“بعيداً باتجاه الأبدية الظافرة” مجموعة الشاعر العُماني عبد الله البلوشي : عوالم لامتناهية في تكثيف الإشارة والعبارة

سعيد سلطان الهاشمي
حجم الخط
0

لِمَ الأبدية تُزهر في العزلة؟

من تخلى وجد. هكذا يقدم الشاعر عزلته، عن طيب خاطر، في سبيل خلود مؤجل. يتبخّر يومه وينزف أمسه على مذبح البعيد. يستودع كل هذا الانمحاء؛ كلماتٍ نازّة كجرح سيّال، تتكفّل بكتابة حقيقة الوجود وتفضح ماهية العدم. هذا هو مشروع عبد الله البلوشي (مواليد 1967، عُمان) الشعري منذ أنّتهُ الأولى وحتى حشرجته الأخيرة. بل، ولأجل الإنصاف والإثخان في الاعتراف؛ هذا ما عاشه، ولم يزل، الشاعر الإنسان بحذافيره، ذاتاً وجسداً، دونما ذرة من ادعاء.

المجموعة الشعرية “بعيداً باتجاه الأبدية الظافرة” ليست استثناءً، بل حزمة من ضوء تتكثف لتُشع بانضوائها مع سابقاتها: “برزخ العزلة” 1994، “فصول الأبدية” 1996، “معبر الدمع” 2008، “أول الفجر” 2011، “المصطلم” 2013، “حياة أقصر من وردة” 2014، “في دار أبي العلاء.. عزلة وكلمات” 2015، “العتمة التي أشرقت” 2016، و”طائر يتبتل على الضفة” 2017.

لم يكن عبد الله البلوشي أحد أغزر شعراء قصيدة النثر إنتاجاً في بلاده، وبين جيله، فحسب؛ بل يُعدّ أبرزهم تطوراً على مستوى الاشتغال والالتزام والحفر والوجع عميقاً باتجاه المعنى. ولا عجب، من كونه كذلك، أنه أبعدهم عن الصورة والضوء، إلى حد أنه غير مرئي، على ركحٍ يفيض بالضجيج ويحتفي بطُلّاب “التحقق” والاعتراف والتكسب من الصمت والكلام معاً.

زاهداً في كل ما عدا المعنى، يأخذ الشاعر بيد قارئه إلى النبع، الأم، ثيمة عبد الله القارّة في كل اشتغالاته:

“أيتها الأم الصاعدة بروعتها في الأعالي

هل تسمعينني؟

إنني أتفطّرُ حُزناً

مثلما جسد العاشق، يتلوى

أسفل سياط شموسٍ تركله

بسطوة

أجرامها

الهائلة”.

متخذاً من العُزلات سُلّماً يصعده، بصبرٍ حانٍ، وثقل يمزق الروح بدداً؛ آملاً في خلاص يناديه من كوّة عالية. السُلّم ليس طويلاً، بقدر ما هو معطوب نازف، لكنه كافٍ لبلوغ المُراد، بسيطاً كنسمة ندية عابرة، منثلم الحوافّ كسكين صدئة، تُمعن في العذاب، من ثلاث طبقات/ نصوص، لا غير، تختزل العُمر كله:

“العزلات الأولى لطفلٍ مُعْتلّ”، و”في عُزلاتها الثانية”، و”الأبدية الظافرة”.

الكثيب الصوفي الذي يغرف الشاعر منه لغته مكّنه من تكثيف الإشارة إلى الحدّ الذي لم تَعُد العبارة إلا مفتاحاً لعوالم لامتناهية تُزهرُ على شرفات المخيلة:

“ومن هناك..

من المنفذ الحجري الذي ينطق بدون شفة

صارت روحه تنادمني

كما لو أنها الحجر الحيّ

حين يُقْذف به عنوةً في أغوار ينبوع”.

تنساب اللغة رقراقة عذبة، واعدة بالإرهاف: “يا للشعلة التي تورّدت في روحي/ قبل أن ألمحها في العراء/ حانيةً ودافئة/ كمثل ظلالٍ طيعةٍ ما فتئت تنثال/ في العتمة السامية على مجدها.”

في النص الأول يؤرخ الشاعر لاعتلالٍ في الطفولة أحال تخوم الموت إلى حيوات متفجّرة بالشعر والخيالات الخصبة. طفولة انبعثت من باطن الأرض أشجاراً وطيوراً، سالت ودياناً هادرة من “وجعٍ يُرتجى برؤه، ولا يبرح موضعه على الإطلاق”. فمهما تطلّبت الحياة من أثمان فإن الطفل المُعتلّ ذاك ملتصق بالحجر والتراب كـ”ضمادة بقاء لن تُفضّ أبداً” حتى يُسلم روحه في الأعالي.

هذه الأعالي، التي هي ليست إلا الدرجة الثانية، وقبل الأخيرة من سلمّ الصعود، ليست غير الأمّ. أمّ الشاعر الحقيقة، والأم المجاز:

“من أجلكِ فحسب..

عميقاً، وطّنتُ ملمس راحتي على التربة المقدسة

من أجلكِ فحسب..

كنتُ أشرع في ملئ أكواز مياه

أسفل الشجرة الباكية، على انفراط عِقد طفولتي

لعل الطيور تأتي..

في منتصف الليل، ربما

أو عند ابلاج الفجر

حين ينفتح على معضلةٍ متجددة”.

يتفجّع الشاعر من الغياب المدويّ، ما من عزاء يعوّض روحه كل هذا الفقد، فيبدو أنه حسم خياره الوجودي وحزم متاعه، واصطحب ما أبقته الذكرى له، وهو في معراجه إلى الأعالي: “هنا ستنفتحُ بتلاتُ قلبي/ – هنا في هذه البقعة النابضة فحسب-/ أيتها الوادعة بفخر في مهدها../ أريدُ أن تنادمينني/ ولو بحديث/ عميانٍ/ حذرين/ في نطقهم.”

ومنها يصل الشاعر بقارئه إلى شجرة المنتهى، النص الأخير، “الأبدية الظافرة” والتي بسط لها المساحة الأوسع، والوصف الأوفر، متلمساً أسرار العذوبة الفاتنة التي أنقذته من تبرّحاته الأزلية. يبدأ في بثّ لواعجه وأحزانه، كصوفي جوّاب، أفناه الطريق، وها هو يتوسل الكلمات بغية التحرر والشفاء: “يا أيتها الأبدية ذات الظفر المتسامي../ هل تنصتين لي؟ هنا، أو هناك..” مُصغياً إلى جرس أنّاته الشعرية، غاذّاً خطو الأنفاس لكي لا تتبخر وتخذله، “جاثياً في العزلة، أتفحص كل شيء/ أيتها الكائنات اللاتي تسمعنني../ أريد أن أحدثّكنَّ عن شأنٍ يعذبني/ ولتشْهدنّ حقاً../ على محنتي بهذه البقعة”.

القصيدة عند عبد الله البلوشي لوحة متراكبة الألوان، متداخلة الصُوَر، لا حدود فيها بين الأرض والسماء، بين الثرى والثريا. الكائن الذي يتنفس في داخله قد تطلع عليه شمس الصباح وهو يتجّول في بساتين قريته الوادعة، لكنه عندما يُرخي الليل سدوله يضع رأسه المتعب على صدر إحدى نجمات درب التبانة، يعرف مواقيت طلوعها وأفولها مذُ كان في رحم الأرض/ الأم، التي سبقته “إلى جوار ذلك النجم/ حين كان يومض بحياءٍ هو الآخر ويرتجف/ ككفيّ طفلٍ ذاهلٍ أمام أهوال ماحقة”.

لا يتعب الشاعر من تشبثه بمقام الطفولة، يراه القاعدة وما سواه الاستثناء الذي يتلّهى به الزمن. كما لا يكفّ عن رؤية الكون بعين شجرة، أو من ثقب نازف في قلب عصفور. أما أديم الأرض فلا يمشي عليه إلا بمقدار تدفق مياه نبع يهذي. لأن فلسفته قائمة على أن “الحياة في أطوارها زهرة/ نسغها هو من يمنح الكون شفةً أكثر فصاحةً/ لكي يتحدث”.

ثمة علامة لا تخطئها عين المتأمل لتجربة عبد الله البلوشي، والتي لا حدود أو فواصل بين ما يكتبه وما يحياه في يومياته ومعاشه، متكبّداً الأثمان الباهظة من الرهان على حدسه وتفجّرات روحه صوب الأعالي. تاركاً هذه الفانية لأهلها، متشبّثاً بالأمشاج الأولى لذاك الجنين الذي لم يتخلق إلا في المخيلة. مترسّماً خُطى شيخه الأثير إلى قلبه أبو العلاء المعري وعقيدته الباقية:

“أما اليقينُ فلا يقينُ وإنمّا/ أقصى اجتهادي أن أظُّن وأُحدِسا”.

 

عبد الله البلوشي: “بعيداً باتجاه الأبدية الظافرة”

دار مسعى، البحرين 2018

104  صفحات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية