«لا أستطيع أن أتنفّس»: صوت شعب يختنق الصورة «أمير» عصرنا الجديد

حجم الخط
2

يضغط شرطيّ أمريكي أبيض البشرة قاسي الملامح بركبته على ظهر وعنق أمريكيّ أسود مكبّل اليدين، محاولا تثبيته إلى الأرض. الأخير يستغيث مردداً «لا أستطيع أن أتنفّس..»، بينما لا يستجيب الشرطي لتوسلات المارّة بوقف الضغط على عنق الرجل الأعزل. يسمع صوتا يقول: «ركبتك على عنقي.. لا يمكنني التنفس.. أمّي ..أمّي».
يتلاشى الصوت شيئاً فشيئاً، وتتضاءل حركة الأمريكي الأسود، بينما ثلاثة ضباط آخرين كانوا يحمون رفيقهم يصرخون عليه بأن ينهض ويصعد إلى السيّارة.
لكن الأمريكي الأسود لا يستجيب. لقد فارق الحياة!

لست أوّلهم يا جورج فلويد ولن تكون آخرهم

تلك كانت مجرّد حادثة اعتياديّة أخرى في إمبراطوريّة الديمقراطيّة والحريّة، التي تحاضر للعالم منذ أكثر من مئة عام عن حقوق الإنسان والعدالة وحكم القانون، وتجلد بلا رحمة ديكتاتوريين شرقيين ولاتينيين – يتبيّن بمحض الصدفة أنهم معادون للولايات المتحدّة – بزعم سجلاتهم السّيئة في مجال حقوق الإنسان.
إذ تتعدد حوادث العنف المفرط غير المبرر التي تمارسها السلطات الأمريكيّة ضد الأمريكيين السود العزّل لمجرّد الاشتباه بارتكابهم جنايات غير خطيرة. لكن الفرق اليوم أن حادثة القتل المتعمد للضحيّة – جورج فلويد – تمّ التقاطها من قبل أحد المارة على فيلم فيديو قصير – 8 دقائق – ما لبث أن انتشر على مواقع التّواصل الاجتماعي انتشار الناّر في الهشيم. وعلّق شقيقه المحزون فيلونايز فلويد :»لقد عاملوه بأسوأ مما قد يتعاملون مع حيوان».

شعب يختنق

منذ مساء الإثنين الماضي، لم تهدأ شوارع مينيابوليس في ولاية مينيسوتا الأمريكيّة، حيث وقعت حادثة القتل المعلن. إذ اندفع ألوف الشّبان السود وفقراء المدينة، بعد مقتل مواطنهم، لمهاجمة مقر البوليس الذي انسحب إليه الضّباط القتلة، قبل أن تتوسع أعمال العنف لاحقاً لتطال مقرات في أحياء أخرى من المدينة، وتتعرّض المتاجر الكبرى إلى اجتياح وسطو وتكسير، وتشتعل المرافق العامّة بالنيران، فيما تطلق قوات أمن خاصة وبكثافة قنابل غاز مسيّل للدموع، ورصاصاً مطاطيّاً في محاولة للسّيطرة على الحشود الغابة، التي ابتدعت مما تيسّر يافطات كتب عليها «لا أستطيع أن أتنفّس»، بينما لا تكفّ طائرات البوليس المروحيّة عن التّحليق فوقهم وتصويرهم.
ولم تفلح سلسلة من التصريحات من مسؤولين حكوميين بإدانة الحادثة، وتحويل الضباط القتلة إلى التحقيق بتهمة ارتكاب جريمة فيدراليّة في امتصاص الغضب، الذي يشي بإمكان تحوّله إلى نواة انتفاضة أوسع تمتد عبر مجتمعات الأقليّة السوداء في الولايات المتحدّة على نسق حراك «حياة السود مهمّة» – اندلع عام 2014 – إثر حادثة قتل مشابهة نفذها البوليس الأمريكي وأودت وقتها بحياة بائع سجائر مهربّة مسكين اسمه إريك غارنر، بينما كان يتوسّل لحياته «لا أستطيع أن أتنفّس.. لا أستطيع أن أتنفّس».
وبالفعل تترقب السّلطات بتوتر شديد احتمال انتشار الاضطرابات إلى الولايات الأخرى لا سيما بعد ورود أنباء عن اندلاع أعمال عنف واسعة في وسط مدينة لوس أنجليس عاصمة الغرب الأمريكي.
بالطّبع فإن هذا الحراك الجماعيّ، الذي شاهدنا مقاطع عنه وثقتها مواقع التواصل الاجتماعي يظهر غضباً متراكماً يتجاوز حوادث السطو، التي تحاول إبرازها السلطات من خلال التليفزيونات ووسائل الإعلام المنحازة أبداً لسرديّات السّلطة.
بل، وشوهد رجال للشرطة يقبضون على أحد المتظاهرين السود قبل أن يهاجمهم العديد من الشبان ويضطرونهم للتراجع فكأن حاجزاً للخوف قد انكسر.
جذور هذا الغضب قديمة قدم المجتمع الأمريكيّ وتعود إلى مرحلة تأسيس الوجود الأوروبيّ في أمريكا الشّماليّة والإبادة العرقيّة لأصحاب الأرض الأصليين، ولاحقاً استجلاب ملايين الأفريقيين المخطوفين من قراهم وبلداتهم عبيداً عبر الأطلنطي للقيام في أعمال الزراعة والأشغال الشاقة.
لم تكن فكرة العرق كوسيلة للتمييز بين البشر معروفة قبل نشوء المستوطنات الأوروبيّة في العالم الجديد – والتي صارت الولايات المتحدّة لاحقاً – لا في اليونان القديمة، ولا الصين، ولا الهند، ولا حتى الإمبراطوريّة الرومانيّة.
لقد كانت تلك الفكرة ابتداعاً سمح لنخبة الأثرياء الرأسماليين بتشكيل مجتمع الحداثة الجديد على شكل هرم يتربعون على قمّته، فيبررون لأنفسهم ولمجتمعاتهم تجارة العبيد، وكذلك خلق شرخ لا يلتئم بين الفقراء من العمّال الأوروبيين التعساء، ورفاقهم السود المسترقين. شرخٌ يحمي سلطة المهيمنين ما زال طازجاً وحيّاً ويتقبّله الجانبان هوّية ومرجعاً.
وحتى بعد الإعلانات الرسميّة عن إلغاء العبودية في الولايات المتحدة (عام 1865 مع التعديل الثالث عشر للدستور هناك)، فإن الممارسات الممنهجة لعزل السود وإقصائهم لم تفنَ، بل تحوّلت إلى روح للسياسات الرسميّة للدولة، سواء في شكليّات تطبيق القوانين والأنظمة، أو من خلال سرديّات الثقافة والإعلام المملوكين حصرياً تقريباً بأيدي الطبقة الحاكمة. وقمعت كل محاولات النهوض والمقاومة بالقسوة المفرطة، فقتل القادة السود أو نظمت لهم حوادث اغتيال مشبوهة، واخترقت حراكاتهم وأفرغت من طابعها الصداميّ.
وما زال مناضلون من حراك «الفهود السود» قابعين في السجون إلى اليوم بلا أمل بالإفراج عنهم، بينما يُعفى عن القتلة والمجرمين البيض، أو يحكمون بأحكام مخففة.

«أمير عصرنا» الجديد

يتحدّث المفكر السياسيّ الإيطاليّ نيقولو ميكيافيللي (1469 – 1527) في درّة أعماله «الأمير – نشر للعموم عام 1532» عن أن المجتمعات التي لا تعد أوضاعها القائمة مناسبة لظروفها المستجدة فإنها تكون بحاجة لأمير من نوع جديد يتولى إيقاظ الأمّة وقيادتها لتحقيق المهمّة التاريخيّة اللازمة لتغيير الأوضاع القائمة.
و»الأمير الجديد» كان بالطبع نتاج الحقبة التي عاشها ميكيافيللي عشيّة اللحظة الفاصلة بين العصور الوسطى وصعود البرجوازيات الحديثة في أوروبا قبل خمسمئة عام.
لكن ثيمة الحاجة إلى نقطة إلهام مركزيّة توجه الأمة للقيام بما يلزم – تحرراً أو وحدة أو تقدماً – بقيت حيّة، بل واعتبر المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937) أن الحزب الثوري سيكون بمثابة «أمير معاصر» يقوم بدور أمير ميكيافيللي الجديد.
بفشل الأحزاب الثوريّة في المجتمعات الغربيّة القيام بدورها تجاه قيادة الشعوب لإنجاز المهمات التاريخيّة، انقضى عصر الثورات الكبرى، ولم يعد حلم إسقاط المنظومة الكليّة ممكناً، لظروف تاريخيّة وموضوعيّة متراكمة.
وكدنا نفقد الأمل نهائياً بحدوث تحولات جذرية توقف تغوّل النّخب على المجتمعات وتعيد شيئاً من العدالة للناس كبشر لا أعراق وديانات وشعوب مختارة من الله.
وحدها الصورة – بشكلها الجديد على وسائل التواصل الاجتماعي – وتبدو كأنها تتقدّم من حيث لم يتوقّع أحد، لتتولى دور «أمير جديد معاصر» الذي بقي شاغراً منذ عقود وإلهاماً لخلاص جمعي ممكن. فمن شريط فيديو قصير، صوّره مواطن تصادف وجوده مع حادثة القتل المُعلَن في شارع خلفي لمينيابوليس، تناقله شبان عبر صفحاتهم الشخصيّة فيتراكم وعياً كافياً لدفع الألوف، التي اعتمر صدورها الغضب إلى الشارع معاً ذات اللحظة، لتحدي قبضة قاتلهم ومضطهدهم.
لا نعلم إذا كان هذا الحراك للأقليّة السوداء سيتسع ليُغرق كل الولايات المتحدة، ومن غير المعروف في ما إذا كان سيشمل بقيّة المجموعات المضطهدة عنصرياً فيها، ولن يكون بمقدور أحد حتى الآن تحديد مدى التغيير الذي سيفرضه على المجتمع الأمريكي.
لكن المؤكد الوحيد أن الصورة في العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين ستتبوأ مكانة الأمير الجديد لعصر التكنولوجيا المتشظيّة وديمقراطيّة الهواتف لا في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربيّة فحسب، بل في كل مكان – حتى عالمنا العربي – حيث لم تعد الحقيقة احتكاراً للسلطات الحاكمة، بل صارت صوتا للصورة.
فلترقد روحك بسلام يا جورج فلويد. لقد صرت رمزاً.

 إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية