كورونا يفرض على دول المغرب التعليم عن بعد… والتلفزيون ينبش درر وخبايا التراث

جميعنا ينتظر انتهاء الحجر الصحي وأن ينعم الجميع بالصحة وراحة البال، وأن تعود الحياة لتدب في مفاصل الأجساد والمؤسسات وأن يعود الجميع لروتين حياته، لكن هذه المرة دون تأفف وتذمر وشكوى، فكم هي متعبة فترة الحجر والحظر، على الرغم من كل الايجابية، التي نريد اختلاقها وإبرازها بالصور على مواقع التواصل الاجتماعي.
هل الجميع يستمتع بقراءة الكتب أو إعادة ما قرأ للواجهة ولتقاسمها مع أصدقائه الافتراضيين والحقيقيين. هل فعلا «كورونا» حقق ما لم تستطع مؤسسات التربية والتنشئة تحقيقه، وجعلنا نتهافت على الكتب، كما نتهافت على «شكارة السميد» و«قلب اللوز» و«الزلابية»؟
هل فعلا جعل الوباء الاقبال على المتاحف غزيرا، بعدما كانت المتاحف خالية على عروشها، إلا في المناسبات والزيارات الرسمية لمختلف الوفود، وبعض المحظوظين من التلاميذ ممن يزورون قاعات المتاحف في رحلات مدرسية منظمة؟
هل نجحت الثقافة في ما فشلت فيه التربية والتعليم، ومواقع وزارات الثقافة والمؤسسات والمراكز، التي تعنى في الثقافة والتراث تعج في المحاضرات والتدخلات من طرف الخبراء في المجال بمناسبة شهر التراث؟ من حيث استخدام تقنية التحاضر عن بعد؟ ماذا لو استخدمت التقنية في استمرار الدروس والمعرفة والتلاميذ في بيوتهم؟ والاستفادة من التكنولوجيا، التي يهضمها الأبناء ويحبذونها عوض الطرق التقليدية، التي مورست على أجيال مضت في التعلم عبر القنوات التلفزيونية الوطنية؟
الجيل لا يريد الرتابة، ولا أن ينتظر خلف شاشة التلفزيون، وهو من تعود على الرقمي في كل شيء؟ بعد تعليق التعليم في المدارس والجامعات، بدأ التفكير في التعليم عن بعد وعبر منصات أعلنت عنها وزارات التربية، وإن تفاعلت الأوساط الحضرية وشبه الحضرية للعملية، إلا أن المناطق الريفية لا تعنيها العملية لكونها معزولة عن النت وعدم امتلاك الأسر للكمبيوترات ، ومشاكل الكهرباء وتدفق النت. كما هو الحال في كل البلدان المغاربية، ونظرا للظروف النفسية والاجتماعية التي تعيشها الأسر والتلاميذ فإن عملية التعليم عن بعد فشلت في عمومها، رغم الرغبة في اعتمادها مستقبلا. ففي المغرب، ورغم استراتيجيته في تنمية وتطوير التعليم الالكتروني وتعميمه (2020-2030) إلا أن التدريس الالكتروني والتلفزيوني يلاقي انتقادات للطريقة التي اعتمدتها الوزارة، خصوصا في ما يتعلق بغياب تكافؤ الفرص في التعليم عن بعد، خصوصا بالنسبة لتلاميذ القرى. وعن مدى حضور التلاميذ للحصص الدراسية، التي تبث على التلفزيون. وهذه الوسيلة لا تمكننا حتى من معرفة ما إذا كان التلميذ يتابع الدروس أم لا (نور الدين لكحل، مجلة القانون والأعمال الدولية). الأسئلة والاشكالات نفسها، التي تطرح هنا وهناك في مختلف البلدان العربية.
يبدو أن تونس اختارت أن تكون التعليمات واضحة منذ البداية، حيث صرح وزير التربية التونسي في بداية هذا الشهر أن عودة تلاميذ البكالوريا ستكون في 28 الشهر الجاري. وسيدرس التلاميذ أربعة أسابيع قبل أخذ فترة مراجعة للانطلاق في الامتحانات. وهذا من خلال أخذ جملة من الاحتياطات الصحية، كما جاء في تصريحات الوزير محمد الحامدي، كتقسيم التلاميذ على أفواج لمنع الاكتظاظ، حيث يضم كل فوج 15 تلميذا على أقصى حد، وتوفير العدد الكافي من الأساتذة، توفير الكمامات ووسائل التعقيم في المؤسسات التربوية ومراكز التصحيح. كما تم تركيز لجنة مشتركة بين وزارتي التربية والصحة لتحديد دليل الاجراءات والانطلاق في تحديد حاجيات الوزارة من الكمامات الطبية ومواد التعقيم وأجهزة قياس الحرارة للتلاميذ وللاطار التربوي وتحديد الميزانية اللازمة لاقتناء هذه الأدوات.
كما تم التنسيق مع وزارة النقل لإيصال التلاميذ إلى المعاهد. مع امكانية فتح المبيتات في بعض الجهات وفق بروتوكول صحي (الشبيبة).
أما في الجزائر، فقد تناقلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي اللقاءات التشاورية بين وزارة التربية ومختلف النقابات وجمعية أولياء التلاميذ وغيرها من الفاعلين، حيث استقر الأمر على اتفاق مبدئي يقضي إلغاء امتحانات شهادة التعليم الابتدائي والانتقال يتم باحتساب معدلات الفصلين الأول والثاني بالنسبة للسنتين الأولى والثانية ثانوي، بينما تؤجل امتحانات شهادة التعليم المتوسط والبكالوريا إلى شهر سبتمبر/أيلول، الأولى ستكون في الأسبوع الثاني من سبتمبر/أيلول والبكالوريا في الأسبوع الثالث من الشهر نفسه. كما جاء هذا القرار بعد اجتماع مجلس الوزراء مع رئيس الجمهورية الأحد الماضي، حيث تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي ما أسفر عنه اللقاء ليحسم النقاشات الواسعة بين المواطنين بشأن مستقبل أبنائهم. إلا أن قرار مناقشة رسائل الماستر في شهر الشهر المقبل لم يلق الترحيب لكل ما يترتب عن ذلك من مشاكل وخيمة في ظل تفاقم الوباء. فاستمرارية المناقشات تستدعي فتح الجامعات وإعادة حركة النقل الجامعي والاقامات الجامعية، أي عدم تفادي الاكتظاظ وسهولة تفشي المرض، لا قدر الله.

احتفالات شهر التراث

أطلقت وزارات الثقافة المغاربية شهر التراث في ظل الوضع الصحي الخطير، عبر منصات افتراضية، تحت شعارات متعددة، فبينما اختارت الجزائر شعار «ريّح في دارك التراث الثقافي ضيفك»، اختارت تونس شعار «اقعد في دارك تراثك كنز ليك ولصغارك»، أما المغرب فأوجد شعار «شهر التراث يحل ضيفا ببيتك».
للمرة الأولى يحتفل في شهر التراث افتراضيا بسبب وباء كورونا المستجد، الذي جعل الجميع أمام مستجدات على الأصعدة كافة واللجوء إلى التكنولوجيا والرقمنة في الخروج من أزمة التواصل.
ها هو التراث في كل تجلياته يريد أن يطرق أبواب المجتمع، حسب البرامج التي سطرت للغرض، فهل تفتح له الأبواب أم يجدها موصدة؟ ففي الجزائر تم الإعلان عن انطلاق شهر التراث من طرف وزيرة الثقافة، مليكة بن دودة، في الثامن عشر من شهر أبريل/نيسان الماضي عند اشرافها على الجلسة الثالثة لسلسلة المحاضرات والندوات الافتراضية حول التراث في الجزائر، حسب البيان الصحافي الذي نشر في الصفحة الرسمية للوزارة على «فيسبوك».
وأعطت الوزيرة اشارة انطلاق الجلسة الثالثة لسلسلة الندوات والمحاضرات التفاعلية، التي تنظمها وزارة الثقافة خلال هذه الظروف الاستثنائية، والتي افتتحها خبراء في اليونسكو وباحثين في التراث المعماري والأنثروبولوجيا. وهذه المحاضرات تبرمج يوميا في الأسبوع (كل ثلاثاء وجمعة) من الساعة الثالثة بعد الزوال وتدوم أكثر من ساعتين تصاحب بنقاش من طرف المهتمين. بالإضافة إلى فعاليات أخرى مصاحبة كالزيارات الافتراضية للمتحف «باردو» تحت شعار «المتاحف في بيوتكم» وفعاليات أخرى كثيرة.
في تونس أيضا، قررت وزارة الشؤون الثقافية استعمال المادة الرقمية والمنصات الالكترونية للاحتفال بشهر التراث. فالاحتفال الافتراضي والرقمنة باتت ضرورية، لذلك قررت وزيرة الشؤون الثقافية خوض غمار التجربة الافتراضية والاحتفالات في شهر التراث افتراضيا من خلال منصات التواصل الاجتماعي ومحامل الكترونية تقدم التراث المادي واللامادي، حسب ما صرحت به المديرة العامة لوكالة إحياء التراث آمال حشانة لـ«المغرب».
وتضيف المتحدثة: «الاحتفال بشهر التراث افتراضيا فرصة ليستمتع كل تونسي ويتعرف على ذاكرة بلاده، فالجميع في المنزل والأطفال أغلبهم أمام الهواتف الجوالة والمنصات الرقمية، التي ستصبح حمالة لذاكرة البلاد من خلال الزيارات الافتراضية للمواقع والمتاحف، وميزة هذه الفيديوهات المنزلة على صفحة الفيسبوك أنها مادة ممتعة، أفلام قصيرة تتراوح بين الثلاث والخمس دقائق. نصوص قصيرة مبسطة. لتصل المعلومة إلى كل تونسي مهتم بالمواقع الأثرية».
شهر التراث، واقعيا كان أم افتراضيا، يغرقنا في مواضيع وأفكار مكررة في معظمها، كون المشاريع ضخمة على الورق والانجازات قليلة على الواقع. والتراث على محامل تكنولوجية يطرح اشكالية منصات التعليم الرقمية نفسها. هل يصل التراث إلى كل الفئات والجهات والناس تعيش عزلة «كورونا» والخوف من المستقبل والبطالة التي تطرق الأبواب، والمناطق المعزولة عن شبكات وبرامج النت. وأسر لا تفكر، مجرد التفكير في اقتناء الحواسيب، والهواتف الذكية. علما أن مالكي التراث ومنتجيه الفعليين، يوجدون في البوادي والأرياف يطالهم التهميش من الجهات كلها. فلننظر للموضوع بعيون واقعية في زمن كورونا، هذا أكثر من التفكير في نقل تجارب وخبرات هائلة افتراضيا، تم تصنيفها، حسب تفكير مركزي بعيد عن الواقع.

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية