النهاية غير المتوقعة لرامي مخلوف… كيف فسّر وزير إعلام النظام أغنية إسرائيلية في مسلسل؟

حجم الخط
2

لم يكن ليخطر في بال السوريين أن يصبح رامي مخلوف، رجل الاقتصاد الغامض، ابن خال رأس النظام، والذي لم يكن يذكَر اسمه إلا في ما يشبه الهمس، ألهيتهم.
المتسلط، الذي لم يترك رجل أعمال أو تاجر، أو حتى صاحب كشك جرائد، إلا وأراد أن يشاركه تجارته بالقوة، لم ينته نهاية القذافي، ولا نهاية ضحايا نظامه (كعارف دليلة، المعارض والأكاديمي الاقتصادي، الذي قضى سنوات في السجن، بسبب انتقاده شركات مخلوف)، أو نهاية رفاق الدرب، “انتحاراً” كمحمود الزعبي وغازي كنعان، لقد انتهى الرجل ليصبح، وفي ثلاثة فيديوهات فقط، “مسخرة” على ألسنة السوريين وأقلامهم.
بعد هالة الغموض، التي خلقها ابتعاده عن الإعلام والأضواء، بات مخلوف مهدوراً على طرقات مواقع التواصل الاجتماعي.
أتاح لنا ظهوره المسلسل التعرّف جيداً على جوانب غير متوقعة من شخصيته، ربما لسان حال الجميع الآن سؤال يقول: هل يعقل أن يكون واجهة اقتصاد هذا البلد على هذا الحال من الضعف، منطقاً وخطاباً وحضوراً شخصياً هزيلاً!
بعد الحلقة الأخير بتنا متأكدين أننا ذهبنا بعيداً في التحليل والاستنتاج، أن الرجل عمل بإدارة خبراء ومخرجين في محاولة ضمان التأثير بملايين السوريين، بعد الفيديو الثالث أدركنا أن الرجل هو هكذا، من دون أي إضافة، هذا الهزال هو جوهره.

أما لماذا كان يخيف السوريين، وأصحاب الأعمال منهم بالذات، فلأن الرجل دورٌ، وأود هنا استعارة وصف سمعته من زميل، إنه أقرب إلى “غطاء قنينة كازوز على شباك المخبز”.
هذا الشيء يعرفه كل من وقف من السوريين على باب الفرن، حيث يضع المرء مكانه ذلك الشيء، الغطاء. (كان ذلك بدلاً من وقوف المشتري نفسه بدور (رتل) طويل، كان هناك من يضع قلماً، أو علبة كبريت، أو أي غرض.. وحين ينادي البائع لمن هذا الشيء يعرف صاحبه أن دوره في شراء الخبز قد حان).
غطاء القنينة ذاك هو دور، يعرف الجميع أن لا قيمة له على الإطلاق، وليس مهماً جودته وفحواه، إنه بديل وعلامة لشيء آخر، وسرعان ما سيلقى عند انقضاء المهمة.
وفي الواقع، لم يكن السوريون ليحلموا بأن يكحّلوا أعينهم برؤية الرجل الأسطوري آيلاً إلى ذلك الشيء.

ضد التطبيع!

عندما سئل وزير الإعلام السوري عماد سارة من قبل أحد برلمانيي بلاده، كيف لأغنية إسرائيلية أن تمرّ في مسلسل سوري يُعرض على قناة سورية، قال: “مسلسل “الساحر” تم تصويره في لبنان ولم يمرّ على لجنة الرقابة في وزارة الإعلام”، وزعم أن لا رقابة على قناة “سما” الخاصة، حيث عرض المسلسل، لأن ترخيصها في “المنطقة الحرة”.
معلوم طبعاً أن رقابة النظام السوري لا يمكن أن ينجو منها مسلسل، فهو سيمرّ حتماً على رقابة النصوص، ثم لا بدّ له أن يأخذ موافقة العرض، سواء عرض على شاشة محلية أو عربية. وفي حالة “الساحر”، ما دام يعرض على شاشة محلية، فلا بدّ أنه حظي بموافقة العرض، ما يعني أن وزارة إعلام النظام مسؤولة عن ظهور الأغنية الإسرائيلية.
من يعرف رقابة النظام، سواء على المسلسلات والأفلام، أو الكتب وغيرها، يعرف جيداً استحالة مرور ما يمكن أن يخرق القواعد، خصوصاً إذا تعلق الأمر بمسألة التطبيع، إذ كيف لنظام يستعمل هذه الذريعة سيفاً مسلطاً على رقاب الخصوم، ويحسب عليهم أنفاسهم، فيما هو نفسه يقع في مطب التطبيع!
يكاد النظام يوسع رقابته لتشمل إعلاماً لا يقع تحت سلطته، كما حدث أخيراً عندما وقع مئات من مناصري النظام وأزلامه بياناً يستنكر “الحملات المؤذية والمغرضة في بعض وسائل الإعلام الروسي، ومنها قناة “روسيا اليوم” بحق سوريا شعبا ودولة ورئيساً”! فما بالك عندما يتعلق الأمر بقناة سورية معروف عنها انحيازها الكليّ للنظام، ربما أكثر من القنوات الرسمية.
لا بدّ لمن يمرّر ويسوّغ ظهور أغنية إسرائيلية في مسلسل سوري أن يخجل قليلاً عندما يصدر بياناً، بلسان “لجنة صناعة السينما والتليفزيون في سوريا”، يستنكر “عرض مجموعة قنوات “أم بي سي” مسلسلات تدعو للتطبيع مع العدو الصهيوني وتبث الكراهية ضد الشعب الفلسطيني وتسيء لنضاله وكفاحه المشروع لتحرير فلسطين”!
النظام السوري ليس مؤهلاً للعب هذا الدور في تزعّم حملات رفض التطبيع.

“رجل الثورة”

يلفّق الفيلم السوري “رجل الثورة” (إخراج نجدة أنزور، وسيناريو حسن م يوسف، من إنتاج المؤسسة العامة للسينما) حكاية مصور صحافي أجنبي يدخل متسللاً إلى مناطق سيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية. كل همّ الصحافي أن يلتقط صوراً في أي ثمن تساعده للحصول على جائزة مرموقة. يجهد في إقناع “الأمير” أولاً بتمثيل مشاهد القصف والتفجيرات والموت، ثم يطور فكرته إلى اقتراح ارتكاب مجزرة فعلية للتأثير في الرأي العام. وبالفعل، يستجيب “الأمير”، يرتكب مجزرة، ضحاياها من مؤيديه، ويبرر ذلك بالقول إن البريء من بينهم سيذهب إلى الجنة، فيما سيستحق المذنب الموت عقاباً!
بعدها سيطوّر المصور (يؤديه سيف سبيعي) اقتراحاً جديداً بارتكاب مجزرة كيماوية في أهل المنطقة، ومرة أخرى ستعجب الفكرة “الأمير”، وينفذها بمناصريه!
يرمي الفيلم إلى القول إن كل المجازر المسجلة باسم النظام، وعلى رأسها المجازر الكيماوية، هي من تلفيق المعارضة، بالتضامن مع الإعلام الأجنبي الذي لا يتوقف على تزوير الحقائق على الأرض، بل هو من يحرّض على خلق تلك الحقائق الدموية!
يعرف الجميع، وتقول الحقائق والأرقام ومنظمات أممية وإغاثية و”حقوق إنسان” وخلافه، إن النظام ارتكب أفظع المجازر، بل إن مخرج الفيلم نفسه لم يتردد، في تصريح شهير، بدعوة النظام إلى قصف مناطق المدنيين بالبراميل المتفجرة باعتبارها حواضن للإرهابيين، فلماذا إذاً يستبعد أن يرتكب النظام مجزرة؟!
وددنا أن نناقش أكثر، ونقدم مزيداً من البراهين لصنّاع فيلم “رجل الثورة”، بخصوص تلك المجازر، لكننا نعرف جيداً أنهم يعرفون الحقيقة، ولعلهم رأوا أكثر مما رأينا.
الفيلم في النهاية لن يقنع أحداً، لا هو بالمستوى الفني اللائق كي يصل إلى منابر عالمية مرموقة، كما لن يستطيع بالطبع أن يقنع ضحايا، هم اليوم ملايين اللاجئين حول العالم، بما عانوه وعاينوه بأم العين. تبقى هناك فائدة واحدة للفيلم، إنه وثيقة صريحة لتخاذل وتزوير ووحشية لا تغتفر.

كاتب فلسطيني سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية