رحيل الروائي والقاص العراقي محمد علوان جبر

بغداد “القدس العربي”:اثر نوبة قلبية رحل الروائي والقاص العراقي محمد علوان جبر(مواليد 1952 )يوم الجمعة 22 ايار/مايو2020،بعد حياة حافلة بالنتاج القصصي والروائي،كان قد بدأها في مطلع ثمانينات القرن الماضي،ويكاد ان يتفق معظم الذين عرفوه عن قرب خاصة بعد ان تولى مسؤولية نادي السرد في اتحاد الادباء بأن شخصيته قد غلبت عليها سمات التفاؤل والتفاعل مع زملائه واصدقائه من الادباء والشعراء.
وقد نعاه الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق بكلمة جاء فيها”فارقنا اليوم الجمعة 22 أيّار 2020 الروائي والقاص محمد علوان جبر تاركاً في القلوب تراتيل من الحزن والدمع. وداعاً (أبا دنيا)..وداعاً أيها الوديع الإنسان..وداعاً أيها الجدّ العتيق الذي يقصُّ علينا حكايا الكون..يشيّعك اخوتك بالنحيب،ويزفّونك إلى بارئك الرحيم..العزاء للأدب والأدباء، وكل القرّاء والمحبين”.
في ما يتعلق بما قدمه للسرد العربي من اصدرات،فالمتابع لاعماله القصصية والروائية استلهامه للواقع العراقي،خاصة وانه قد توغل عميقا في استعادة تجربة الحرب التي عاش لحظاتها وتفاصيلها كجندي في جبهات القتال خلال الحرب العراقية الايرانية(1980 – 1988 )وبذلك يمكن القول بان اعماله كانت منفتحة على التاريخ العراقي المعاصر وما شابه من كبت وقمع للحريات،تورطت فيها معظم الانظمة التي تعاقبت على حكم البلاد.
من الناحية الفنية حاول علوان في نتاجه الروائي ان لايكون بعيدا عن حركية ماتفرزه ماكنة التفكير الابداعية على مستوى الرؤى والاشكال واساليب التناول،خاصة ما تختزنه تقنيات ما بعد الحداثة من امكانات في بناء خطاب روائي،يتيح امام السرد فضاءات اوسع في تشكيل بنية النص، كما تعامل مع التاريخ بادواته السرد الروائي فمضى في تفكيكها منطلقا من مخيلة مضادة،وهذا ما اتضح في روايته الموسومة”لماذا تكرهين ريمارك ؟”التي صدرت عن دار الحكمة في لندن عام 2018 وسبق لنا ان تناولناها في مقال نقدي نشر في صحيفة القدس العربي .
وعن تجربته في اطار الكتابة السردية يرى الناقد كاظم حسوني بأنها تمتلك ملامح خاصة،عبر اسلوب تميز بالعمق والمتانة،ولغة رشيقة مرنة،قادرةعلى استدراج القارئ،تشي بدراية وخبرة القاص الذي بدأ الكتابة منذ مطلع الثمانينات،ويضيف حسوني بان المتابع لتجربته السردية يلمس محاولاته التجريبية التي ارتكزت على طرائق السرد الموغلة بالتغريب والشكلانية،سعياً منه لمواكبة موجات الحداثة لفن القصة .
اخر الكلمات التي كتبها الراحل في صفحته بموقع الفيس بوك،قبل يوم من وفاته وذلك بتاريخ 20 ايار/مايو،وجاءت على شكل حوار ذاتي ما بينه وبين بغداد،المدينة التي لايرتاب في عشقها،مهما انتظمت على بواباتها النوائب وتكدست في دروبها الخرائب:”أين ..أنتِ ؟،أين أنا يابغداد ! ،وانا في السيارة المتجهة الى الباب الشرقي..اسمع “فيروز”وهي تحدثني عنكِ،ياكرم العلالي عنقودك لنا،ياحلو ياغالي شوبحبك انا،واطلعلي البكي..هكذا باختصار يابغداد احن اليك.وانا اتسكع وسط خرائبك”
الوسط الادبي في العراقي تلقى خبر رحيله بألم شديد،فكتب اقرب اصدقاءه الروائي حميد الربيعي رثاء موجعا”لماذا ترحل؟! ،بأول هذه الأمسية تهزنا بعنف،لماذا يا محمد علوان ؟نحن أصدقاؤك ونحبك، لماذا فكرت بالرحيل؟ وانا اعلم يقينا مقدار المحبة في قلبك لكل الآخرين،وأنا بالذات، لقد صيّرت نفسك اخا وحبيبا وخلا، وكنت تدخل حياتي من أوسع أبوابها، فأنت مرّة تنط إلى البيت ،وأخرى إلى المقهى، واخرى في شوارع بغداد،اتذكر حين اخذتني عنوة إلى شوارع أبي نؤاس قبل بضعة اشهر وانتابتني نوبة سعال وكنت أراك تركض هرعا الى الشرطة لتجلب لي الماء قائلا ان توأم روحي سيموت بين يدي.لماذا رحلت، أمس وصباحا ككل الأيام تخاطبني لتطمئن على صحتي، لماذا لم تترك لي فرصة كي اهتم وأسأل عنك؟ هكذا بلحظة واحدة رحلت؟ ماذا تركت لنا؟ غير هذ الدنيا البائسة” .
اما الروائي عبد الخالق الركابي فكانت كلمته التي نشرها في صفحته بموقع الفيس بوك تعبيرا عن عميق صدمته بهذا الغياب:”مات أبو دنيا…مات الروائي والقاص محمد علوان جبر،مات أرق إنسان عرفته،وبموته مات جانب من روحي وتهدمت بقايا فرحي،سأقول وداعا على أمل لقاء قريب، أستودعك الله أخي وصديقي وخلي الجميل” .
وبدوره ايضا كتب الشاعر العراقي المغترب كريم النجار:”يا لهذه المقبرة العجيبة وقطافها المر،يا لهذه الحياة وهي تتناوشنا واحدا اثر اخر،لروحك السلام يا سيد التدوين والحكايات،والابتسامة الدائمة رغم هالة الالم،وضوء دار الكتاب” .
اما الروائي والقاص شوقي كريم حسن فلم يكن مستوعبا رحيل علوان على هذه الصورة المفاجئة،وبقي يتساءل عبر صفحته،علّه يتلقى اشارة تنفي الخبر:”ارجوكم…من يستطيع ان ينفي خبر رحيل اخي وصاحبي وخلي محمد علوان جبر.انها الفجيعة الكبرى..انه الالم الذي مابعده الم. يارب.. يارب من يوقف روحي عن الصراخ!!”
تعاقبت كلمات الادباء في مواقع التواصل الاجتماعي تعبيرا عن حجم الخسارة التي تلقوها بفقدان اديب وانسان تكاملت في شخصيته ومسيرته سمات المبدع الذي يحمل في داخله تواصلا وتفاعلا مع العالم ومع الاخرين فكتب الناقد ياسين النصير :”كم مِن ألم يضيفه فقدان الأصدقاء؟ الرحمة لروحك الكريمة اخي محمد علوان ابكيك ألمًا، ولوعة، الصبر لاسرتك.
وتعبيرا عن هذا الفقدان كتب القاص نعيم عبد مهلهل المغترب في المانيا نصا طويلا اخترنا مقطعا منه :”ستبكي كل حياتك يا هدهد سليمان،لأنك في اخر مشاوير حياتك اتيت بنبأ موت روائي من اهل الثورة. تلك أضحية جاءت في رمضان على غير موعد اعيادها.سمى بأسمك يا ابن علوان ،وذبح الدمعة وغلاف كتاب السيد ميم ،ومثل يتامى ساحة 55 .يتعثر خطو السرد بين الأخبار ومراثي الأدباء وحزن المتنبي وروما.محمد علوان،ما هذا الخبر المزعج،تحمل حقيبتك الدبلوماسية وتتأنق.لا تذهب الى بصرة مربد بل تذهب لظلمة لحد” .
في مسيرته الابداعية اصدر علوان العناوين الاتية:”تماثيل تمضي..تماثيل تعود” قصص -عام 2000،”تفاحة سقراط” قصص-عن دار الشؤون الثقافية 2005 ،”شرق بعيد”قصص-عن دار الشؤون الثقافية 2009 ،”ذاكرة أرانجا” رواية-عن دار فضاءات في عمان 2013،”تراتيل العكاز الاخير” قصص -عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر 2015 ،”سيدة الاثر”رواية -نشرت بعض فصولها في مجلة الثقافة الجديدة .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية