أفلام السيرة الذاتية ما زالت تملك رصيدا جيدا من جمهور الفن السينمائي، على اختلاف ثقافاته وانتماءاته الطبقية، والاهتمام بهذه النوعية من الأفلام بقدر ما له صلة بالمتعة التي يقدمها الفن السينمائي في تنوع طرائق سرده للسيرة وما تضفيه أساليبه الجمالية في تحقيق التشويق والإثارة في عملية التلقي، فهو مرتبط بمسألة جوهرية تتعلق بالنموذج الإنساني الذي يشكل محور الفيلم وما يجمعه مع الجمهور من مشاعر مختلفة في تنوعها، تتوزع بين قبول ورفض وتعاطف ومحبة وكره وتقليد وانجذاب، وغير ذلك.
وتعود بدايات إنتاج هذا النوع من الأفلام في هوليوود إلى ثلاثينات القرن الماضي، حسب ما أشار إلى ذلك الناقد علاء المفرجي في كتابه “أفلام السيرة الذاتية” الصادر عام 2017. ومتابعة هذه الأشرطة تتيح للمتلقي فرصة إشباع شغفه في معرفة تفاصيل مجهولة من حياة الشخصية، خاصة تلك التي تتمتع بشهرة، ومثل هذه الشخصيات لا تقتصر على فئة معينة من الناس، فمن الممكن أن نراها في شرائح مختلفة من المجتمع. وعندما تصبح مادة للفن السينمائي، تستثير مخيلة المتلقي وتدفعه لمشاهدتها، فلربما تلامس مناطق مجهولة في مسيرتها، أو تضيء زوايا ملتبسة في الواقع المعاصر، فكيف إذا كانت الشخصية إشكالية في حضورها أو في قدرتها على مواجهة أي ضغوط خارجية قد تتعرض لها بكل حكمة وهدوء؟
وفق هذا الإطار، يمكن اعتبار فيلم “سرجيو” إنتاج 2020 للمخرج الأمريكي جريج باركر، تمثيل البرازيلي فاغنر مورا، ضمن أفلام السيرة الذاتية.
موضوع الفيلم يتمحور حول شخصية السياسي البرازيلي سرجيو فييرا دي ميلو، الذي درس الفلسفة في جامعة السوربون منتصف الستينيات، وبدأ عمله في الأمم المتحدة عام 1969 وهو في مقتبل شبابه، واستمر لمدة تزيد على 34 عاما، تدرج خلالها في سلم الوظائف حتى وصل إلى منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان حتى وفاته في 19 اب/اغسطس 2003 في العاصمة العراقية بغداد، بعد أن تعرَّض مقر المنظمة التي يترأسها إلى التفجير بسيارة ملغمة، ما أدى إلى سقوط 20 قتيلا وأعداد من الجرحى.

مازق أخلاقي
الفيلم إذن مرتبط بسيرة سرجيو، وبنيته السردية انطوت على رؤية فنية جريئة، كشف فيها المخرج المازق الأخلاقي الذي سقطت فيه الإدارة الأمريكية، بسبب ما خلّفته من عنف وخراب بعد احتلالها للعراق عام 2003.
بدا سرجيو في الفيلم، أقرب إلى شخصية شاعر متصوف يتغنى بالحب والسلام إلى جانب كونه دبلوماسيا وسياسيا محنكا، وكان لماضيه اليساري أيام دراسته في السوربورن ومشاركته في ثورة الطلبة التي عمت أوربا عام 1968 الأثر الواضح في أن تميل قناعاته إلى ناحية تحقيق العدالة الإنسانية للشعوب المقهورة في جميع المناطق التي كلفته الأمم المتحدة بالعمل فيها، وكانت تشهد صراعا دمويا بين أنظمتها الحاكمة وجماعات عرقية تسعى لنيل حقوقها، مثل بنغلادش والسودان وقبرص وموزمبيق والبيرو وكمبوديا ولبنان والبوسنة وتيمور الشرقية والعراق.
طيلة زمن العرض الذي يستغرق ساعة و56 دقيقة يسرد لنا السيناريو قصة رجل كان على درجة عالية من الحكمة والهدوء والقدرة على ضبط النفس في أصعب المواقف التي وجد نفسه فيها بمواجهة شخصيات تمارس العنف دفاعا عن مواقفها وعن الجماعات التي تتبعها. ومن جانب آخر حملت شخصيته أبعاداً عاطفية صادقة تجاه الناس العاديين، فكان حريصا على أن يلتقي بهم في أسواق وشوارع المدن المنكوبة بالحروب، فيصغي إليهم وإلى ما يفكرون به وما يسعون لتحقيقه، ولأجل ذلك تخلى عن الإجراءات الأمنية التي يلجأ إليها أمثاله من المسؤولين، حتى يدفع الناس البسطاء إلى الشعور بالاطمئنان إليه والثقة به، فكان يختلط بهم بدون أن يرافقه طاقم الحراسة. وحتى عندما وصل إلى مقر منظمته داخل فندق “القناة” في العاصمة العراقية في الأيام الأولى لسقوطها تحت سلطة الاحتلال الأمريكي ووجده مسوّرا بالمتاريس والقناصة ونقاط الحراسة، طلب من القائد العسكري الأمريكي المسؤول عن حراسة الموقع أن يغادر المكان مع جنوده، لأنه لا يريد للعراقيين أن يتشكل لديهم تصور خاطئ بأن الأمم المتحدة طرف شريك مع قوات الاحتلال، ولما سأله فريق عمله عن أسباب لجوئه إلى هذا الإجراء رد عليهم بأن ليس من واجبهم الاختباء وراء جدران من الذخيرة.
بدأ الفيلم بكلمة قصيرة يوجهها سرجيو إلى جميع العاملين في منظمة الأمم المتحدة عبر لقاء تلفزيوني لصالح إحدى المحطات، ويجد في هذه الإطلالة عبر الشاشة فرصة مناسبة حتى يوجه كلمته لكل العاملين في المنظمة بأول يوم عمل لهم، يذكِّرهم فيها بأن التحديات الحقيقية التي تواجههم تكمن في العمل الميداني، حيث معاناة الناس واحتياجهم لجهودهم، ثم يعيد المخرج في ختام الفيلم الكلمة، مع إضافة لقطة من شريط وثائقي يظهر فيها سرجيو الحقيقي، وهو ينتهي من توجيه ذات الكلمة، ثم ينهض من خلف مكتبه مبتسما ويتجه إلى فريق التصوير، ليبدأ بعدها تايتل النهاية.
عام 2009 قدم المخرج باركر فيلما وثائقيا عن شخصية سرجيو، نال عنه جوائز دولية، وقد استند فيه على كتاب لسامنثا باور الحائزة على جائزة بوليترز، فأصبح ذلك الفيلم خطوة أساسية لفهم شخصية سرجيو، وهذا ما انعكس بالتالي في فيلمه الروائي بعد ان عمل على انزياح مادته الوثائقية إلى بنية واقعية متخيلة، أعاد فيها تركيب الواقع من جديد، وفي هذه الإعادة التخيلية كان حذرا جدا في التعامل مع المادة الوثائقية، رغم حرصه الشديد على أن يكون مشروعه الفني المتخَيَّل أقرب إلى أن يكون وثيقة روائية عن الواقع.
الملاحظ في الفيلم ان باركر سعى إلى أن يؤكد ذاته باعتباره ساردا ورائيا للأحداث في آن، وهذا المسعى لن يتحقق له إذا ما لجأ إلى إِحدَاث تغيير في الوقائع التاريخية، ولأنَّه مُدرك خطورة هذه المَهَمَّة وأهميتها الفنية فقد لجأ في سيناريو الفيلم إلى استبعاد اعتماد المسار الخطي للأحداث في بناء الزمن السردي للفيلم، واختار بدلا عنه مسارا ارتداديا يعيد من خلال حركته المستمرة باتجاه الأمام والخلف مقابلة الأحداث المتباعدة زمنيا ومكانيا، وفق ما يفرضه المنطق الدرامي، مهشما بذلك مسار الزمن بانسيابه الفيزيائي الأفقي إلى مجموعة وحدات مشهدية متشظية، كل واحدة منها منعزلة ومتباعدة عن الأخرى زمنيا، لكنه وضعها في سياق درامي بالشكل الذي يضيء كل مشهد فيه مشهدا آخر يقابله، رغم الفاصلة الزمنية التي بينهما.
مبنى الفيلم الدلالي
بداية الفيلم كانت مع اللحظة التي أعقبت الانفجار، وما نتج عنها من رعب أصاب الذين حالفهم الحظ ونجوا من الموت، بينما سقطت كتلة خرسانية كبيرة على ساقي سرجيو جعلته عاجزا عن الحركة، وإلى جانبه أيضا يرقد رفيق دربه غيل لوشر (مثل شخصيته براين أوبيرن) ولم يجد فريق الانقاذ المؤَلَّف من جنديين أمريكيين بعد ان تمكنا من الوصول إليهما أي امكانية لانقاذ لوشر إلاَّ بعد بتر ساقيه. وبعد مضي ساعة من الزمن فشلت خلالها كل محاولاتهما لإنقاذ حياة سيرجيو، لأنهما كانا بحاجة إلى آليات ثقيلة لرفع الكتل الخرسانية الجاثمة على جسده، كانا قد طلباها عبر جهاز اللاسلكي من القيادة العسكرية، وبعد طول انتظار جاء الجواب بعدم توفرها! وخلال فترة الانتظار الطويلة التي جاوزت ساعة من الزمن عمد كاتب السيناريو إلى تفعيل ذاكرة سرجيو المشوَّشة وسط الفوضى والصراخ والآلام، ليبدأ في استعادة أبرز المواقف والشخصيات التي مرت في حياته المهنية والإنسانية، فتنقَّلَ البناء المونتاجي وبايقاع متدفق وحيوي ما بين الزمن الحاضر حيث سرجيو وهو ينازع من أجل الحفاظ على وعيه ورباطة جأشه وبين مَشَاهد تعود إلى ماضي حياته الأُسرية والعاطفية والمهنية، فدفعت هذه الآلية المونتاجية المبنى الدلالي لخطاب الفيلم إلى الوجهة الفكرية التي سعى إليها المخرج، وذلك بإضاءة الجانب المثالي في قيم وثوابت الشخصية المحورية، وما آلت إليه من نتائج تسببت في مقتلها.
تعامل باركر مع الزمن السردي بانزياح ارتدادي رفع من سخونة المشاعر خاصة في المشاهد التي جمعت سرجيو بحبيبته كارولينا لارييرا (مثلت شخصيتها الممثلة الكوبية آنا دي أرماس) وبذلك أنقذ إيقاع فيلمه من الترهل نظرا لطول زمن عرضه، وقبل ذلك كان هذا الخيار موفقا من قبل كاتب السيناريو كريغ بورتن، فقد أتاح له الإمساك بتفاصيل كثيرة ومهمة في مسيرة الشخصية، امتدت على فترات زمنية تجاوزت الثلاثة عقود، فالزمن السردي بصيغته الارتدادية التي جاء عليها في هذا الفيلم لا يتجسد حضوره باعتباره تقنية لسرد الأحداث التي مرت في حياة سرجيو فقط، إنما لتأكيد فكرة انسجامه مع ذاته ومشاعره، رغم حالة الصراع التي كان يخوضها مع شخصيات تتسم بالعنف والتصلب في مواقفها بمناطق مختلفة من العالم، وبدت قوته الداخلية أشبه بقوة إيمان رجل متصوف يثق بما يحمله من نور داخلي لرؤية الطريق في أشد لحظات العتمة .
غربة وجودية
تتعمق التركيبة الدرامية لشخصية سرجيو في سيناريو الفيلم عبر قصة الحب التي يعيشها مع كارولينا لارييرا وسارت هذه العلاقة بموازاة مساره المهني، فإلى جانب وظيفته القائمة على إيجاد سبل سلمية لإنهاء نزاعات مسلحة وإطفاء نيران حروب أهلية، كان يحاول إبقاء نار الحب مشتعلة في علاقته العاطفية، ورفع درجة حرارة المشاعر المتبادلة بينه وبين حبيبته كما لو أنه يسعى بهذه العلاقة الحفاظ على عفويته الشخصية بعيدا عن سطوة ما تفرضه المهمات الرسمية من أوامر عُليا يتوجب عليه تنفيذها. ويظهر سرجيو في الفيلم باعتباره إنسانا يحمل في داخله مشاعر نبيلة تجاه الآخرين الذين لا يعرفهم شخصيا، فتدفعه هذه المشاعر إلى ان يتشارك معهم احساسهم بالقهر والانكسار، بينما يعيش غربة وجودية في علاقته مع ولديه ووطن البرازيل بسبب العمل، وهذه التركيبة الدرامية تتقاطع مع نمطية الصورة الواقعية لغالبية المسؤولين الأمميين في تعاملهم البارد مع قضايا الشعوب، وفي هذه الخاصية يحدث الافتراق الحاد في المواقف إزاء الأحداث بينه وبين شخصية بول بريمر (مثل شخصيته برادلي ويتفورد) الحاكم المدني على العراق الذي عينته السلطات الأمريكية بعد العام 2003 فقد بدا البون شاسعا بينهما، واصطبغت علاقتهما بالتوتر مع أول لقاء جمعهما في الأيام الأولى لسقوط بغداد، وفي ابعاد هذه العلاقة كانت خطوط السيناريو تتحرك في اتجاه تعميق التباين الحاد بين الشخصيتين ازاء الدمار والانتهاكات التي خلفها الاحتلال، فجاء السيناريو بغاية الذكاء عندما أوحى للمتلقي بأن بول بريمر ليس بعيدا عن شبهة التورط باغتيال سرجيو، بدون أن يشير إلى هذا التورط بشكل صريح، إلاَّ ان ما يفضي إلى هذا الايحاء ما كان عليه سياق مونتاج المشاهد وترتيبها وفق منطق تسلسلها الدرامي وليس وفق تسلسها الزمني، وبهذه البنية المونتاجية شكًّل المخرج رؤيته للأحداث وقادنا إلى ناحية تفسيره الذاتي للوقائع الحقيقية التي حاول استعادتها بصيغة روائية قرينة للواقع.
والإيحاء بمسألة تورط بريمر، يأخذ مدلولا رمزيا لارتباطه بسلطة الاحتلال الأمريكي باعتبارها مسؤولة عن ما انتهت إليه الأوضاع في العراق، ولأنها كانت تتستر على الانتهاكات التي تقع على العراقيين، بينما سرجيو كان يُصر على ان لا ينضوي دور الأمم المتحدة تحت سلطة الاحتلال، وانَّ من واجبها كشف الحقائق وليس التستر عليها.