الممنوعات تزيد وتنقص حسب الظروف التي تدعو إليها، ولكن الحرام يظل حراما دهرا لا يتغير. توضع الممنوعات وترفع بسلطة القانون، والقانون طارئ مهما دامَ، أما الحرامُ فمؤبد مرتبط بنص أو بسنة صعب زوالهما. الحرام ممنوع مؤبد والممنوع حرام مؤقت، وبين الممنوع والحرام مُسْتَرْسَلٌ كامل من النهي والتحجير؛ ومعلوم أن هذا المسترسل يمكن أن يحوي أفعالا كثيرة كالحرمان.
اللغة أداة تعبير عن مسترسل النهي هذا؛ ولْنُسَمها لغة النهي. هي لغة يتوجه بها ناهٍ وهو سلطة إلى منهي وهو خاضع لها، وموضوعها امتناع المنهي عن الإتيان بفعل هو في نظر الناهي ضار. ترتبط لغة النهي بلغة أخرى هي لغة الزجر والعقاب، وعادة ما تكون أفعالها داخلة في عمل لغوي يسميه البراغماتيون من أمثال أوستين وسيرل الحُكْمِياتُ Verdictives.
تُطورُ الحياة المدنية لغةَ الممنوعِ بأن تمثلها بعلامات أخرى غير لغوية، فتفتحها على عالم سميائي متعدد. سنأخذ مثالا يتناسب مع ظرفنا الطبيعي والفيروسي وهو (السباحة ممنوعة). هذه الجملة المهذبة نحويا، التي عادة ما تكتب بشكل لا نحوي (ممنوع السباحة) يمكن أن تكتب على معلقة على شاطئ ما، ويمكن أن تمثل برسم أو برفع الراية السوداء، كلما رأى القائمون على سلامة السابحين المصطافين أن البحر هادئ أو هائج. رغم ذلك يمكن أن يسبح الناس والراية سوداء، وقد لا تسجل ضدهم مخالفة.
في أيام الكوفيد هذه يمكن أن تصبح عبارة (السباحة ممنوعة) جزءا من التعليمات «الصارمة»، التي تنتهج في إطار ما يسمى بـ«التباعد الاجتماعي». في هذا السياق تمنع السباحة بما هي ذريعة لانتشار الوباء، ولا علاقة لها بهيجان البحر، ولا بالقدرة على مصارعة الأمواج. لم يتغير نص المنع ولم يتغير سببه البعيد: السلامة أو الخوف من الموت، بل تغير سببه الفرعي، فلم يعد سبب المنع الخوف من الموت غرقا، بل الخوف من الموت بالعدوى خارج الماء أو داخل الماء. باتت عبارة (السباحة ممنوعة) داخلة في نسق أوسع وضمني هو (التقارب الاجتماعي ممنوع). هذه العبارة المانعة لها من الشمول ما يجعل كل تفاصيل الحياة التي فيها تقارب ممنوعة بما في ذلك السباحة.
التقارب الاجتماعي نص في المنع، يقتضي ممنوعات مضمنة ومتجددة، ولا يمكن الإحاطة بها. لكن هل في حياتنا الاجتماعية ما يؤمن ظروف المنع لتشريع العقاب على من أخل به؟ بعبارة أخرى، هل من عليه أن يمتطي حافلة ملآى بالركاب ليصل إلى عمله داخل في هذه الخانة أم لا يدخل فيها، إلا إذا انتظر أن توفر له حافلات لا تضيق براكبيها؟ وإذا أبحنا لراكب أن يركب قطاره الغاص بالمسافرين، هل نكون قد سامحناه من أجل المخالفة، أم أننا تغاضينا عن أسبابها وهو يسر انتقال العدوى؟ كيف نمنع ونتغافل عما منعنا ونمنع ولا نتغافل عما منعنا؟ للمنع منطقٌ خاص لا يمكن أن تحاصره اللغة المانعة بالاستثناءات مهما تعددت. حين يجلس على الشاطئ عاشقان في زمن كورونا في لحظة حميمية، فإن السلطات يمكن أن تسجل مخالفاتها تحت عناوين كثيرة: كسر الحجر، عدم احترام التباعد الاجتماعي، وهذا سينطبق أيضا على زوجين شرعيين مثلما ينطبق على عاشقين. القانون لن يبحث في التفاصيل لكن التفاصيل تظل مفيدة في مرحلة ما من مراحل العقاب. حين يجلس عاشقان في غير زمن كورونا المجلس نفسه تسجل المخالفات تحت عنوان آخر مختلف ربما كان: التظاهر بما ينافي الحياء: أنظروا إلى «ما» الموصولة كم لها من الاتساع حتى تُدخل تحت طائلتها كل شيء حدث أو يمكن أن يحدث، أي تصبح القبلة من مشمولات الدولة الراعية للحياء. هنا يمكن أن يلتبس المنع بالحرام، وأن يصبح الحرام ممنوعا فذلك يقلل من شأنه، لكن أن يصبح الممنوع حراما فذلك يتطلب أزمنة وعقودا.
ما يعنينا من المسألة هو جانبها اللغوي، وفيه يكون الممنوع ممنوعا بنص، ولكن المحرم، أو ما كان في دائرته يمكن أن يكون بنص أو بغير نص. هنا نتساءل إن كانت اللغة هي التي تنقل المنع من ثقافة إلى أخرى، وتنقل المحرم عبر الأزمنة؟ هذا السؤال مشكل رغم بساطته، لأن هناك من يقول إن اللغة نفسها هي التي تنشئ المنعَ، والمحرم ما نشأ إلا بنشأة النص المحرم له (طبعا إن كان يرتكز على نص).
سيخرج الناسُ إلى السباحة في الصيف، وستدعو دول شعوبها وشعوب غيرها إلى السباحة على شواطئها، وستعود عبارة السباحة ممنوعة إلى سالف عملها القديم. لكن شيئا من المنع الطارئ: منع زمن التباعد الاجتماعي سيظل يبلبل على بعض الأذهان.
النصوص المانعة لا تصف، ولا تثير عاطفة، هي تمنعك عن أن تنشئ كونا مرغوبا أو محببا هي تبعدك عن خلقه، إن كنت تنوي خلقه. هي نية قطعت طرقاتها ولا يحاسب القانون على النوايا، إن لم تكن أعمالا ممنوعة، بينما يُحاسب المرء بنواياه إن كانت النية متجهة إلى حرام. يبدأ الحرام بالنية ويبدأ الممنوع بالعمل. من هنا نفهم لمَ يتمنى المانعون أن تصبح موانعهم برتبة المحرم. اللغة التي تصاغ بها الممنوعات حريرية ناعمة، ليس فيها ما يزجر هي أقرب إلى أسلوب الوصف من نوع (السباحة ممنوعة) حين تقولها ببراءة من ليس له سلطة لتنفيذ هذا المنع، وببراءة من ليس له خوف من الوقوع في العقوبة، لكن خلف النعومة قسوة
فليس من حقك أنت الذي وضع لأجلك نص منع أو تحريم أن تتنفس بين الكلمات؛ ليس من حقك أن تفتح نوافذ بين كلمة وأخرى، ترى فيها وجه الله الحليم التواب وليس لك أن تبحر في الفراغ بين الكلمات من ضفة مانعة إلى ضفة رحيمة!
سيخرج الناسُ إلى السباحة في الصيف، وستدعو دول شعوبها وشعوب غيرها إلى السباحة على شواطئها، وستعود عبارة السباحة ممنوعة إلى سالف عملها القديم. لكن شيئا من المنع الطارئ: منع زمن التباعد الاجتماعي سيظل يبلبل على بعض الأذهان. هناك شيطان ما عشش في ظرفية ذلك المنع وسكن أنفسا تخاف على حياتها من فيروس تخشى أن يتسرب إليها من السباحة، أو من جسم مستلق قريب حتى وإن كان رخاميا.
لغويا صار لـ(السباحة ممنوعة) أكثر من فهم وتأويل، وفي هذا التأويل اتسع معنى السباحة قليلا، ليشمل لا عمل السابح وهو في اليم، بل كل حضور له على الشاطئ بمناسبة السباحة. لم ينتشر فيروس واحد هو فيروس الكوفيد في الأذهان، بل حققت اللغة انتشارها المفيد. إن كنت تريد أن تؤرخ لنشأة مجاز جديد يطلق فيه الفعل، ويراد ظرفيته، فإليك فعل سبح وما اشتق من أسمائها في هذا السياق، يمكن أن تكون على الشاطئ بنية السباحة، ولكنك تسمى سابحا ويسمى وجودك مع غيرك على الشاطئ وأنتم تكسرون التباعد الاجتماعي سباحة.
لكن لفظ المنع الصريح لم يكتسب شيئا من اللغة، لأن قوته يكتسبها من محيطها الخارجي، أي من الاستعمال هو لفظ محايد من جهة استعماله يمكن أن يسند إلى أي فعل ممنوع، لكن قوته وجبروته بين يدي من استعمله ومن استعمل ضده.
ونحن على الشاطئ في زمن الكوفيد، أو في غيره من الأزمنة ننظر إلى علامة (السباحة ممنوعة) أو إلى الراية السوداء يمكن أن يوجد معنا على الشاطئ نفسه شخصٌ لم يسبح ولا يسبحَ ولن يسبَحَ. ولا يعنيه نص الممنع وعلاماته، ولا ظروف السباحة ولا أشراطها، لأنه لا يعرف السباحةَ هو شخص يرى نفسه محروما منها أو ممتنعا عنها بسبب عدم المهارةِ أو بسبب آخر لا يعلمه إلا هو. لكن الشخص نفسه سيكون من المخالفين في عصر الوباء، بل سيسند إليه فعل السباحة الممنوع، لكن ماذا يصنع على الشاطئ شخص لا يتقن السباحة: هذا سُؤال ممنوع!
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية