حديث في الغرف المغلقة لمحور إيران عن مفاجأة تنتظر ترامب
بيروت-“القدس العربي”: تشكّلت حكومة الوحدة الإسرائيلية مُنهية، من حيث المبدأ، فترة جمود سياسي ربما هو الأطول في حياة الدولة العبرية. تأتي الحكومة وسط إرباك كبير تسبّب به وباء “كورونا” الذي لن يترك تداعياته على اقتصاديات العالم فحسب، بل أسّس لمواجهة جديدة وقاسية مع الصين يتزعمها سيد “البيت الأبيض” دونالد ترامب على مسافة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية. فعلى وقع هذا الاستحقاق، ستدور أحداث كثيرة، يتمحور الجزء الساخن منها في منطقة الشرق الأوسط، وستحصل على ضوء نتائجها تحوّلات كبيرة، وهو الأمر الذي دفع برئيسي الوزراء – الحالي بنيامين نتنياهو والبديل اللاحق بيني غانتس – إلى الاتفاق على البدء، قبل موعد الانتخابات، بتنفيذ “الرؤية الأمريكية للسلام” الداعمة لضم إسرائيل لأجزاء واسعة من الضفة الغربية بشكل أُحاديّ، تحسباً لإمكان خضوعها للتعديل في حال وصل الديمقراطيون إلى الحكم.
على أن الاستحقاق ذاته سيجعل تأجيل “خطوة الضمّ” حاجة أمريكية. فـ”رؤية السلام” يُفترض أن تشكل إنجازاً لترامب – المرشح، تؤول إلى مكتسبات جديدة لإسرائيل في الأرض في سياق مفاوضات مع الفلسطينيين بمظلة عربية، وليس كإجراء أُحاديّ سيفضي إلى توترات سياسية وأمنية قد تجرّ إلى حرب عسكرية غير محسوبة. كثرت التكهنات حول أهداف زيارة الساعات الثماني لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى تل أبيب، وماهية المسألة المستعجلة التي تستدعي خرق إجراءات “الحظر الكوروني” والقيام بهذه المجازفة وعدم الاكتفاء بالتواصل عن بعد في ظل تقنيات “التواصل عن بعد” التي أضحى العالم يُدار عبرها.
في قراءات المتابعين أن الإدارة الأمريكية لا تريد مفاجآت، خصوصاً بعدما حدّد اتفاق نتنياهو – غانتس الأول من تموز/يوليو تاريخاً لبدء تطبيق الضم، الذي سبق أن أعلن نتنياهو أنه سيشمل غور الأردن وشمال البحر الميت، والمستوطنات في الضفة الغربية وأراضي محيطة بها. لواشنطن أولوياتها وتحدياتها الاقتصادية التي فرضتها جائحة كورونا في الداخل الأمريكي، وهي، من جهة، تتحضر لمواجهة مفتوحة مع الصين تتطلب انخراطاً أوروبياً فيها، وتخوض، من جهة ثانية، “حرب إطباق” على إيران تستدعي بقاء جبهة حلفائها العرب متماسكة لا يُصدعها أو يُربكها القرار الإسرائيلي في هذا التوقيت الدقيق.
فصيف 2020 سيكون حاراً، والأنظار تتّجه إلى ما قد يحمله الخريف من أحداث مصيرية. صحيح أن الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله عَّبر عن اعتقاده، في كلمته بيوم القدس، أن أمريكا وإيران، حتى اللحظة، أبعد ما يكونان عن الحرب نتيجة قوة إيران وخوف أمريكا من التورط في حرب غير محسوبة النتائج، وأن خيارات الحروب العسكرية المباشرة من قبل الأمريكيين والإسرائيليين قد تكون في المدى المنظور أو القريب مستبعدة، وأنّ أولوية المحور الأمريكي والإسرائيلي هي الحرب النفسية، والعقوبات والضغط الاقتصادي والتجويع، لكن كلام نصرالله يُقابله في الغرف المغلقة لـ”محور إيران” حديث عن مفاجآت تُحضّر للمرشح ترامب في تشرين الأول/أكتوبر، بحيث يكون العامل الإيراني ناخباً مؤثراً في الانتخابات يؤدي إلى خسارة الرجل ولاية ثانية. هذا “السيناريو” سيكون على طاولة “المحور” إذا لم تشهد الأشهر المقبلة “حلحلة ما” على المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران لخرق جدار عزلة إيران والضغوطات المتمادية عليها.
في لبنان، ثمة مقولة تُنقل على الدوام عن “حزب الله” بأن أي حرب مقبلة مع إسرائيل ستكون “الحرب الأخيرة” التي سيتحدد على أساسها مستقبل المنطقة. فيوم انتهت حرب 2006، بدأ “الحزب” يعد العدّة لهذه الحرب. و”الحرب الأخيرة” – وإن كان نصر الله لا يُطلق عليها تلك التسمية – ستكون ساحاتها متداخلة، من لبنان إلى غزة وسوريا والعراق واليمن بموقعه الاستراتيجي على البحار والمعابر والممرات المائية، فهذه ساحات النفوذ الإيراني، خط الدفاع عنها، وورقة الاستثمار في مشروعها العقائدي لتوسيع نفوذها وتعزيزه عبر يافطة “تحرير فلسطين والقدس”.
يقول المحلّل السياسي اللصيق بـ”حزب الله” الدكتور وسيم بزي إن مسافة الصواريخ الدقيقة التي أُطلقت من محافظة كرمانشاه الإيرانية على القوات الأميركية في قاعدة عين الأسد في العراق، رداً على اغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري قاسم سليماني، هي نفسها المسافة إلى إسرائيل. ما حدث أن الإيرانيين قاموا بتجربة ملموسة خرجت من دائرة التقدير والتوقعات إلى حيز الملموس، وما عادت ضمن حسابات المناورة بل أصبحت فعلاً. وهذه رسالة بالغة الأهمية، ولا سيما أن طهران على يقين تام بأن هدف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية المفتوحة عليها ليس الملف النووي الإيراني بل منظومة الصواريخ الدقيقة.
وملف الصواريخ الدقيقة شكّل عنوان محادثات نتنياهو حين زار سلطنة عُمان والتقى سلطانها الراحل قابوس بن سعيد، وهي صواريخ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي أنها أضحت بيد “حزب الله” ويجزم نصر الله نفسه أن “الحزب” بات يمتلك تلك القدرات، والتي يعتبر الخبراء أنها معركة ترتبط بالتقنيات أكثر مما هي متعلقة بالصواريخ بحد ذاتها. وهو ملف يشكل لبّ أي تسوية مقبلة، مهما طال أمدها.
على أن السؤال الذي بات مطروحاً بعد تشكيل حكومة الوحدة في إسرائيل يكمن في ما إذا كان تكوين الحكومة ووجود الجنرالات الكبار في عدادها، وهم ممن لهم باع طويلة في المنطقة الشمالية وتسلموا قيادتها خلال مسيرتهم العسكرية، سترفع من منسوب احتمالات الذهاب نحو حرب مع لبنان. في التقييم داخل أوساط “حزب الله” أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية لا تزال غير جاهزة لتبعيات حرب جديدة، وأن إسرائيل لا يمكنها أن تذهب إلى خيار الحرب وحيدة من دون الأمريكيين. والأمريكيون هم الذين يتصدرون المواجهة مع إيران و”حزب الله” بوسائل “القوة الناعمة” التي من منظارهم تحقق الأهداف. وبالتالي، ليس من مصلحتهم أن يسلكوا درب الحرب العسكرية التي يمكن أن تُعطي الخصم “فرصة” مفتوحة على نتائج غير متوقعة.
فحتى لو كان منبع القلق الإسرائيلي هو الصواريخ الإيرانية الدقيقة التي أضحت بيد “حزب الله” فإن هذا العنوان أضحى أبعد من “الحزب” والجغرافيا اللبنانية، ويتشعب إلى سوريا وغرب العراق وإيران. في تقييم “المحور” أن ذلك يُصعّب الحسابات الإسرائيلية والأمريكية في تأمين حصاد مأمون ومضمون من حرب لن تكون محدودة إذا نشبت، ولكن ثمّة من يعتبر أن الانفلاش الإيراني على تلك الساحات في حرب غير محدودة هو مصدر قوة وضعف في آن.