الخرطوم ـ «القدس العربي»: ظهرت، أمس الثلاثاء، تداعيات انشقاق حركة «تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي عن «الجبهة الثورية»، إذ اعترض نائب رئيس الحركة على القرار، ما تسبب بفصله، فيما اعتبر عضو في مجلس السيادة أن ما حصل» مؤسف»، ودعا إلى «الوحدة والشراكة».
وأبلغت حركة «تحرير السودان» بقيادة مناوي، أول أمس، وساطة السلام قبيل انطلاق جولة المفاوضات، بأن الجبهة الثورية «صارت قسمين ولم تعد موحدة، واحدة يقودها الهادي إدريس رئيس الجبهة الحالي، والثانية يقودها مناوي، وعليها التصرف وفق ذلك» .
وبيّن في تصريح صحافي «نسبةً لمتطلبات الواقع الماثل أمامنا وللمزيد من تجويد وتطوير أداء الجبهة الثورية ولإنهاء حالة الاستقطاب الحادة والشللية في داخل الجبهة الثورية، تقدمنا برؤية لقيادة جماعية للخروج من هذا الوضع المشلول، لكن ذلك جُوبه بالرفض من بعض الفصائل، مما يعني إعلان الانشقاق من جانب الرافضين للإصلاح» .
في المقابل، بين الناطق باسم الجبهة الثورية (الأم) أسامة سعيد، في بيان أن «الجبهة الثورية مكونة من تسعة تنظيمات مسلحة وغير مسلحة، وخروج تنظيم منها جاء لأن التنظيمات الثمانية الأخرى رفضت أن يطوع دستور الجبهة لأهواء قيادة التنظيم التاسع، وهذا لا يعني انشقاقا وإنما خروج تنظيم عن إجماع الآخرين»
وفي حين وصف،عضو مجلس السيادة، محمد الحسن التعايشي، مسؤول ملف مفاوضات دارفور، ما حدث في الجبهة الثورية بـ»الأمر المؤسف»، وقال «لا تزال دعوتي القديمة قائمة بضرورة الاتفاق وأثق في أن عبقريتكم ستقودكم إلى صيغة تحفظ وحدة الجبهة وتعزز فرص السلام، ولحين ذلك أدعوكم للحفاظ على شراكتكم لتزرعوا الأمل في نفوس السودانيين ولتكملوا ما تبقى من حلم»، تسبب قرار مناوي بتفجر خلافات داخل حركته، إذ أعلن الريح محمود، نائب رئيس الحركة، استمرار الأخيرة في صفوف الجبهة الثورية، في رسالة بعث به لرئيس الجبهة الهادي إدريس، بين فيها أن قرار مناوي «غير ملزم باعتباره لم يخرج من المؤسسات المعنية» . كما وجه محمود رسالة لجماهير الحركة، جاء فيها «نؤكد أن الحركة باقية ومستمرة مع بقية الرفاق في الجبهة الثورية حتى الوصول لسلام، كما نطلب من المجتمع الدولي والإقليمي الوقوف معنا من أجل عبور هذا المنعطف ونجدد التزام الحركة الصارم بموجبات السلام والوصول إليها حفاظا على الأمن والسلام الدوليين» .
وعقب ذلك أصدر مناوي قراراً يقضي بفصل محمود من صفوف الحركة، جاء فيه «إن الريح محمود تم إعفاؤه من صفته كنائب رئيس للحركة بقرار صادر من المجلس القيادي للحركة وذلك لمخالفته المادة 7 الفقرة 2 والمادة 8 الفقرة 1/3/6 والمادة 9 الفقرة 1/7 من الباب الثالث للنظام الأساسي للحركة» .
بسبب اعتراضه على قرار انشقاقها عن الجبهة الثورية
وفي السياق، وصف الكاتب الصحافي بكري المدني، خطوة مناوي بأنها «محبطة للشعب السوداني، الذي كان يتطلع لأخبار عن اتفاق السلام» .
وأضاف لـ«القدس العربي»: «عدا عن أن الخطوة محبطة، فإن المبررات لاتخاذها ضعيفة جدا وغير مقنعة، ولقد كان واضحا في بيان مناوي أن الأمر لا يخرج عن التنافس التاريخي مع حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، فإشارة مناوي إلى الأيديولوجيا، ومن ثار عليهم الشعب كانت واضحة» .
وتابع « لا أحد يجادل في الانتماء السابق لبعض قيادات حركة العدل والمساواة للحركة الإسلامية، وعلى رأسهم الشهيد خليل إبراهيم، ولكن ألم يخرج خليل نفسه على الحركة الإسلامية لدرجة محاربة نظامها بالسلاح» .
وزاد «إن كانت العلاقة بالنظام السابق تهمة فإنها مثبتة على حركة مناوي وليس حركة العدل والمساواة، كما أن الإنسان يجب أن يحاسب على مواقفه وليس على أفكاره وذلك لأن الأفكار والإيديولوجيا، وحتى العقائد، ليست جينات أو فصائل دماء غير قابلة للتغيير أو التطوير» . وواصل «نأمل أن تمتص الجبهة الثورية ما حدث وأن تقبل على توقيع اتفاق سلام مع الحكومة في جوبا بأسرع ما يمكن حتى يعود الجميع للمشاركة في الفترة الانتقالية التي تمر بظروف حرجة جدا ولإنقاذ البلاد التي بات يتهددها الخطر من كل الجوانب، والحركات المسلحة وبما لديها من كوادر لديها خبرة ودربة في العمل السياسي قادرة بلا شك على إحداث الفرق» .
القيادي في حركة التحرير المنشقة، نور الدائم طه، أكد التزامهم بالسلام، باعتباره الهدف الأسمى، ما يعني الاستمرار في المفاوضات، وفق الجداول الزمنية المحددة لتوقيع الاتفاق النهائي. وقال لـ «القدس العربي»: «أبلعنا الوساطة بوضوح أننا ملتزمون بالتفاوض من أجل الوصول إلى سلام لأنه الغاية الأكبر عندنا، وهي غاية تهم شعبنا في الأساس، وعليه سنكون موجودين في كل الجولات إن كان ذلك بشأن الترتيبات الأمنية أو القضايا القومية، الفرق الوحيد أننا لن نشارك في وفد موحد مع الجبهة الثورية، القيادة الأخرى ونحن واثقون أننا قادرون على الوصول إلى سلام في الوقت المحدد» .
وعن طبيعة الخلاف مع الجبهة الثورية أوضح: «نحن طالبنا بقيادة أفقية بدلا من الرأسية لمنع وقوع الجبهة في براثن المحاور، وعندما تعنتوا أعلنا موقفنا الأخير».
ولفت إلى «وجود خلافات جوهرية دفعتهم لاتخاذ الموقف الأخير»، مضيفاً: «نحن الآن متجهون لمناقشة القضايا القومية في التفاوض المتعلقة بقضايا الهوية وعلاقة الدين بالدولة، وزملاؤنا من قادة الجبهة الثورية لم يكن موقفهم واضحا حيال هذه القضايا، وهو ما أشعرنا بالقلق والخوف على مبادئنا» .
وبين أن «بعضهم يريد ترحيل قضايا إلى المؤتمر الدستوري، نحن دعوناهم لنتخذ موقفا واحدا ومعلنا من قبلنا حيال هذه القضايا لجماهيرنا وللشعب السوداني ثم بعد ذلك لا يهم أين ومتى تناقش، إن كان في الخرطوم أو جوبا» . وأشار إلى أنهم «في السابق كانوا متحالفين بهدف إسقاط النظام مع قوى كثيرة هم غير مرتاحين للعمل معها، وذلك بغرض إنجاح الثورة وإسقاط عمر البشير. المرحلة الآن هي لبناء قوى المستقبل وتحتاج لرؤية جديدة تقطع مع إرث الماضي والقوى الحقيقية التي ستقود المستقبل تتشكل وتعيد تحالفاتها على أسس جديدة، ونحن نريد أن نضع رجلنا في سودان ما بعد السلام» .