من يتابع حركة المواطنين الجزائريين، قبل وأثناء العيد، يدرك أن “كورونا” لم تلجم رغباتهم في أن لا يمر العيد حزينا، دون طقوسه المعتادة وتحضيراته، رغم كل ما يمكن قوله من تغير نكهة الاحتفال وروائح ونكهات المناسبة في البيوت والشوارع.
لكن في أوقات الأزمات تشتد الرغبة في الظفر بمساحات للفرح والترفيه والخروج من الأجواء الكئيبة والأحزان، التي خيمت على الأسر، التي فقدت أعزاء بسب الوباء وغير الوباء. وما أكثر من فقدوا خارج قوائم كورونا اليومية.
ولأن الحياة تستمر من أجل الأحياء، فإن الرغبة كانت كبيرة لتغيير المعادلة والتحايل على طرفيها وعلى قانون الطوارئ والحجر. لا بد من حلويات العيد وملابس للأطفال وتصفيف الشعر واقتناء لوازم المناسبة من كل صنف. على الرغم من زهد البعض نسبيا والتزامهم النسبي أيضا بقواعد الحجر الصحي.
لأجل أن يبقى العيد عيدا
“حلاقون وتجار ألبسة يمارسون نشاطهم عشية العيد بـ”نص الريدو” عنوان مقال في “الشروق أون لاين” (وهيبة سليماني) حيث “مارس الكثير من التجار والحرفيين، عشية العيد لعبة “القط والفأر” بسبب اجراء منع نشاطهم، وخوفا من العقوبات الصارمة ضدهم، إلا أن تجارتهم انتعشت من خلال الستار الحديدي، الذي كان يرفع إلى الأعلى ويتوقف في نصف علو محلاتهم ليدخل الزبون خلسة ويكون “نصف الريدو” الحديدي سهلا لسحبه إلى الأسفل في حال مرور أعوان المراقبة، أو رجال الأمن. والأمر لم يتعلق فقط بتجار ملابس العيد والأحذية بل شمل بعض تجار الأواني والأجهزة الكهرومنزلية وفي استراتيجية السماح والمراوغة نفسها. السماح للزبائن الولوج للمحلات ومراوغة أعوان الأمن والمراقبة. وكذلك الأمر بالنسبة لصالونات الحلاقة، لا سيما الرجالية منها، فأصبحت تفتح نصف باب، بعد تحديد مواعيد عبر الهاتف أو في الشارع. وهناك من يقوم بالحلاقة والتصفيف لأولاد “حومته”، أي حيه وجيرانه، أو من يعرفهم.
كما لجأ حلاقون يعرفون بمهاراتهم في الحرفة إلى استقبال النساء أيضا. كما استقبلت الحلاقات سريا مراهقين لقص شعورهم، فالحاجة لم تعد تفرق بين الجنسين، سواء من حيث الصالونات أو الزبائن.
أما “الخبر” الجزائرية فعنونت مقالها، الذي نقلت فيه أجواء العيد في ظل الوباء بـ”هكذا سوف يمضي الجزائريون أول عيد في عز الجائحة. لا تكبيرات عيد، لا عناق ولا تهان، لا تجمعات في الأحياء ولا طوابير لزيارة العائلة الكبيرة والتغافر، ولا طاولات بيع ألعاب الأطفال، الذين يصرفون نقود العيد عليها. الجميع مدعو للالتزام بمنازلهم مع دقات الساعة الواحدة زوالا. تفقد العائلات الجزائرية مثلها مثل شعوب الأمة الإسلامية، تكبيرات العيد، التي تعد الميزة الأولى لهذا الاحتفال الديني. في ظل هذه الظروف وحماية للأرواح اكتفى الكثيرون في الصلاة الجماعية في البيوت والتكبيرات.
وبسبب منع حركة السيارات وفرض حظر التجوال بداية من الواحدة زوالا حتى السابعة صباحا، فقد البعض ممن كانوا يكسرون الحظر والحجر، الفرصة للتنقل وزيارة العائلة، لكن ذلك لم يمنعهم من تبادل التهاني والحلويات مع الجيران، بكمامة في غالب الأحيان. الكمامة التي أصبحت الزامية.
بقي العيد بحلاوته في مرح الأطفال وارتدائهم للألبسة الجديدة. وربما ستضفي الأطباق التقليدية بعض “البنة”، اللذة المفتقدة في أيام السنة العادية والسبب هو تعظيم شعائر الله.
ورغم مجهودات الدولة في جلب العالقين في المطارات، إلا أن هناك الآلاف ممن ما زالوا عالقين في بلدان كثيرة أفسدوا بهجة العيد على أسرهم. لكن تقنية “الزوم” تجمع العائلة – تقوب “الخبر” – التي عاينت أحوال بعض الأسر الجزائرية التي لم تتعود على غياب أبنائها في شهر رمضان .
ويبقى الإنترنت نعمة في ظل هذه الظروف لتخفيف المعاناة الاجتماعية والنفسية وأحداث التواصل الافتراضي. والكل يحمد الله على السلامة. اللهم البقاء عالقين في صحة جيدة ولا الإصابة بالفيروس.
الجداريات وحرب الرموز الخفية
في اليوم الأول من العيد تناقلت بعض المواقع (أمسلاي) وفيديوهات اعتقال الشاب فيصل قفاز، الذي قام بتشويه جدارية وسط مدينة الجزائر. الفعل الذي أسال الكثير من التصريحات المستهجنة والكثير من الفيديوهات المساندة للفاعل، والتي تشرح خلفيات ما قام به.
لم تذكر أي من المواقع ولا حتى التصريحات الرسمية تاريخ حدوث الأمر المشجب. مع العلم أن الجدارية تعرضت للتخريب، أو لطمس بعض أجزائها منذ ثمانية شهور. لماذا صمتت الجهات المسؤولة عن الأمر وأخرج فقط منذ أيام قليلة على مواقع التواصل الاجتماعي؟
ومن الذي أخرج الواقعة وجعلها تطفو على الساحة الثقافية؟
هل التخريب فعل إرهابي فاشي، كما وصفت التصريحات الرسمية والإعلامية وعودة لسنوات الدم والإرهاب؟ أم هناك دوافع أخرى لهذا الفعل؟
تناولت وسائل التواصل الاجتماعي ومختلف اليوميات والمواقع حادثة طمس الجدارية العملاقة (بدون اسم) تقع في ساحة الشهيد بن بولعيد، وسط العاصمة، بعد الصورة التي انتشرت لشاب يعتلي حاوية قمامة ويخفي ملامح، أو يخرب، العناصر المكونة للجدارية. الفعل الذي استهجنه الكثيرون، بما في ذلك كاتب الدولة للإنتاج الثقافي سليم دادة ووصف العمل بـ”البربرية الفاقعة والهمجية المائعة، بهكذا جهل وتعد على عمل فني، يريد هؤلاء ارجاعنا إلى عشرية الظلام، وكهف التحريم والتجريم”.
وطالب كاتب الدولة في منشور له على الفيسبوك تطبيق أحكام الدستور، الذي “يكرس الحق في الثقافة لكل مواطن (المادة 45) والحفاظ على حرية الابتكار الفني والفكري والعلمي (المادة 44) ودعا في منشوره “السلطات الأمنية والمحلية والقضائية إلى اتخاذ كل التدابير اللازمة إزاء هكذا جريمة معنوية ومادية، تحدث في ساحة “بن بولعيد” في قلب العاصمة، جهارا نهارا وفي 2020!
وتضيف صاحبة المقال (زهية منصر) أنها تظهر امرأة جزائرية ترتدي الحايك، الجزء المخرب؟
انتشرت فيديوهات للشاب فيصل من قام بتخريب الجدارية، مبديا أسباب إقدامه على فعلته وأن ما قام به هو طمس رموز الماسونية فقط، وإن كان غير مؤهلا لقراءة تلك الرموز، لكنه استعان بالمطلعين والمثقفين في فك تلك الشفرات. وبين أنه ليس متطرفا وليس ضد الفن باعتبار أن كل أسرة جزائرية فيها فنان. لكن بوازع ديني أخلاقي وثقافي. وهو يتحمل الفعل وحده ومستعد للمحاكمة.
مثلما رسمت الجدارية، التي أثارت جدلا كبيرا في 2016، رسم شباب من الفنانين ومن الكشافة الإسلامية بعض الجداريات المخلدة لثورة “نوفمبر”. ومن هؤلاء الرسام، مصطفى لوندري، الملقب بعدة القاب منها “سفير القصبة برسم (وإعادة رسمها بعد الطمس) جدارية لشهداء معركة الجزائر(علي لابوانت، حسيبة بن بوعلي وعمار ياسف) والكائنة في القرب من المنزل، الذي استشهدوا فيه، والمعروف بمنزل علي لابوانت. إلا أن الجدارية طمست وخربت من طرف مجهولين في أغسطس/آب 2019، ولم تعرها وسائل الإعلام وقتها ولا المسؤولون أهمية، إلا بعض المواقع مثل “الجزائر 1″، بينما تناولت الموضوع وسائل إعلام عربية كـ”الجزيرة”، على سبيل المثال.
وقد اعتبر البعض، أن ما قام به الشاب فيصل، ليس سوى “معاملة بالمثل” ردة فعل على طمس جدارية تخلد شهداء ورموز الثورة في حيه في أعالي القصبة.
إذن القضية تعود إلى عام 2019 وليس 2020 كما صرح كاتب الدولة للإنتاج الثقافي. ومحرك القضية هو إعلامي مقيم في لندن، والذي ظهر في فيديو مؤخرا يشيد بالتحرك السريع لكاتب الدولة ولرئيس بلدية الجزائر بطاش للتصدي للفعل الإرهابي، كما وصفه.
وهناك من وجه سؤالا (بن موصلي طاهر) منطقيا إلى حد كبير: “إذا اعتبرنا أن الوزير موظف لدى الدولة والتليفزيون العمومي تابع للدولة، كيف لهؤلاء المسؤولين والموظفين أن يتحركوا، بناء على شفرات بواسطة “اللايف” في صفحة رجل فار من القوات الأمنية الجزائرية، كما أضاف.
أخذت القضية أبعادا متشعبة بذكر اسم الفنان، الذي شارك في رسم الجدارية، وهو سليمان سعيود، المحسوب على الماسونية، هذا الأخير، الذي خرج عن صمته في مقطع يوضح فيه أن هناك من قام بتأويل بعض الرموز، التي لا علاقة لها بالماسونية كالرقم 21 والذي رسمه دلالة على رمز ولايته لأنه أصيل مدينة عزابة، التابعة لولاية سكيكدة. وأن الكبش يرمز للحمل وهو برجه الفلكي. وأنه وضع بعض الرموز عشوائيا، مؤكدا أن ما طمس في الجدارية، وهو شخص مسن على رأسه لحاف ويحمل بيده اليسرى كأسا ومشكلا بإبهام وسبابة يده اليمنى رمزا ماسونيا (الدائرة) ليس هو من قام برسمه بل فنان آخر. إذا الشخص الذي طمس لا يمثل امرأة جزائرية في “الحايك”، كما ذكرت صاحبة المقال في “الشروق”، زهية منصر.
وتوعد هذا الفنان المقيم في فرنسا، منذ ثلاث سنوات، بمقاضاة من روج لأكاذيب حوله، ولمن يهددونه بالقتل ولمن هم في صدد كتابة عريضة لمنعه من دخول الجزائر. الجزائر التي “ما خلالها ما بقالها” بالفيديو كما يقال.
تشكل فريق من المحامين للدفاع عن المتهم بتخريب الجدارية. وتشكلت حملة تضامن مع أسرته المعوزة. كما طالب السكان أن يتم اشراكهم في ما يرسم على أسوار مدينتهم، وأن يكون ما يرسم يتوافق وقيمهم وثقافتهم.
واعتبر كاتب الدولة للإنتاج الثقافي على صفحته على فيسبوك أنه تعرض لحملة تشويه ضده منذ توليه المنصب في وزارة الثقافة. وتأسف بشأن ما حدث لجدارية الشهداء في “أعالي القصبة”، لكن الأمر حدث العام الماضي أثناء الحراك، ولم يكن وقتها وزيرا. لكن ألم يبلّغ الوزير أن تخريب الجدارية، التي عاينها حدثت في فترة تخريب جدارية الشهداء نفسها، إلا أن الفيديو انتشر في 18 الشهر الجاري؟
أعتقد أن هذه هي الخلاصة، التي على السيد الوزير أن يأخذها في عين الاعتبار. وأن معاينته يجب أن تكون من طرف وزير تلك الفترة. فمن أيقظ الفتنة!
كاتبة من الجزائر