تعميقاً لتجربة صباغية فائتة، اتسمت بالاشتغال تجريدياً على الوجوه والأقنعة -كثيمة إيحائية- بطريقة التعضيد الصباغي، أظهر فيها كيفية التعامل مع السند واستغلال مختلف التحولات البصرية، التي تنتج عن تعدد وسائط ومواد الاشتغال، يطالعنا التشكيلي إبراهيم أشيبان بتجربة تلوينية أخرى جديدة، مفعمة بآثار لونية متراكبة ومتعددة الأزمنة. فهي تظهر في شكل ترسبات لونية، بدلالات أيقونية متنوعة تمتد لاختيارات الفنان وتباين لحظات الولادة والنشوء والتكوين. تطويراً لذلك، صارت اللوحة عنده أكثر تجريدية، فانطفأت بالتالي الوجوه والأقنعة، وحلت محلها كتل وإنشائيات صباغية Picturales مصاغة بمرونة إبداعية وألوان لدنة، في مقابل أخرى مصمتة يلجأ الفنان فيها إلى تقنية الدعك والحك والكشط Grattage لخلق خدوشات ونتوءات خفيفة في جسد اللوحة، إلى جانب مساحات لونية مفتوحة ناتجة عن التحريك والاستعمال السريع لفرشاة لونية عريضة، يضع بواسطتها فيضاً من الصبغات فوق أخرى، ومن رحمها ينبعث الأثر معلناً عن حضوره وولادته في اللحظة الإبداعية المناسبة.
الأثر هنا، كائن في عمق اللوحة، حَدَثِي وفعلاني يتنفس على إيقاع حركات جسد الفنان الذي يشتغل تارة واقفاً.. وتارة أخرى على الأرض، غير آبه بما يقع بجانبه، منشغلاً في الإنشاء والبناء والتوليف، الذي يستغرق لديه مراحل متعاقبة وممتدة من الاشتغال بغرض إبراز الأوجه المتعددة للعمل الفني القائم على خلق التباين «الكونتراست» المفترض بين الظهور والضمور، بين الحضور والغياب.. وبين النور والظلام..

في أبحاثه الصباغية الراهنة، حداثة لونية أساسها تجريدية صداحة تتبادل المواقع على إيقاعات تعبيرية، تكثر فيها التسريحات الطيفية والشفوف الناتجة عن المحو، واستعمال لمسات صباغية عريضة بألوان اصطلاحية فاتحة، إلى جانب أخرى داكنة مدعمة أحياناً بكولاجات لقصاصات من الصحف والمجلات وأرواق التكييس، من أجل إكساء اللوحة سطوحاً متنوعة من القراءة البصرية. أوجه يسود جزءً منها نوع من التكثيف اللوني، بياض نوراني، مقابل ألوان كحلية وأخرى زرقاء كوبلتية وأخرى نيلية (أنديڭْو)، تتعايش مع أحمر ياجوري وترابي يذوب في لجة السند، بحس فني يبحث في اللامرئي واللامبصر، الذي تنجلي على إثره النماذج الأولى المؤسسة للوحة، اقتداءً بوقع الفكر الصوفي، حيث تختفي الموجودات المادية، وقد ظهر جزء من هذه التجربة الصباغية خلال المعرض الفردي «مواد وأنوار»، الذي أقامه الفنان أشيبان قبل أشهر بنزل Le Coq hardi في بلدة إيت أورير ضواحي مراكش.
التطبيقات اللونية التي أضحى يستعملها الفنان بكثير من الإثراء في هذه التجربة، تبدو شديدة التأثير، وتظل تنهض على قوة التبصيم وبلاغة الأثر لتمثل بذلك رهانه الذي ينفذ بواسطته إلى العمق والجوهر.. أليست «الألوان هي القوة الوحيدة التي يمكنها التأثير مباشرة على الروح»؟ كما يقول الفنان الروسي فاسيللي كاندانسكي.
ولأن التجريد هو فن المطلق (والعبارة بحاجة إلى تأمل)، فإنه في تجربة الفنان إبراهيم أشيبان يبدو طرياً، خصباً، مفتوحاً غير مقيد سوى بفكر الفنان وتأملاته اللونية، التي تتجدد من تجربة لأخرى، وفيها يحشد أبحاثه وساعات مكوثه واشتغاله داخل المرسم بكثير من التداعي الحر.. ففي عمق لوحاته تتبدى أكثر من قراءة بصرية لفهم العلائق اللونية، التي تنتظم وتتلاءم داخل مسطحات وكتل متجاورة، لتمنح اللوحة هويتها التجريدية.. فمن أين؟ وكيف يُمكن قراءة هذه التكوينات اللونية المتراصة والمتراكبة في آن؟ هل نقرأها في حدود توليفاتها الباعثة على الشد والتماسك، أم في حدود انسيابيتها ولدونتها الصافية الممتدة والمندمجة مع سند اللوحة؟ إذ كثيراً ما تعطي هذه اللوحات انطباعات بأنها باعثة على آثار ما دالة على شيء ما. هي، بلا شك، حصيلة بحث صباغي جاد ومتواصل يتولد أولاً في «مطبخ» الفنان قبل أن يراه جمهور الفن ويستمتع به، بل هي رسالة وخطاب في الآن نفسه.. وبينهما، وعبر مسافات واسعة من التأويل، تتجذر المعاني والدلالات الأيقونية، التي يبحث عنها المتلقي، لأنها تمثل شيفرات وسنن التلقي والفهم.
بهذا الجهد الإبداعي، تمسي لوحات ابراهيم أشيبان أنساقاً بصرية عصية على الفهم، خلال قراءة واحدة، فهي تشترط الإحساس قبل المشاهدة..الإحساس باللون والأثر اللذين يقودان إلى المتعة البصرية، ويضمنان تحققها وسط تطبيقات لونية مكثفة بهوية تجريدية لاشكلية ولاتمثيلية، قررت مصيرها ورسمت دروبها أيادي الفنان التي تبصر، لتظل تمثل بذلك انعكاساً مباشراً لحوافز داخلية تنهض كثيراً على نحت اللون واستغلال الأثار والحياكات Textures الناتجة عن استعماله ضمن تكوينات تجريدية، تمتد جذورها إلى ما بعد التأثيرية، لكن من دون نزع اللوحة عن موضوعيتها..
هكذا أقرأ لوحات ابراهيم أشيبان، الذي يشتغل بفكر يقظ وبرؤية جمالية حداثية، تجعله يراكم تجربته بتأن، بإمكانياته وأدواته الإبداعية الخاصة في صمت ومن دون ادعاء..
٭ ناقد تشكيلي من المغرب