وإصابات تتعدى الثلاثة ونصف مليون شخص حول العالم، ونتحدث عن خسائر مباشرة وغير مباشرة تتعدى الـ15 تريليون دولار منذ شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي. في هذا المفصل التاريخي سوف تُصدر محكمة الرأي العام حكمها الصريح القاسي في مدى صلاحية الحكام والحكومات والأحزاب والأنظمة الصحية. من يسقط هو المقصر الفاشل، ومن ينجح هو من اجتاز اختبار الكفاءة والرعاية والتعاطف مع شعبه. انتظروا حساب كورونا عالمياً بعد شهور قليلة في انتخابات مبكرة، وفي تظاهرات جماهير، وفي ردود فعل رأي عام، وفي أصوات غاضبة في الإعلام. رد فعل كورونا آتٍ لا ريب فيه».
تحدي البقاء
بعد الجائحة، سوف تجد الصحافة نفسها مجددا في قلب التساؤلات عن أزماتها ومستقبلها، وتبدأ صالات التحرير في مناقشة ما قد طرأ من متغيرات على المهنة واحتياجات القراء والمشاهدين، حتى تحافظ على قدرتها في الوصول إليهم يقول عبدالله السناوي في «الشروق»: «إنها مهنة تتراكم فيها الخبرات، وتؤثر عليها التقنيات المستحدثة وحركة المواصلات والاتصالات واحتياجات المجتمعات المتغيرة أكثر من أي مهنة أخرى. ما الذي قد يطرأ على الصحافة بعد كورونا؟ أو ما الذي يجذب القارئ أو المستمع أو المشاهد في عصر جديد وقلق، بعد التجربة المريعة؟ عند كل منعطف جوهري، طرأت تغيرات على مهنة الصحافة بأوسع معانيها ومنصاتها. عند بدء العصر التلفزيوني، تبدت قوة الصورة في جذب العيون والأفئدة، ولم يكن ممكنا للصحافة المطبوعة أن تنافس الصورة، كان موضوع التطوير الإجباري في التغطيات الصحافية، البحث في ما وراء الصورة، أو ما الذي يجري خلف الأبواب الموصدة. كان السؤال الرئيسي في صالات التحرير، ما الجديد الذي يمكن أن ننفرد به؟ أو كيف تكون الصفحة الأولى مختلفة عما شاهده القارئ في المساء من أخبار على شاشات التلفزيون؟ هكذا تأكدت أهمية «الصحافة في العمق» أو «الاستقصائية»، والمواد التي تستحق القراءة على مهل. وفي العصر الإلكتروني تعقدت المهمة أمام الصحافة المطبوعة، حتى بدا أن هناك من هو مستعد لنعيها، فالأخبار والآراء تتدفق بسرعة فائقة على المنصات الرقمية وشبكة التواصل الاجتماعي، غير أنها تفتقد غالبا الدقة اللازمة، التي تضمنها القواعد المهنية المتعارف عليها. تتبدى هنا الأهمية القصوى للحرية والمهنية في إكساب الصحافة المطبوعة «قبلة الحياة». الحرية لا السلطوية، المهنية لا التعبوية. هذان اختياران إجباريان للإبداع والابتكار والتنوع، وتلبية الاحتياجات المستجدة لجمهور القراء. بنظرة على ما يجري من تغطيات موسعة للجائحة، فإن الشاشات التلفزيونية تكاد تستولي على المشهد العالمي، بقدرتها على نقل الصورة الكاملة للمأساة الإنسانية لحظة بلحظة، كأنك ترقب بنفسك الشوارع المهجورة، ومشاهد الجثث أمام المستشفيات، قبل نقلها إلى مثواها الأخير والمؤتمرات الصحافية المتتابعة لزعماء العالم، وقدرة كفاءة الدول والنظم في إدارة الأزمة الصحية. دخلت المنصات الرقمية وشبكة التواصل الاجتماعي حلبة المنافسة، من زاوية تتبع الأخبار لحظة بلحظة، أو إبداء الآراء بشأن التطورات الجارية، كأنه مشاركة للرأي العام في كل دولة بشأن ما يصدر من قرارات وتصرفات تخص صحته وحياته. لم يكن ممكنا للصحافة المطبوعة مجاراة سرعة التغطيات في نقل الصور أو حيوية تبادل الآراء، لكنه بإمكانها إذا أرادت أن تحتفظ لنفسها بأدوار على خرائط المستقبل، أن تنافس وتتفوق في ما لا تقدر عليه الشاشات التلفزيونية والمنصات الإلكترونية. بمقدورها أن تلبي احتياجات العصور في العمق، في ما هو خلف الصور السريعة وومضات التواصل الاجتماعي. أخطر ما حدث للصحافة المكتوبة في بلد عريق مثل مصر، قدر التدهور الخطير في توزيعها الإجمالي، كل ما يطبع ويوزع من إصدارات صحافية أقل من ثلث ما كانت تطبعه وتوزعه صحيفة واحدة مثل «الأهرام» أو «أخبار اليوم»، مطلع سبعينيات القرن الماضي. الأسوأ انخفاض تأثيرها في صناعة الرأي العام، وتراجع صدقيتها ومهنيتها وتقوض المدارس الصحافية، كأن الصحف كلها تصدر من صالة تحرير واحدة بلا شخصية تحريرية تميزها. أزمة الصحافة المصرية تبدت حقائقها قبل «كورونا»، كأنها تنازع على الحياة، لكنها سوف تجد نفسها بعد انقضاء الوباء أمام عالم جديد، يستحيل فيه تأجيل الإصلاح في الرسالة الصحافية والإعلامية. تحدي البقاء، يتطلب النهوض لمستوى الأزمات المقيمة والمستجدة بالحوار المفتوح والحرية والمهنية، والاستجابة لمتطلبات العصور المتغيرة».
القوة الناعمة
مسلسلات رمضانية أثارت الكثير من الجدل يتناولها بالنقد محمد علي إبراهيم في «المصري اليوم» يقول: «تقاس قوة الدول باقتصادها وثقافتها وعلمها وتقدمها التكنولوجي.. لا أغفل موضوع التسليح، لكن هناك دولا تحتل جيوشها مرتبة متأخرة، ولكنها تصنف كأمم متقدمة مثل فنلندا والدنمارك وماليزيا.. الهند قبل حصولها على السلاح النووي امتلكت قوة ثقافية ناعمة في السينما، ونافست «بوليوود» هوليوود الأمريكية.. مصر تباهت بالفن السابع حتى وقت قريب ويكفي أن الأفلام المصرية جعلت لهجتنا مفهومة للوطن العربي كله، بعكس الأشقاء.. من أهم خصائص الثقافة عدم التقيد بالنظام الحاكم في توجهاته.. فترة ناصر الشمولية شهدت روائع وأيقونات أدبية وسينمائية.. مسرحية «السلطان الحائر» لتوفيق الحكيم ورواية وفيلم «شيء من الخوف» لثروت أباظة، بالإضافة إلى علامات نجيب محفوظ على جدارية السينما العربية كـ «ميرامار وثرثرة فوق النيل والطريق واللص والكلاب» ولا أنسى فتحي غانم ورائعته «الرجل الذي فقد ظله».
مناسبة هذا الكلام المسلسل الكويتي «أم هارون» الذي تلعب بطولته حياة الفهد، وتعرضه شاشة «إم بي سي».. المسلسل من وجهة نظري غير المتخصصة استنساخ لفيلم «قائمة شندلر» الذي أخرجه الأمريكي ستيفن سبيلبرغ في 1993 مجسدًا معاناة اليهود في ألمانيا، والتمييز الذي قاسوه إلى أن أُعدِموا في أفران الغاز.. تكاد تلمح التطابق في الروايتين، لأنهما تتحدثان عن مظالم اليهود في مجتمعات لا تقبلهم، سواء في ألمانيا كما زعم الفيلم، أو في الخليج حيث تدور أحداث المسلسل. الفترة التي اختارها المخرج المصري- للأسف- محمد العدل هي ذروة الحركة الصهيونية والنكبة، وتعرض يهود الخليج للعنصرية، وإجبارهم على الهجرة لإسرائيل، حيث لاقوا تمييزا منهجيا، باعتبارهم شرقيين بعد أن طردوا من «أوطانهم».
مائة خط تحت كلمة أوطانهم. إنها النغمة السائدة في إسرائيل الآن، وهي الحصول على تعويضات لأسر وعائلات اليهود السفرديم الذين تركوا أوطانهم الأصلية «دول الخليج تحديدًا وربما مصر». لقد نجحت ضغوط تل أبيب في الحصول على تعويضات من ألمانيا فهل تنجح مع العرب.
الرؤية النقدية
واصل محمد علي إبراهيم في «المصري اليوم» قائلا: « الرؤية النقدية المحايدة للمسلسل تشير إلى أنه يمكن التعايش مع اليهود بعد التطبيع فقد عاشوا معنا قبل 1948 وتاجروا.. هي تمهيد «ناعم» للتطبيع، الذي دعت إليه جماعة كوبنهاغن بعد توقيع معادات أوسلو للسلام بين تل أبيب وفلسطين. لكن رؤيتي أنا كمصري حارب إسرائيل، ومازال يعتبرها العدو الأكثر خطرا، أن المسلسل يحاول رسم صورة مختلفة لليهود الشرقيين، الذين يعانون التفرقة في إسرائيل من الأشكيناز الغربيين، ويرسم صورة مغايــــرة للدولة العبرية، التي حمتهم حين هجرتهم.. المسلسل يردد المفهوم الخاطئ لحكومة الليكود بأن دولتهم أنقذت اليهود السفرديم من الاحتقار العربي. الخطأ التاريخي البشع في المسلسل أنه ذكر منذ الحلقة الأولى إقامة دولة الكيان الصهيوني على أرض إسرائيل.. إذن لم تكن هناك فلسطين.. هذا مخرج جاهل ومحرف للتاريخ.. الانتداب البريطاني كان على أرض فلسطين.. ووعد بلفور 1917 نص على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.. هل المقصود أن ننسى كعرب اسم فلسطين! الكارثة الكبرى للمسلسل ليست كل ما سبق، ولكن في ما ذكره الصحافي الإسرائيلي إيدي كوهين بأن تمنح الكويت الجالية اليهودية التي اضطرت للهجرة غير العادلة لأراضيها جنسيتها، وفقًا للدستور الكويتي الذي ينص على منح جنسية البلاد لأي شخص «بدون تحديد الديانة» كان يعيش فيها قبل 1920. في الوقت ذاته دافع أفيخاي أدرعي المتحدث باسم جيش إسرائيل عن المسلسل، وأشاد ببطلته حياة الفهد التي تواجه اتهامات المؤامرة، وهاجم الجمهور العربي الذي يشاهد البرامج التلفزيونية العنصرية المعادية للسامية، التي تعتبر كلمة التطبيع خيانة.
عند هذا الحد كان لا بد أن أسترجع في ذهني مسلسل محمد صبحي الذي عرض في رمضان 2002 بعنوان «فارس بلا جواد».. وعلى عكس «أم هارون» فإن بطل الدراما المصرية حافظ نجيب شخص حقيقي عاصر تلك المرحلة، وقاوم الاحتلال، وكان صديقًا لمصطفى كامل ومحمد فريد.. وحضرت ملك حافظ نجيب ابنته تصوير أول 5 حلقات وأبدت إعجابها الشديد به.. المقدمة الأصلية للمسلسل أشارت إلى أنه مستمد من كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، اتهمته إسرائيل بمعاداة السامية.. واستدعت الخارجية الأمريكية السفير المصري في واشنطن لإبلاغه باستياء الولايات المتحدة من المنحى العدائي لليهود.. الضغط على مبارك كان قويًا من تل أبيب وجورج بوش الابن، مطالبين بوقف المسلسل لمعاداته للسامية. خرج صفوت الشريف وزير الإعلام وقتها ليعلن في مؤتمر صحافي، أنه ليس هناك مشهد واحد يعتبر معاديًا للسامية.. كانت إسرائيل قد انسحبت من جنوب لبنان عام 2000.. لكن اعتبارا من فبراير/شباط 2002 بدأت صواريخ القسام من غزة تنهال على إسرائيل محدثة أضرارًا طفيفة، لكن الصهاينة كانوا يردون بعنف ووحشية على الفلسطينيين.. بعثوا بخطاب احتجاج لمصر متهمين المسلسل بأنه يساند «الإرهاب» الفلسطيني عليهم.. ورد وزير الخارجية الراحل أحمد ماهر قائلاً، أنتم الإرهابيون والصواريخ هي مجرد مقاومة مشروعة ضد من يحتل الأرض.
زاد الضغط على مصر وطلب مبارك من عمر سليمان مدير المخابرات مقابلة محمد صبحي وإقناعه بتخفيف بعض الجمل.. وتوصلا لاتفاق يوضع في مقدمة العمل بعدم ضرورة ارتباط جميع أحداثه بوقائع حقيقية وحذف «مستمد من بروتوكولات صهيون».
تم حذف 40 مشهدًا.. لكن مكتب مبارك اتصل بصفوت الشريف بعدها طالبًا منه عرض المسلسل كاملاً بدون أي حذف في غير أوقات الذروة.. نعم كنا ملوكًا فاتحين في الدراما وجميع فروع القوة الناعمة.. وهناك سر لا يعلمه كثيرون وهو أن فاروق حسني وزير الثقافة الأسبق، خسر منصب مدير عام اليونسكو لسببين: مسلسل «فارس بلا جواد».. وتصريحه بأنه إذا وجد كتابا إسرائيليا في معرض القاهرة للكتاب سيحرقه.. وتلك الأيام نداولها بين الناس».
مسلسل «الاختيار»
وإلى «الشروق» التي نشرت حديثا مع اللواء سمير فرج المفكر العسكري والرئيس الأسبق لإدارة الشؤون المعنوية في الجيش أجراه معه حاتم جمال الدين، أبدى فيه سعادته بأن البقاء في المنازل خوفا من كورونا تسبب في مشاهدة عالية لمسلسل «الاختيار» وقال : «عمل فني متميز جاء في وقته تماما حيث يعرض في شهر رمضان وفي ظل أزمة فيروس كورونا، التي أجبرت الناس على المكوث في البيوت، ما ساهم في مشاهدة العمل بشكل جيد. وإلى جانب المستوى الفني الجيد للعمل، إلا أن قوته الحقيقية تكمن فى مجموعة الرسائل الأساسية التي قدمها، والتي تجعل منه أهم حدث درامي على شاشة رمضان 2020لأنه يجسد رؤية كاملة لما يجري على الأرض في سيناء، مستندا لقصة من الواقع وبطولة حقيقية لأحمد المنسي ورفاقه، فلم يعتمد العمل على خيال المؤلف، ولكن اعتمد على أحداث عرفها الشعب المصري، وتابع تفاصيلها عبر الصحف ووسائل الإعلام قبل مشاهدتها في عمل درامي، ومن خلال أحداث المسلسل عاش الناس الواقع في سيناء بكل تفاصيله، وعرفت معاني المفردات التي يرددها الإعلام في أخبار تتعلق بالأحداث هناك، وعرف ما هو الكمين وما هي المزرعة، وماذا يعني التمركز، وطبيعة المعارك التي يخوضها رجال الجيش المصري والشرطة المصرية هناك. وأشير هنا إلى تجسيد الدراما في حياة بطل العمل أحمد المنسي، الذي بحكم طبيعة عمله كضابط في الجيش لا يستطيع التواجد إلى جوار والده المريض بالسرطان في محنته، وربما لا يستطيع حتى الاطمئنان عليه، عبر الاتصالات التليفونية، إلا إذا سمحت له الظروف، كذلك علاقـــته بوالدته وزوجته وابنه، الذين لا يستطيع أن يراهم إلا ساعات قليلة كل شهر. وأذكر هنا أننا أثناء حرب الاستنزاف، لم نكن نذهب إلى بيوتنا، إلا ساعات قليلة في وقت لم يكن هناك وسائل اتصال، كما هو الحال الآن، ولم نكن نتمكن من متابعة أخبار الأبناء، حتى إننا لم نكن نعرف السنة الدراسية التي وصلوا إليها».
المسؤولية المشتركة
الحفاظ على مرافق الدولة والخدمات التي تقدمها، يراها محمد أحمد طنطاوي في «اليوم السابع»: «مسؤولية مشتركة بين كل أفراد المجتمع، بل وواجب علينا جميعا لا يمكن التفريط فيه أو التهاون، وليس فقط دور نواب البرلمان أو المسؤولين التنفيذيين في الحكومة، بل هي دور أصيل يجب أن يضعه كل مواطن ضمن أولوياته، يقول الكاتب، أدهشني ما فعله النائب إلهامي عجينة، عضو مجلس النواب عن محافظة الدقهلية، بعدما نظم زيارة مفاجئة لمستشفى شربين العام، حاول خلالها تصوير ما يدور داخل المستشفى، وهاجم الأطباء وطواقم التمريض، تعبيرا عن استيائه من مستوى الخدمة الصحية التي تقدم للمرضى.
الحقائق التي يجب أن يعلمها النائب ويجب أن نفندها ونسردها، أن للحصانة البرلمانيـــة ضوابط، والرقابة على أداء الحكومة، لا تعــــنى أبدا اقتحـــام المستشفيات، أو توبيخ الموظفين والهجوم على الأطباء والممرضين، وتصوير مبنى المستشفى من الداخل والخارج، لإثبات أن هناك تقصيرا ما، فكلنا يعرف أن المستشفيات في مصر تحتاج مجهودات كبيرة وضخمة، وما تحتاجه هذه المستشفيات في الوقت الراهن يحتم علينا أن نأخذ بيد القطاع الصحي، من خلال تطوير حقيقي ودعم معتبر، فبدلا من الهجوم والتصوير والاتهام بالتقصير، كان من الممكن أن يقدم النائب المذكور على حملة شعبية لدعم مستشفى شربين العام، من خلال تبرعات ومساعدات يشرف عليها بنفسه، مع السعي والتواصل مع كل مسؤولي الصحة، لتوفير الأجهزة اللازمة والطواقم الطبية المدربة، إن كان يبتغي خدمة حقيقية لأبناء دائرته، وهذا حل عملي إنساني، وسيجعل هناك رقابة شعبية حقيقية على أداء هذه المستشفى، بعدما يشعر الجميع أنهم جزء منها، فكل من تبرع بجنيه سيرفض انهيار الخدمة، أو التراخي في توفير العلاج اللازم، بدون أن يتم توجيه الاتهامات للعاملين والأطباء والموظفين كما حدث».
تناقض اجتماعي
وإلى «المصري اليوم» وما قالته وفاء بكري عن قضية موافقة الفنان هشام سليم على إجراء عملية جراحية لابنته نورا، التي تعاني مشكلة في هويتها الجنسية، لتتحول إلى ذكر اسمه نور وانتقدت الذين يهاجمونه وقالت تحت عنوان «شعب متناقض بطبعه»: «حالة من الجدل أثارها الفنان المحترم هشام سليم بين الجميع، عقب إعلانه تحول ابنته الكبرى نورا، إلى ذكر لتكون نور، بسبب اضطراب هويته الجنسية منذ الصغر، ليقرر حسم أمره بإجراء العملية «الصعبة» و«المرهقة» على كافة الصعد، ولم يلتفت إلى «رد فعل» المجتمع الذي يعيش فيه جراء عملية يجهل ماهيتها السواد الأعظم من الناس، ويقرر أن ينجو بحياته بعدما كان يفكر في الانتحار، كما قال في لقاء تلفزيوني منذ عدة أيام، وهو ما يفكر فيه بالفعل من يعاني مثل معاناة نور، ولا يجد سبيلا لإجراء العملية التي تأخذ سنوات لحين إجرائها، بسبب الإجراءات الصعبة والطويلة. وللعلم فهذه العمليات لا تتم إلا بموافقة من الأزهر الشريف، أو الكنيسة، وفقا لديانة صاحبها. الجدل الذي أثارته صراحة هشام سليم، وانقسم بسببه البعض بين مؤيد ومعارض. الكثيرون احترموا في هشام جرأة التصريح بنجاح عملية ابنه، والإعلان في مجتمع شرقي، عن تحول فتاة إلى ذكر، ولكن البعض كان «الاعتراض» كالعادة هو المسيطر على تفكيرهم. التناقض الذي يعيش فيه المجتمع المصري في كثير من الأمور، سيطر على تفكير البعض في هذا الأمر الشائك الذي أظهرته «جرأة وصراحة» هشام سليم. البعض يرى أنه لم يكن من حقه الإعلان، عما حدث لابنه وأن هذا الأمر خروج عن المألوف وأنه ضد عاداتنا الشرقية ولا أعرف ما هي عاداتنا الشرقية، التي نخشى الخروج عن خطوطها في هذا الأمر الصعب؟ يحاول البعض بخس حق هؤلاء المرضى في العيش بسلام نفسي، يساعدهم على التعامل مع المجتمع الذي يعيشون فيه، فلا يكونون أشبه بـ«قنابل موقوتة» لمن حولهم. كفانا تناقضا وقياما بدور الأوصياء على من حولنا، وألا ننظر لأنفسنا أولا قبل أن نؤسس لطبع جديد للمجتمع، قائم على التناقض».
إعلانات استفزازية
ليست تلك هي المرة الأولى التي نشاهد فيها إعلاناً عقارياً استفزازياً خلال شهر رمضان. عن إعلان أحد الكومباوندات وما أثاره من صخب وجدل على مواقع التواصل وداخل وسائل الإعلام، يتحدث الدكتور محمود خليل في «الوطن»: «إعلانات عديدة شبيهة شاهدها المصريون عبر رمضانات الأعوام الماضية، تسوق لعقارات داخل كميونيتي أو كومبوند مغلق، تصف المساحات الخضراء التي تتوافر فيه، وملاعب الجولف، والشوارع المتسعة، والخدمات المتكاملة المتوافرة وغير ذلك. يقول الكاتب، لو أننا حللناه على المستوى المهني – بعيداً عن المواقف الاجتماعية – فسنجد أنه إعلان عرف كيف يختار مجموعة المفاهيم التي يبلور حولها رسالته، التي تستهدف نوعاً معيناً من الزبائن. الحديث عن الخصوصية والمساحات الخضراء والملاعب، وتوافر مراكز الخدمة التي تغنيك عن الخروج للأغيار (من البشر) تلهب خيال شريحة لا بأس بها، ممن يمتلكون القدرة الشرائية للسلعة، كما أن الحديث عن أن الحياة في المكان، تشبه الحياة في بعض العواصم الأوروبية مثل لندن وغيرها، يروق لشريحة من المصريين تملك القدرة على اقتناء وحدة سكنـــية، أو فيلا أو قصر منيف في هذا المكان.
إنها ببساطة ثقافة شريحة اجتماعية معينة، نجح الإعلان في مغازلتها وتسويق السلعة لها وتهيئتها للشراء. والسؤال: هل النماذج البشرية التي اعتمد عليها الإعلان بثقافتها وطريقة تفكيرها ولغتها غير موجودة في الواقع؟ كلنا يعرف أنهم جزء من واقعنا، حتى لو مثلوا شريحة ضئيلة من أبناء المحروسة. هم موجودون ويفكرون بالطريقة التي عبّر عنها الإعلان.. جزء من ثقافة «الرأسمالية الجديدة» يرتبط بفكرة الكومبوند أو المكان السكني المغلق. ولست أتحدث هنا عن الكمبوندات التي تؤوي أفراد الطبقة الوسطى – فهي لا تزيد عن محاولة للتقليد- بل أشير إلى مدن كاملة التجهيز، وبأسعار عالية تختار زبائنها المتشابهين في الثقافة والقدرة الاقتصادية والدائرة الاجتماعية. إنها مجتمع يوتوبيا الذي حكي عنه أحمد خالد توفيق في روايته التي جاءت تحت العنوان نفسه «يوتوبيا». هذا النمط من التجمعات البشرية أصبح واقعاً منذ فترة ليست بالقصيرة. وهو آخذ في النمو (الرأسي)، أي على مستوى «التميز الكيفس» بحيث لن يستطيع أحد أن يطاله في المستقبل، خصوصاً الشرائح الغاضبة على الإعلان من أفراد الطبقة الوسطى. وقد كان من اللافت أن تكون هذه الشريحة هي الأكثر نقداً للإعلان وللثقافة والفكر الذي يحمله في باطنه. فمنذ سنين لم يعد أفراد الطبقة الفقيرة يكترثون بهذه النوعية من الإعلانات، لأن جودة الحياة باتت في نظرهم مفهوماً أسطورياً، مثل العنقاء والخل الوفي وأمنا الغولة.. الغضب من فكرة معينة في إعلان أو مسلسل أو فيلم لن يغطي بحال على وجودها في الواقع».