لازم الخوف البشرية منذ بدئها متحدياً قدراتها كامناً وراء انجازاتها، فلا تقدم يحرزه البشر إلا والخوف يرافقهم فيه. والخوف وليد الشر أو هما وجهان لعملة واحدة. والخوف شعور مؤسلب يقلق الإنسان فيفقده الأمن مضعضعاً ثقته بنفسه، حائلاً دون أن يتكيف مع ما حوله تكيفاً سوياً وسليماً.
وكلما تقدمت البشرية تزايدت مخاوفها، وقلَّت عوامل الاطمئنان والسلام وغاب الأمان وحل محلهما الرعب والفزع والرهبة. وبسبب هذه الاتباعية تغدو الإنسانية في مشكلة أخلاقية، تتلاقى فيها المتضادات وتجتمع المتناقضات، سواء على مستوى الأفراد في الجماعة الواحدة أو على مستوى الجماعات والشعوب قاطبة.
ومع التقدم العلمي الذي يشهده عصرنا تتعاظم المشكلة الأخلاقية جالبة معها للبشرية يوما بعد يوم أنواعا جديدة من المخاوف. ولقد تصدى كثير من الفلاسفة والمفكرين لهذه المشكلة، بعضهم تناولها بعمومها غير فاصل بين الخوف والشر كمشكلة أخلاقية وبعضهم الآخر فصل بينهما من باب أن الكوارث الطبيعية ليست شراً وأنها تحصل اعتباطاً من دون إرادة بشرية تتقصد التدخل في صنعها أو تعمل على إحداثها.
ونقف عند الرأي الأخير متسائلين ما بال العقل إزاء هكذا شرور، هل يستسلم للشر الطبيعي مع أن الخوف الذي يرافقه لا يختلف عن الخوف الذي يرافق الشرور المصنوعة من قبل البشر؟ وأي الرهانات أكثر منطقية، رهان العقل أم رهان الطبيعة؟
الإجابة عن هذين السؤالين مقترنة بالأزمة الأخلاقية الراهنة التي تأججت بشكل لافت للنظر ومخيف مع الجائحة الفيروسية المستجدة (كورونا) بوصفها كارثة طبيعية ابتلي بها البشر قاطبة بلا تمييز أو استثناء.
إن دور العقل في ردع الخوف الذي به نواجه الجائحة يجعلنا نقف عند فيلسوف الخوف ومنظره زيغومنت باومان الذي وصف الخوف بأنه (سائل) منطلقاً من حالة اللايقين التي عليها زماننا الكوني ما بعد الحداثي.
وقد وجد باومان تعادلاً طردياً بين الدورة الزمانية وسائلية الخوف، جاعلا دور العقل متذبذبا في مواجهة الشر، يقول: “الرهان الحديث على العقل البشري يبدو أشبه كثيرا بنقطة البداية لدوران طويل، ففي نهاية الدوران الطويل يبدو أننا قد عدنا مرة أخرى إلى حيث بدأنا إلى أهوال الشر الذي لا يمكن حسابه ولا التنبؤ به والذي يضرب ضربا عشوائيا ومع أننا صرنا أكثر حكمة بعد رحلة طويلة من إسلافنا، فإننا لم نعد واثقين بإمكانية إيجاد الطريق الذي نتجنب فيه الشرور أخلاقية وطبيعية” (الخوف السائل، 95ـ96).
إن هذا التصور لدورة الخوف الأزلية قد يبدو علمياً إذا نحن تصورنا الزمان سائلاً سطحه معلوم الحدود لكن شكله متغير الأبعاد حتى أننا نراه في كل حين بهيأة مختلفة، ليكون الخوف مثله سائلا أيضا، تعرف البشرية حدوده لكنها لا تقع له على صورة واضحة، بها تتصدى لمواجهته، ولا فرق حينها بين أن يكون الخوف طبيعياً أو يكون مصنوعاً. وعدم الوقوع على صورة واضحة للخوف تعني أننا سنظل في الأزمة الأخلاقية ذاتها بإرادة باردة حينا وقصدية غير مبالية أحيانا أخرى، وها نحن نرى الخوف صناعة بشرية زاخرة بالوحشية والقسوة والعشوائية كما هي الشرور الطبيعية لا قدرة على التنبؤ بحدوثها.
ونضع في هذه التراتبية الأخلاقية كل أفعال الشر منها الحروب التي يحتج لها بأنها وقائية واستباقية ومنها الدكتاتوريات التي يروج لها بأنها ديمقراطية ومنها سباقات التسلح بالدمار الشامل وصناعة الإرهاب والغزو ما بعد السبراني الذي يهدد وجودنا وغير ذلك كثير.
إن الأزمة الأخلاقية الراهنة هي أزمة إنسانية زادتها الجائحة الفيروسية قوة ووطأة حتى صار خوفنا هوائيا محصورا بين الشهيق والزفير. الأمر الذي يجعل الإنسانية اليوم أمام معضلة ينبغي أن ينبري العقل البشري لمواجهتها بمسؤولية تنم عن الاهتمام بالمصير البشري المستقبلي وضرورة تعميق عمليات التفكير التي فيها يتنازل العقليون عن غرورهم وغطرستهم ويخفف اللاعقليون من غلوائهم ويستعيدون بعض منطقيتهم. ولقد كان نيتشه دقيقاً وهو يصف الفعل الفكري البشري بأنه “فيما مضى كان إلها فتحول إلى رجل وها هو الآن كتلة من الغوغاء” (من كتابه: هكذا تكلم زاردشت، ص66).
والخوف الذي جاء مع كورونا يدلل على أن اكتراثنا بالعقل جاء متأخرا للأسف، فقد زال الخوف السائل وحل محله خوف هوائي، فيه زماننا ليس لا يقينيا بل هو نهائي. بما يجعلنا أمام مفترق حياتي فيه الهواء الذي نتنفسه هو السبيل الذي به نعرف فيما إذا كانت ذراته محسوبةً وخلائطه متحصناً منها أم لا؟
وهذا بحد ذاته يعد تحدياً يجعل الخوف رفيقا غير مرغوب برفقته، وشرا ليس بوسعنا مواجهته إلا بالكمامات والكفوف والأقنعة وأجهزة التنفس الصناعي. فكل شيء مطمئن ما عدا الهواء الذي يمر أمامنا ولا نرى ذراته التي لا انتهاء لها وهي تحمل أنفاس من يواجهنا أو تختلط بأبخرة تتصاعد قريبا منا أو تلتقي بروائح تفاجئ أنوفنا رغما عنا ناهيك ما للضوء من دور في تصعيد مخاوفنا الهوائية، فللشعاع الواحد أن يعرض لنا آلاف الذرات الدقيقة الحية والجامدة وهي تطير وتسبح غير آبهة بما تسببه لنا من مخاوف تهلع لها قلوبنا وترتجف فرائصنا مدمرة أحاسيسنا ومعطلة عقولنا عن التفكر والتدبر في غير ما هو هوائي.
وإذا كان الفلاسفة ـ عقليون وغير عقليين ـ يرون أن بإمكان البشر مواجهة الشر الطبيعي فقط؛ فإن المراهنة على فاعلية العقل الفكرية بالاثنين (العقل والفطرة) ستجعل الإنسانية تفيق على حقيقة أدوارها الأخلاقية التي فيها انفراجها. ولا يتعارض هذا الانفراج مع النزعات المضادة للعقل المطالبة بقلبه وتقويضه ولا الدعوات الطوباوية المتمسكة بالفطرة والساعية إلى إحلالها محل الأخلاق.
ولن نتمكن من التحرز من خوفنا الهوائي الذي هو نتاج عقلنا إلا باليقين الذي سيتحقق متى ما زالت الأزمة الأخلاقية. ولن تزول هذه الأزمة والعقل يغالي في شروره التي جعلت البشرية اليوم في أسوا درجة من درجات التأزم الأخلاقي. فهل نستطيع المراهنة على أنه في زوال الأزمة سيزول النهم والجشع والاحتكار والمضاربة والأنانية وسينجو البشر من مصيرهم الذي يشبه الانتحار الجماعي وهم يدمرون أنفسهم بأنفسهم؟
إن الكارثة الكبرى الوشيكة التي عجل بتفاقمها فيروس كورونا هي الأخلاق واستحالة إصلاحها في حياتنا الراهنة التي فات الوقت فيها على البحث عن حلول لها، حتى كأن البشر اليوم يحصدون عواقب إهمال العقل للأخلاق ومغلوطية الفصل بين الخوف والشر وكوارث الطبيعة والإنسان.
وكأننا نعيش رواية سوداوية الأجواء نحن أبطالها وكاتبوها الذين حددنا نهايتها كنوع من العقاب الأخلاقي لنا لأننا تهاونا في حل الأزمة الأخلاقية وانشغلنا بحل مشكلة العقل. ولم ننظر بكليانية جمالية للعقل والفطرة معاً، مغترين بعقولنا وقدراتنا ومتناسين إنسانيتنا.
والنتيجة نهايات مأساوية، بها نستعيد نظرية التدمير الحتمي المتبادل، متذكرين النهاية التي رسمها الكاتب الروسي فاسيلي غروسمان لأبطال قصته “الحياة والقدر” مؤكدين بذلك كراهيتنا لأنفسنا ونزعتنا في التجرد من الفطرة عبر إيذاء بعضنا بعضاً وقد التقت الشرور كلها فينا بطبيعيها واجتماعيها كعقاب إلهي سيساهم في تحررنا من أفظع ألوان الخوف وهو الخوف الهوائي.
وما دام الخوف هوائيا نحتاج إليه وفي الآن نفسه نحتاط له، فعلينا حل الأزمة الأخلاقية التي تعصف بنا اليوم من جراء كورونا.. وإلا فأين التفوق العسكري والتكنولوجي الذي كان يتبجح به النظام العالمي وأين استراتيجياته الأمنية وسياساته الدولية واستبداده الذي شرعن الإبادة البشرية وجعل صناعة الموت مقبولة وطبيعية؟
لقد ذهب كل ذلك التهور البشري أدراج الرياح بعد أن حل الخوف هوائياً بيننا مؤكدا هشاشة زماننا اللاأخلاقي حتى أن أقوى الاتحادات والفيدراليات والجمهوريات تقف عاجزة اليوم في الدفاع الذاتي عن نفسها أمامه!
ولا طريق للتغلب على خوفنا الهوائي اليوم سوى بمبالاتنا بأزمة الأخلاق التي تفاقمت عندنا وصار لزاما علينا الولاء العاطفي لبعضنا بعضا في الدفاع عن أنفسنا كي لا تخدعنا عقولنا فنسيء الظن بفطرتنا وكي تكون ذواتنا حرة من محتمات شطبت على الصفحة البيضاء من عقولنا فشوهت رؤيتنا لحالنا وحال غيرنا. بذلك نصمد في معركتنا مع خوفنا الهوائي، طاردين الشر من دواخلنا معلنين أنّ زماننا اليوم زمان أخلاقي وليس زماناً لا يقينياً.