الصيني «لِي هْوِي»… فنّانُ الإشراقات الصوفيّة

أعلن مركز الفن المعاصر بالعاصمة الصينية بكين في بيان له عن وفاة الفنان الصيني «لِي هْوِي» عن عمر ناهز 43 عاما جَرّاءَ مرضٍ ألمّ به، ورجّحت بعضُ الصحف الأجنبيّة أن يكون فيروس كورونا هو سبب الموت. وجاء في البيان أن لي هوي «كان فنانًا رائدًا في تحديث الوعي الفني الصّيني عبر البحث في التكنولوجيا الحديثة عن ممكناتها الفنية، وهو من طليعة الجيل الجديد من الفنانين الذين يعيشون ويعملون في بكين في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين».
وُلد «لِي هْوِي» في بكين عام 1977. وتخرج من قسم النحت بالأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين عام 2003، وكان مشروع تخرّجه هو تحويل سيّارة قديمة إلى سيّارة ذات رأسين بسبب توفّرها على مقود من كلّ جهة، وعند دفعها، تبدو كأنها تتحرك إلى الأمام وإلى الخلف في الوقت نفسه، فإذا بالقوة المرئية للسيّارة تمتزج بالقوّة المفاهيمية فيها وتجعل النّاظر لها يتجاوز مفهوميْ الأمام والخلف، وينسى الشعور بالاتجاه، بل وينسى الشعور بالوقت، وهذا ما يُحيل على أنّ هذا الفنان يضع جدوى التقدّم التكنولوجيّ موضعَ تساؤلٍ، وهو ما يتجلّى في قوله: «يجب أن يكشف اندماجُ الفن مع التكنولوجيا عن بعض حقائقنا الإنسانية، وعن التوازن غير المستقر بين الطبيعة والإنسان، وعن الإمكانات المُدمّرة للعلم».


وقد عرضَ «لي هْوي» تركيباته الفنية سواء الحديدية منها أو الليزريّة التفاعلية في معارض عديدة بالعالم على غرار معارض كاليفورنيا، وألمانيا، وهولندا، وسنغافورة، و كوريا، وتايوان، وإيطاليا. ونظرا لانتشار صيته الفنيّ، وعلوّ إبداعيتِه وجِدّتها، تعاون مع شركات عالمية لتصميم بعض ابتكاراتها الجديدة مثل شركتيْ فولكسفاغن وأديداس، كما شارك في تصميم مسرحية الباليه «فاوست 2» في مسرح دورتموند بألمانيا. وإنّ ما يميّز تركيبات «لي هوي» الفنية هو خلقُ أوهام بصرية لدى المُشاهِد وانصبابُها على إضاءة دواخله الفردية، وحفز نفسِه على إعلان موقفها من العالَم، وهي في خلال ذلك تمثّل جميعها سعيًا إلى تجاوز حدود الفنّ نفسه، بل وتجاوز حدود الجسد الآدميّ. ذلك أن هذا الفنان لا يُنتج أشياءَ جميلةً فحسب وإنما هو يُنتج معها ممكناتِ هُروبِ مُتَلقّيها من ضيقِ عالَمه الماديّ وتكراريته إلى بَرَاحٍ حُلُميٍّ بلا مُنْتهَى. إنه يجمع بين اللّيزر الأحمر والضباب والمرايا لخلق مشهد مستقبلي من عالَمنا المرتَقًبِ. وقد ذكر الناقد الفني جيروم سان أنّ أعمال لي هوي «تتجاوز حدود اللغة والمنطق والوقت الخطي»، وهو في فنّه «أكثر من عالم آثار، إنه متنبّئ في الوقت الذي يسمح لنا فيه بأن نعيش بشكل واقعي».
وبذلك يمكن أن نُؤوّلَ جَهدَه الفنيَّ بكونه ينهض على الوعي بأنّ الإبداعَ هو كلُّ ما يُشعِرُنا بالوقوعِ خارج أجسادِنا: نخرج منها لنعي هشاشةَ الإنسانِ فيها، ومن ثمّة فإنّ كلّ جسدٍ إنّما هو سجنٌ صغيرٌ زُجَّ بنا فيه فألفناه بالتعوّد. وقد كان «لي هْوِي» حريصا في كلّ تركيب فنيّ ينجزه على الولوج إلى مناطق روحانية، بل قل «شامانيّة»، لها صلة بفلسفات الشرق كالبوذية والصوفيّة، وهو أمر جعل أعماله تمنح المُشاهِد هالة من الإشراقات وتترحّل به إلى مساحات شاعريّة، وتدفعه إلى أن يتحرّر من الأسئلة الأساسية للكائن البشريّ مثل الحياة والموت، والوجود والتعالي، والمادة والرُّوح، والتكنولوجيا والطبيعة الإنسانية.
وفي إجابة على سبب حرصه على تفجيرِ حدود المنظورات في تركيباته الضوئيّة قال «لي هوي» إنّ وجوده في مدينة مختنقة بالأشياء والأحياء هو ما ولّد فيه الرغبة في تحرير موضوعاته الفنية من حدودِها، وشحنِها بطاقة على الإيحاء بالتوسّع في الفضاءِ من حولِها على غرار مَنْحوتَةِ «القرش المأسور في حاوية البضائع». وأشار إلى أنّ في تركيباته الضوئيّة سكون روحيّ هو نتيجة تأمّلاته الشخصيّة وقراءاته للحكمة الشرقيّة. وهو أمر ظاهر في أعماله التي تضجّ بروحانية عالية استحدثها نتيجة شعوره بصعوبة العثور عليها في معيش الصين الحديثة الذي طغى فيه الجانبُ الماديّ للحياة على جانبها الروحيّ والتراثي العظيم. ويجب ألاّ يُنسينا حديثُنا عن استشراء الروحانية في أعمال الفنان «لي هْوي» جانبَها المتّصلَ بالتجربة اليومية وما فيها من قضايا مثل اضطراب المناخ، وسيطرة الإعلامية على المجال الحيويّ، وعدم اليقين في العلاقات الاجتماعية، وضمور منظومة القِيَم، وهي قضايا أحال عليها هذا الفنان برمزيّة عالية كان قد أشار إليها في قوله: «أسعى في منحوتاتي وتركيباتي الفنية إلى أن أخلق مشاعر لا يمكن التعبير عنها باللغة، فأنا لا أعوّل على جماليات المادّة، أي على محمولها البصريّ فحسبُ، وإنما أعوّل أيضًا على ما فيها من طاقة، وما عملي الفنيّ إلاّ نقل الطاقة من حالتها الفيزيائيّة إلى حالة فنيّة، وأعتقد أن لهذه الطاقة قدرة على التواصل مع الجمهور تواصلا غير لغويّ، أنه تواصل شعوريّ لا يقبل التفسير».

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية