“الشاشة ما بتحمي” حملة “نسوية” تنبيهاً للضحايا وتأكيداً على محاسبة المبتزين
بيروت-“القدس العربي”:وكأن جريمة التحرش اللفظي والجسدي المتمادية عالمياً خاصة بحق النساء والأطفال لا تكفي حتى يضاف إليها كابوس التحرش الإلكتروني. أفعال التحرش جميعها تنامت وتكاثرت بفعل الحجر المنزلي الذي فرضته جائحة كورونا. إنما التحرش الإلكتروني بات ظاهرة مقلقة لاتساعه، والآثار النفسية التي يرتبها على الضحايا، الذين يتحكم بحياتهم المبتز الذي يتسم حتماً بالنذالة. فبدل أن يشكل الفضاء الإلكتروني بما يعنيه من هاتف ذكي، أو كمبيوتر مصدر راحة وفائدة وتسليه، يتحولان إلى كابوس يُقلق الضحية أو يرعبها لأنه يتربص بها.
في لبنان ارتفع الصوت عبر حملة تحذير وتوعية. “القدس العربي” تضيء على الظاهرة في هذا التحقيق بدءاً بالحوار مع المديرة التنفيذية بالشراكة في منظمة “نسوية” حياة مرشاد:

*لماذا حملة التوعية من التحرش الإلكتروني؟
**أخذت منظمة نسوية على عاتقها الدفاع عن حقوق النساء والفتيات ودعم قضاياهن. الحماية الإلكترونية من الموضوعات الأساسية في اهتماماتنا، ونتابع كل نقاش حولها. نعرف أنه موضوع طارئ وملح عالمياً ومحلياً، وارتفاع عدد الضحايا مقلق، وهو يزيد عن نسبة العنف “أوف لاين”. تتلقى القوى الأمنية سنوياً بين 500 و600 مئة تبليغ عنف أسري، فيما العنف الإلكتروني وصل إلى 1100 تبليغ من قبل نساء وفتيات. وهو في تصاعد حيث بات الفضاء الإلكتروني عالمنا ومنزلنا ومجتمعنا الثاني. الأرقام الرسمية حول هذه الظاهرة تقول بارتفاع شكاوى الابتزاز والتحرش الجنسي الإلكتروني خلال الحجر المنزلي إلى 184 في المئة. وأكثر من 90 في المئة من التبليغات عن جرائم بحق نساء وفتيات. في سنة 2018 بلّغت 1123 امرأة وفتاة عن تحرش، وفي 2019 ارتفع الرقم إلى 1270. وإلى حدود شهر آذار/مارس الماضي سجّل 315 تبليغاً من نساء وفتيات. وما يزيد القلق أن 44 في المئة من التبليغات من فئة عمرية تتراوح بين 12 و26 سنة. في الحجر خيار التواصل مع الآخرين حصري للشاشات. ولهذا أطلقنا حملتنا في نسوية “الشاشة ما بتحمي” ولهدفين أساسيين: أولهما التأكيد على حق النساء والفتيات بالتواجد على الإنترنت واستخدامها بحرية وبأمان، وبدون تعرضهن للعنف والتهديد. وشعار “الشاشة ما بتحمي” لتنبيههن وبهدف لفتهن إلى وجود خطوات تقنية لحماية أنفسهنّ. وثانياً القول للمتحرش الموجود أونلاين أن الشاشة لن تحميه بعد الآن ومحاسبته على أفعاله آتية. المعتدون يعتقدون انهم غير معروفين وأن أحداً لن يحاسبهم. للنساء والفتيات امكانية التبليغ وفضح الجاني ومحاسبته. وعندما توقف القوى الأمنية مبتزاً تكتشف أن ضحاياه من النساء والفتيات يزيد عن المئة. فهو يجلس خلف كمبيوتره ويبدأ صيده.
*من يؤازر نسوية في حملة “الشاشة ما بتحمي”؟
**في اليوم الأول لإطلاق الحملة نالت تفاعلاً كبيراً وسجلت “تراندينغ 1 على تويتر”. وفي الواقع لا تنال الحملات المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والحقوقية هذا الرواج خاصة على تويتر. فُتح نقاش كبير حول الحملة بين مجموعة من الفنانات والفنانين، ووجدت تضامناً من الإعلاميين. نرى حاجة ملحة لفتح الموضوع، وحملتنا الأولى من نوعها في لبنان. بدأت القوى الأمنية مؤخراً اعطاء التحرش الإلكتروني أهميته، إنما حملتنا خصصت النساء والفتيات لأنهن الأكثر عرضة، وتلحقهن النسبة الأعلى من التعديات. المرحلة الأولى من الحملة بدأت بنشر الأرقام الخاصة لتبليغ القوى الأمنية، والتوعية.
*وما هي المساعدة التي تقدمها نسوية؟
**نساعد الفتاة لتبليغ القوى الأمنية. وإن كانت تخشى معرفة ذويها نقدم البلاغ باسمنا كمنظمة ونتابع مع القوى الأمنية وصول القضية إلى نهاياتها. ونقدم المساعدة للفتيات اللواتي يأتين إلينا بوضع نفسي سيء. فالابتزاز الإلكتروني أدى في لبنان إلى حالتي انتحار لطفلتين وثالثة فشلت محاولتها. ودون شك هناك حالات انتحار لم يُبلّغ عنها. نقدم الدعم النفسي والقانوني بالتعاون مع منظمات صديقة متخصصة عبر الإحالة، ونتابع أوضاعها لاحقاً.
*وإلى متى تستمر حملة “الشاشة ما بتحمي”؟
**نحن في البداية. سندرب من يرغب من الفتيات والنساء على آلية الحماية الإلكترونية. ونظهر خلال هذه الحملة على موقع انستغرام الرائج بين الشباب، ونقدم جلسات توعية مع مختصين ومهتمين. ومستمرون خاصة مع فتح المدارس، فهي هدفنا المباشر بعد كورونا.
*من خلال خبرتك مع الضحايا نسألك كيف يختارهن المبتز؟
**لكل حالة خصوصيتها. قد يختار عشوائياً، أو عن سابق ترصد وإصرار. النسبة الأكبر من الضحايا هن الفتيات القاصرات، يستغل المبتز خوفهن من التبليغ فيستدرجهن. وثمة مبتزون يدرسون الضحية جيداً من خلال ما تكتبه وتفاصيل عن حياتها. المبتز غريب يمكنه ممارسة فعلته مع خطيبته الرسمية حين ينفصلا. وقد يبتز الأزواج بعضهم. أو يكون المبتز قريباً من العائلة.
الخضوع للمبتز
مصدر أمني مسؤول أكد لـ”القدس العربي” أن التحرش والابتزاز الإلكتروني في تزايد كبير عاماً بعد آخر وبرز خلال الحجر المنزلي. وأضاف: الجريمة الإلكترونية في ارتفاع مضطرد، وفي مقارنة بين 21 شباط/فبراير وما قبله من العام المنصرم بلغت الزيادة 184 في المئة بناء للشكاوى التي وصلتنا. ومن المؤكد أن المحجمين عن تقديم الشكوى أكبر بكثر. فالبيئة، والسيطرة الذكورية تجعل الضحايا من النساء يخشين العيب في حال تسربت معلومة. المتزوجون من رجال ونساء يخافون من الشكوى، وهنا تكمن الخطورة لأنهم سيخضعون للمبتز. وآخر القضايا في لبنان قتل ضحية لمبتزّه. ولو وجد هذا الرجل من يرشده إلى قوى الأمن لتلقى المساعدة بسهولة وبدون ارتكاب جريمة. فحتى الآن تمكنّا من توقيف المبتزين داخل لبنان بنسبة مئة في المئة تقريباً.
*من هم المبتزون وما هي أعمارهم؟ وما هي أعمار المعرضين؟
**هم شباب بين عشرينيات وثلاثينيات العمر. وتتراوح أعمار الضحايا بين 12 و55 عاماً. ومن المؤكد وجود منتحرين نتيجة عدم معرفتهم بسبل التصرف. خطأ أن ينهي الفرد حياته بسبب مبتز خاصة الفتيات اللواتي يخشين انكشاف القضية.
*وهل استجدت عقوبات مع الجرائم الإلكترونية؟
**إلى جانب قانون العقوبات اللبناني، صدر سنة 2018 قانون آخر يحمل عنوان “قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي” وينص على عقوبات بهذا الخصوص.
*وهل تختلف العقوبة بين ضحية راشد أو قاصر؟
**طبعاً، عقوبة المبتز لقاصر تعتبر جناية، ولراشد جنحة.
*أين يتقدم الضحايا بالشكوى؟
**قضائياً يتوجهون للنيابة العامة الاستئنافية. ومن لديهم ظروف تمنعهم من مغادرة منازلهم يتقدمون بشكوى عبر خدمة “بلّغ” لدى قوى الأمن الداخلي أو عبر فيسبوك. نتلقى الشكوى وتتم التحقيقات بسرية. ولدينا رقم هاتف خاص للدعم والمساعدة وهو 01293293. قوى الأمن قادرة على المساعدة وبسرية تامة، وننصح أي كان بأن لا يخضع للمبتز مهما كانت أساليبه.
*هل تتواصل معكم قاصرات طلباً للدعم؟ وهل بتم موضع ثقة؟
**بدون شك وعبر البريد الإلكتروني، فيتواصل معهن مكتب جرائم المعلوماتية ويطمئنهن. نتلقى اتصالات من قاصرين وراشدين، وبالتأكيد نمثل ثقة بالنسبة للمتصلين وبغير ذلك لما ازدادت الأرقام. ونحن نشجعهم للتواصل معنا لأنه يخلصهم شخصياً، ويخلص آخرين، فالمبتز يعدد ضحاياه.
*من هو المبتز وكيف تصفه؟
**في الغالب لديه مشاكل نفسية، أو يبتز طلباً للمال. أو يكون مجرماً يستغل الإنترنت لتنفيذ جرائمه.
*هل تخططون لحملة إعلانية وإعلامية خاصة للتوعية من التحرش الإلكتروني؟
**نتعاون ونشبّك مع المجتمع المدني، كما جهزنا كتيبات توعية بهدف نشرها في مراكزنا ولتوزيعها على المدارس حين تفتح أبوبها. وهذه الكتيبات مرقمنة على موقع قوى الأمن الداخلي. فالتحرش والابتزاز الإلكتروني من أولويالتنا، لأن الضحية تعيش ضغطاً دائماً وصعباً. من يُسرق منزله تصيبه خسارة، ومن يتعرض للتحرش والابتزاز خساراته متواصلة وضاغطة. لهذا نشجع على الشكوى.
حالة منتشرة عالمياً
هل أصبح التحرش الإلكتروني جريمة عالمية وما هو حجمها؟ رداً على السؤال قال مسؤول المحتوى الرقمي في منظمة “تبادل الإعلام الاجتماعي” – سمكس، عبد قطايا: يتنوع التحرش الإلكتروني والابتزاز، فيكون تحرشاً جنسياً، أو ابتزازاً مالياً وجنسياً وحتى عاطفياً. فِعل قد يحدث بين مجهولين، وأقارب وحتى أزواج. التحرش حالة منتشرة عالمياً وأضيف إليها التحرش الإلكتروني. في الفضاء الافتراضي هناك مسافة بين الضحية والجاني. وهو فضاء يضم الكثير من المعلومات عن الأفراد، وبالتالي يمكن أن يكون الإيقاع بالضحايا أكثر سهولة. قد يوافق أحدهم على طلب صداقة عبر فيسبوك ويسترسل بالتحدث مع الصديق الجديد ومن ثم يبدآن محادثة جنسية عبر الفيديو، حينها يمكن للجاني تحوير صورة الضحية وتهديده بها. وعلى المقلب الآخر، قد يقع الضحية في فخ روابط التصيّد ويصبح عرضة للابتزاز. بعض هذه الروابط قد تأخذ المستخدم إلى صفحات شبيهة بالحقيقية مثل فيسبوك وغوغل وسواها وحين يكتب اسمه ومفتاح الدخول الخاص به بدون علم منه بأنه حيال صفحة مزورة، سيستولي المهاجم على المعلومات الشخصية. وقد يبتز الضحية بعدم نشر صوره ومعلوماته مقابل المال أو بإقفال حسابه إن لم يدفع. وقد يؤدي النقر على الروابط المزيفة إلى تنزيل برمجية خبيثة على الجهاز المستخدم من النوع الذي يسحب المعلومات الشخصية، أو تقفل الجهاز، وهي منتشرة جداً، والمؤسف أن أحداً لا ينتبه لها.
وأضاف قطايا: من الممكن أن تدعي هذه الروابط فوز المستخدم بمكافأة أو رصيد للهاتف، فينقر على الرابط ويقع فرسية التصيّد. الأهم هو دراية وإدراك المستخدم. فإن دخلت مثلاً إلى رابط ما ووجدت نفسي أمام صفحة تشبه الفيسبوك، ووضعت بياناتي الشخصية ووجدت نفسي بمواجهة جوائز خيالية قد تكون أحياناً مرتبطة بشركتي ألفا وتاتش. فالمجرمون والمبتزون يستغلون الأحداث للإيقاع بالضحايا.
*هل الحماية ممكنة وما هي نسبتها؟
*تبدأ الحماية بالتأكد من الأشخاص الذين نتواصل معهم عبر التحقق من حساباتهم، هل هم أشخاص حقيقيون؟ هل توجد تفاعلات على حساباتهم؟ يجب ألا نضيف حسابات لا نعرف أصحابها، وأن نسأل عن الذين يضيفوننا، وفي حال المحادثة ينبغي الحذر أيضاً وعدم النقر على روابط مجهولة. في بعض الأحيان، ليس بالضرورة أن يكون الفرد ضحية حساب وهمي، فقد يكون الابتزاز بين أفراد يعرفون بعضهم. ومن سبل الحماية عدم الضغط على روابط مشبوهة والاكتفاء بالضغط على الروابط الأصلية مثل google.com وليس gogle.co وعدم الضغط نهائياً على الرسائل العجيبة الغريبة التي تصلنا لتطمئننا بربح 2 كيلو من الذهب. وتدعونا لمزيد من الضغط هنا وهناك. ولنفترض أن أحدهم وقع ضحية نوع من الابتزاز فالخيارات متاحة أمامه أولها عدم الرد على المجرم وعدم الخضوع لابتزازه المالي. فالخضوع لمرة واحدة يعني تهديداً متواصلا. يمكن للضحية إبلاغ من حوله بما يحدث معه من أصدقاء أو أهل أو جمعيات تعنى بالموضوع، وأن يدّعي لدى قوى الأمن كي يوقف الجاني إن كان داخل لبنان. وإن كان في الخارج فالضحية سيحصل على المساعدة. ومن الخيارات الممكنة إقفال مؤقت لحساباته والاختفاء من فيسبوك، وتويتر وانستغرام، فيتخلص من الهاجس النفسي. وفي حال نُشرت صور أو فيديوهات له على فيسوك يمكنه التبليغ عن المحتوى المسيء report.
*وما هو دور مزودي خدمة الإنترنت في هذه الحماية؟
**مزودو خدمة الإنترنت في لبنان في حالة شبه فوضوية. في بحث أجرته منظمة “سمكس” تبين أن 114 مزودا فقط مسجلين في وزارة الاتصالات، من بينهم 39 لديهم مواقع أونلاين، و3 فقط لديهم سياسة خصوصية. يمكن لمزود خدمة الإنترنت أن يعرف الكثير من المعلومات عن المستخدمين، وفي ظل غياب سياسة الخصوصية لا أحد يعرف كيف تُستعمل المعلومات التي تُجمع عن الأشخاص. وهناك الكثير من مزودي الخدمة غير المرخصين وهويتهم مجهولة. لهذا على وزارة الاتصالات الاطلاع بدورها. وضرورة سن قانون محدّد يحمي البيانات الشخصية، لا أن يكون فقرة ضمن قانون آخر مثل قانون المعاملات الإلكترونية الذي تمّ تصديقه سنة 2019.
*كم يشكل قانون العقوبات اللبناني رادعاً في مثل هذه الجرائم؟
**المادة 650 من قانون العقوبات تقول “يعاقب كل شخص يهدد بفضح آخر ويهدد كرامته…” تقول المادة بسجن المبتز وتغريمه بالمال مهما كانت الوسيلة التي يستعملها من هاتف عادي وأوراق أو إنترنت.