مرج بسري الخلاب يواجه تحويله لسد عديم الجدوى وأمواله لتغذية المحاصصات

زهرة مرعي
حجم الخط
0

حملات لإنقاذه بيئة وآثاراً ومورد رزق مستدام فهل يسمع البنك الدولي الصوت؟

بيروت-“القدس العربي”:لحقت بمرج بسري الواقع في قضاء جزين-محافظة الجنوب والمجاور لحدود محافظة جبل لبنان، في السنوات الأخيرة شهرة محلية وعالمية لم يكن يتطلع إليها. شكل المرج بعطائه وخيراته الزراعية الجمة أحد دروس الجغرافيا للتلامذة منذ القدم، ورغم خصوصيته وجماله الخلاّب كموقع سياحي طبيعي فيه العديد من الآثار لم يحظ بأي إلتفاتة رسمية. وعندما تبنت الدولة اللبنانية خطة بناء سد في المرج لتأمين مياه الشفة لمدينة بيروت بقرض من البنك الدولي، كان للطبيعة والبيئة من يساندها، وشكلت الأبحاث العلمية أساساً صلباً للإعتراض. ولاحقاً بات المرج وجهة دائمة للمنتفضين على الفساد مع إنطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر. نجح المنتفضون في كسر أقفال شركة المقاولات المولجة بالأعمال في المرج، ونصبوا خيمهم داخله. التضامن مع حملة “أنقذوا مرج بسري” فاق التوقعات، وأصوات المناهضين للسد بلغت مجلس النواب الألماني، وكذلك واشنطن. وبدأ طرح الأسئلة.

إبادة مرج بسري ليقوم السد مكانه ليس الهدف الوحيد لمناهضته وتشكيل حملة أهلية وأخرى وطنية لمنعه، بل تقول الأبحاث الجيولوجية بمخاطر كارثية لوقوعه مباشرة على فالق زلزالي نشيط. وإلى هذا هناك من يقول إن السيد المسيح مرّ في مرج بسري وهو في طريقه إلى صيدا ومن ثم دمشق. وتأكيد هذا المسار أم نفيه متروك لمتتبعي خطى السيد المسيح.

 في هذا التحقيق إضاءة على مرج بسري من المقيمين حوله ومن ناشطين بيئيين. نورما فغالي رئيسة سابقة لبلدية الميدان القرية المشرفة على بهاء المرج من جهة الشرق. نشاط فغالي الدؤوب يترك انطباعاً بأن جذورها ممتدة في هذا المرج أباً عن جدٍ. وفي الواقع أنتمت للمكان بفعل الزواج، وأصرّت على زيارة الميدان حتى خلال الاحتلال الإسرائيلي بهدف توطيد علاقتها وعائلتها بالأرض، وتشجيع آخرين على سلوك مماثل. تقول: منذ زيارتي الأولى إلى بلدة زوجي في قضاء جزين أُغرمت بالمكان من النظرة الأولى. ورغم صعوبة الظروف خلال الاحتلال والمرور على حواجز الذل لجيش العملاء كنا نزور البلدة. وهو إصرار تبادلته مع زوجي، ورغبنا بربط ابننا بجذوره. سنة 2004 تقرر أن يكون لبلدة الميدان بلدية ولأول مرة، وقضت التسوية بين العائلات أن أكون عضواً. استمرت البلدية إلى انتخابات 2010 فتكرر انتخاب المجلس نفسه. وعندما قدم رئيس البلدية استقالته سنة 2012 حللت مكانه لثلاث سنوات ونصف. ومن ثمّ أعيد انتخابي سنة 2014 ومنذ ذلك الحين بدأ مشواري في معارضة إنشاء سد بسري. والغريب أن ترويج مجلس الإنماء والإعمار له جعل أكثرية الأهالي يعيشون وكأن المن والسلوى بانتظارهم. بقراءتي للمشروع وجدته يهدف لتهجير الأهالي بقطع مورد رزق مستدام من الزراعة في المرج. وصار التوقع حقيقة، فمنهم من اقتنى السيارات الفخمة، وشقة في المدينة، أو وضع ماله في المصرف الذي تحفظ عليه في المرحلة الحاضرة. هالني أن يتم شطب هذا المكان الخلاب من الخريطة والذاكرة. ولهذا بدأت أبحاثي عن خصوصيته لجهة الأشجار والطيور. فالمرج هو المكان الوحيد الذي تمر فيه الطيور في هجرتها بين الفصول. ويضم ستة ملايين متر مربع من الأراضي. وتماثل أشجار الصنوبر التي يضمها المرج بمساحة كافة محميات لبنان. ومن هذا المنطلق تقدمت بشكوى إلى مجلس شورى الدولة في سنة 2014.

*معروف أنك اُقلت من المجلس البلدي كثمن لمعارضتك السد؟

**صحيح. استغل المناهضون في المجلس مسألة التخلف عن التصريح بالممتلكات والمال الذي أملكه إلى جانب سائر الأعضاء، فتقدموا بالطعن لأننا تأخرنا بتقديم المستندات. واستغلت وزارة الداخلية معارضتي للسد لتوقيع قرار الإقالة رغم أن الأكثرية الساحقة من بلديات لبنان لم تتقدم لوزارة الداخلية بتصريح عن الممتلكات.

*هل يشكل المعترضون أكثرية في محيط المرج؟

**بداية كان اتحاد بلديات جزين جميعه مؤيداً لإنشاء السد بخلافي وحدي. وتمنيت عليهم تدوين تمنعهم عن مساندتي في محضر الاجتماع. ومن ثم ساندني رئيس بلدية قيتولي. وبدأ التواصل مع الناشطين البيئيين ومنهم رجا نجيم. وبصعوبة بالغة جداً تمكنّا من اختراق تأييد الأهالي للسد. حالياً عدد المعترضين من أهل المنطقة إلى تزايد.

*هل يمكن تحديد موارد المرج الزراعية؟

**عشرات العائلات كانت تعتاش سنوياً من زراعة الأفوكا، والحمضيات على أنواعها، والعنب، والفريز. ومنهم من كان يزرع الحشيش الأخضر للحدائق ويبيعه بالمتر المربع. مداخيل توقفت نهائياً بعد وضع اليد على المرج، فتبدل مصدر رزق الكثير من العائلات.

*وماذا عن المواقع الأثرية التي سيبيدها المشروع؟

**في المرج أكثر من 50 موقعاً أثرياً منها كنيسة مار موسى التي بناها البطريرك سمعان عوّاد وتعود لسنة 1737. وجسر من العصر المملوكي. والمعبد الروماني الذي يشكل مدينة كاملة طمرتها الزلازل وبعض أعمدتها ظاهر. وهناك أبحاث لتأكيد مرور السيد المسيح في المرج. تقرر تفكيك ونقل كنيسة مار موسى، والأثار الأخرى ستبقى تحت الأرض.

وقال الناشط في الحملة الأهلية لإنقاذ مرج بسري حسان الحجار من بلدة شحيم التي قضى فيها العدد الأكبر من الضحايا خلال الزلزال الذي ضرب لبنان سنة 1956 منطلقاً من فالق روم ومروراً بفالق بسري وصولا إلى قرى وبلدات أقليم الخروب: رفضي للسد ودفاعي عن المرج ناتج من حوار علمي مستمر منذ سنوات، وأدى إلى قناعة راسخة بعدم جدواه وبأخطاره على المنطقة. أبحاث علمية تمّ استتباعها بلقاءات وندوات مع الأهالي والبلديات والقوى السياسية أدت لتغيير في المواقف. فنحن ننطلق من معايير علمية لعملنا الرافض لمشاريع السدود جميعها ومنها بسري.

ورداً على سؤال عن حماسه للدفاع عن مرج بسري قال حسان حجار: في بلدتي شحيم نعاني دائماً من نقص في المياه، ونشتريه بالصهاريج من أصحاب الآبار غير الشرعية وعددها 33. ولدى زيارتي لأصدقاء في بلدة باتر الشوفية المطلة على المرج فتنني جماله. وفي قراءاتي وأبحاثي عن المكان علمت أن أرضه رملية ومعرّضة على الدوام للانخساف، فتعجبت من فكرة بناء السد.

نقولا حداد ناشط انضمّ للحملة الأهلية لإنقاذ مرج بسري في وقت لاحق من إنطلاقها، يقول: تتألف الحملة الأهلية من ناشطين ينتمون جغرافياً للقرى المحيطة بمرج بسري وهم من قرى جبل الشوف، وإقليم الخروب وقضاء جزين. جذور الاعتراض تنطلق من أن المشروع سيبيد منطقة حرجية كبيرة جداً ما يشكل جريمة بحق المناخ. وسيطمر مدناً تاريخية تعود للعصور البيزنطية والرومانية، وغيرها من الآثار. كما أكد استاذ مادة الجيولوجيا في الجامعة الأمريكية الدكتور طوني نمر يرى في أبحاثه بأن أوزان الجدران التي سيبنى منها السد وكذلك المياه المزمع تجميعها فيه لهما أثرهما على فالق بسري المرتبط بفالق روم الخطير. في حين أن دراسات جيولوجية أخرى تنفي ذلك. ويقول الراصدون للمتساقطات ومياه الينابيع والأنهار بأن تعبئة السد بـ125 مليون متر مكعب مستحيل، فلا مصادر مياه بهذا الحجم.

ويضيف حداد: من دون شك المرج راسخ في وجدان الأهالي مما شكل أحد حوافز مناهضة السد، إلى جانب آثاره البيئية المدمرة. ولأن العالمين بمصادر المياه في لبنان يقولون إن الخزانات الجوفية يمكن أن تشكل مصدراً وفيراً للمياه فما جدوى السد؟ ودراسة الدكتور سمير زعاطيطي العلمية بهذا الخصوص خلُصت إلى وجود خزانات جوفية قادرة على مد مدينة بيروت بمياه الشفة، وخاصة تلك الموجودة تحت مرج بسري.

وعن انجازات الحملة الأهلية إلى الآن يقول نقولا حداد: جهزنا الدراسات العلمية التي تُثبت سلبيات إنشاء السد. بعضنا رغب بزيارة السياسيين للحصول على دعمهم، وبدوري رفضت الفكرة فجميعهم متواطئ مع جميعهم، للحصول على المال الخارجي لتحاصصه. وهكذا كانت وعود السياسيين “حكي بحكي”. نجحنا بضم المزيد من الأهالي المعترضين إنما بشكل محدود. وعندما اندلعت الثورة ونحن جزء منها، تزايد عدد المعترضين على الأرض في مرج بسري، وتمكنا من كسر أقفال وضعتها شركات المقاولات، وأوقفنا الأشغال. ونحن متفائلون بإمكانية وقف مشروع السد رغم موافقة الحكومة الجديدة على السير به، ومخيم ثورة الشعب اللبناني دائم في مرج بسري.

رئيس الحركة البيئية اللبنانية ومؤسس جميعة الأرض-لبنان بول أبي راشد حدد لـ”القدس العربي” أين تتقاطع وأين تلتقي كل من الحملة والوطنية والحملة الأهلية لمناهضة مشروع سد بسري؟ قال: نحن في الحملة الوطنية نتولى التواصل على صعيد أوسع من الأهالي في القرى والبلدات. فالحركة البيئية اللبنانية تضم 60 جمعية تنتمي لمناطق لبنان كافة. وقد اكتشفنا في بدايات سنة 2014 مشاريع عدة لإقامة سدود، وتنفذ بدون احترام للقانون، خاصة مرسوم تقييم الأثر البيئي، الذي يفرض الإصغاء للناس قبل تنفيذ أي مشروع كبير. وتفاجأنا بأن سدود جنّة وبقعاتا والمسيلحة أقيمت في أماكن مميزة بجمالها. وأكدت زيارتنا لوزارة البيئة خلوها من أي دراسة بخصوص تقييم الأثر البيئي لتلك السدود. ولهذا نشأت حملة بعنوان “لا للسدود العشوائية”. وفي هذه المرحلة بالذات بدأت ترد معلومات عن مشروع سد بسري، وبرز اعتراض قانوني على المرسوم من قبل بلدية الميدان. ومن ثم توالت الاعتراضات فتأسست حركة بيئية تحت اسم “الحملة الوطنية للحفاظ على مرج بسري” وتضم خبراء مختصين وجمعيات، وبحوزتنا عريضة تحمل توقيع 75 ألف شخص. وأصبحت الآن حملة عالمية للحفاظ على مرج بسري.

*ما هي المستجدات لجهة تواصلكم مع الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل السد؟

**نتيجة الصفة القانونية التي تمتلكها الحملة البيئية بدأنا في سنة 2017 اتصالات مع البنك الدولي للاعتراض على دراسة تقييم الأثر البيئي. وبعدها زار مركزنا أول وفد من يمثله. وعقدت سلسلة اجتماعات بين خبراء لبنانيين وآخرين من البنك الدولي. لكننا لمسنا عدم الجدية مما قادنا لتقديم شكوى على البنك الدولي وفي البنك نفسه، وطالبنا بهيئة تفتيش مستقلة لتحكم على صحة نشاطاته. تقدمنا بالشكوى في شهر آب/اغسطس من سنة 2018 وبنتيجتها زارت لجنة تفتيش لبنان لأربعة أيام، واجتمعت بأهالي جزين والشوف، والتقت مع الخبراء والجمعيات. وفي اليوم الأخير من إقامتها التقت الحكومة، وبالتالي لم تقترح فتح تحقيق. وفي سنة 2019 تقدمنا بشكوى أخرى، وكرجت الشكاوى. وكان لدى بعض الناشطين بالحملة الوطنية للحفاظ على مرج بسري صلة بنواب في البرلمان الألماني مما أثمر اعتراضهم على تمويل حكومتهم للسد. ونحن نتابع الضغط مع جمعيات اخرى منها تجمع جمعيات في واشنطن يراقب أعمال البنك الدولي، ومن بينها “أراب واتش” الذي يراقب الأعمال في العالم العربي، وكان لهذا التواصل ثماره بصدور موقف من البنك الدولي يطالب الحكومة بالحوار مع المجتمع المدني. وأبدى الإستعداد لتحويل القرض إلى وجهات صرف اقتصادية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية