■ قلنا أكثر من مرة في هذا الركن ما قاله أرباب الاستعارات العرفانية منذ أربعة عقود، إن الاستعارات شيء ذهني وليست حِلْيَة لفظية، وإنها تعشش فينا، فنراها في همساتنا لحبيباتنا وفي حديثنا الذي يقطعه نفث دخان من سجائرنا دوائرَ دوائرَ، تسبل في الهوا لتندثر مثل غبار عَسْكَرٍ مَجْرٍ.
الوعي بحضور هذه الطريقة الاستعارية في التفكير وفي الفهم، هو في جزء كبير منه شأنٌ لساني. لقد أردنا في هذا الركن تبسيط بعض المفاهيم اللسانية تبسيطا يشبه الترويضَ. ترويض بعض المفاهيم اللسانية الحديثة، ليس أقل عسرا من ترويض الوحُوش الكاسرة؛ والكاسر من الوحش يصعب ترويضه وهو داخل القطيع ويصبح ترويضه أيسر إن هو أفرد عنه.
استعملت في حديثي عن ترويض الأفكار استعارة كبرى هي (الأفكارُ وحُوشٌ) هي التي يسرت لي الحديث عن (تفسير الأفكار ترويضٌ). وسمحت لي أيضا بالحديث عن الأفكار قطيع. (الأفكار قطيع) استعارة مجردة منضوية تحت استعارة أعم منها هي استعارة (البشر قَطِيعٌ) المعروفة. في هذا المقال سوف نتوقف عند هذه الاستعارة بما تيسر من التحليل، وسنبدأ بصناعة مشهد سردي يوظف هذه الاستعارة.
في رحلة المشي الصباحية في هذا الريفِ البهي، أرى قطعانا كثيرة من الأغنام ترعى على مدَى الفصول، يحرسها الراعي حرسه الله. أتوقف فجأة لأراقب قطيعا منها. هذا القطيع الذي يرعى أمامي هذا الصباح هو بصوفه ولحمه وشحمه، الذي يتردد اسمه هذه الأيام. أن ترى قطعانا كل يوم فذلك أمر وأنْ تراه وأنت تقول بينك وبين نفسك: أهذا هو القطيع الذي يجري اسمه على ألسنه الناس كثيرا هذه الأيام؟ فذاك أمر آخر. وأن يجري الاسم على القطيع، بما هو مجموعة من الحيوانات التي يجمعها الرعي، أو تجمعها وحدة المصير (البيع والذبح) فتلك مسألة؛ لكن أن يجري اسم القطيع، باعتباره استعارة فذلك شأن آخر. يصبح القطيع «وهو استعارة ميدانا مصدرا» Source domain كما يقول لايكوف وجنسن، منه تستمد الاستعارة عناصرها الملموسة لتشرح عناصر الميدان الهدف Target domain وهو هنا (البشر أو طريقة عيشهم ولنقل ثقافتهم). فمن اليسير أن تفهم كيف يتصرف قطيع من الغنم أو البقر الوحشي؛ لكن من الصعب أن تفهم كيف تتصرف جماعة بشرية ما في وضعية ما. نريد أن ننبه قبل مواصلة الحديث، إلى أننا نسقط من اعتباراتنا أي توصيف أخلاقي، وأي حط من القيمة، أو رفع لها. أن تدرك وأن تفهم شيء، وأن تعير (من العِيار لا من العار) شيء آخر. برزت استعارة (البشر قطيع) عندما تحدث الناس عن «مناعة القطيع»، وأثرنا الموضوع في مقالة سابقة؛ وتبرز الاستعارة نفسها في الانتخابات، أو في المناكفات، حين يتحدث بعضهم عن «قطعان السياسة»، ويقصدون الذين يهبون هبة واحدة للانتخابات. وتثار التسمية حين يتحدث بعض الناس عن «ثقافة القطيع».
الانتساب إلى القطيع حدسي، إذ النفر الواحد منه لا يعي أين يقف، ولا أين ينظر ولا أين يرعى، إلا إذا نظر يمنة فرأى قطعة من القطيع، ونظر يسرة فرأى قطعة أخرى منه، عندئذ سيعرف أن الحياة تستمر. ويشعر صحيح بأن القطيع يشعر بالأمان لأنه مجموعة منسجمة؛ ولكنه يشعر بذلك أكثر لأن هناك راعيا يعرف عن سلامته وخطره أكثر مما يعرفه عنهما فلمَ التفكير والكدر. لم تعرف القطعان المتوحشة الراعي، لكنها كانت قطعانا وكانت ترعى، والأكيد أن الرعاة هم رعاة لمصالحهم لا لمصالح القطيع، ولكن القطيع لا يعنيه شيء من هذا. اللغة مخاتلة سمت الراعي بنسبة اشتقاقية إلى رعي، يستفيد منه القطيع ولا يستفيد منه هو مباشرة.
صارت القطعان الوحشية قطعانا أليفة بعد ترويضها، لكن هل روضت القطعان الوحشية أفرادا أو مجموعات؟ القطيع مجموعة مفردة يسهل التحكم فيها بالتحكم في نظامها التماثلي. البشر وحدهم القادرون على اختراع الوظائف؛ ووظيفة الراعي هي وظيفة مخترعة، على قدر ميل الإنسان إلى الاستحواذ على كائنات الطبيعة باسم الملكية. وجد قبل الراعي شخص أكثر خطرا منه هو المُروضُ. المروض كائنٌ ذكِي جدا لأنه يستمد معرفته بسلوك أفراد القطيع الطبيعية في استمالتها وإسكات ميلها إلى العصيان. القطيع لا يعصى ولا يطيع، هو يستنفر فينفر ويستجلب فيُجلب ويستَحلب فيحلب.. يثار فيستثير الفعل ورد الفعل يحكم علاقة المروض بما يروض، ولا يحكم علاقة الراعي بالقطيع. الراعي ليس مجربا هو منفذ المجرب هو المروض.
ليس المروض الكائن الوحيد الذي يسر للراعي مهمته، هناك من يسر لهما المهمة معا هو الرقيب.
صارت القطعان الوحشية قطعانا أليفة بعد ترويضها، لكن هل روضت القطعان الوحشية أفرادا أو مجموعات؟ القطيع مجموعة مفردة يسهل التحكم فيها بالتحكم في نظامها التماثلي.
يكون القطيع الوحشي منسجما في مرعاه في حله وترحاله حتى يأتي الرقيب ليرى كيف ينام وكيف يأكل وكيف يعيش وكل هذه العناصر وإن كانت بسيطة فهي مفيدة للسيطرة عليه في ما بعد ولترويضه. لا شك في أن للقطيع عادات وسلوكات بعينها، ولا شك في أن له قيودا وموانعَ، وأن له مهدداتٍ وعراقيلَ يخشاها. للسيطرة عليه لا بد من مراقبة هذه الأشياء التي تعكر. لكن مراقبة القطيع قد تقود إلى استخراج ضربين من الملاحظات: الضرب الأول يتعلق بملاحظة السلوك العام ويتعلق الضرب الثاني بملاحظة السلوك الخاص لأفراد القطيع المميزة. في قطيع ثيران مثلا يُحسب للثور الأقوى حساب في القطيع، وفي قطيع الغنم يحسب للكبش الأقوى حساب، وربما أعان الراعي على قيادة القطيع إلى المشرب أو المرعى، وعند النفير يهرب القطيع جميعا في الاتجاه الذي هرب فيه الكبش. الأهم من كل هذا أنه لا يوجد كبش يفكر في الخروج عن القطيع، لأنه وهو داخل القطيع يستمد سلطته هرميا من سلطة هرمية لا يجدها خارج القطيع. اليوم الذي يعلق الناقوس في رقبة قائد قطيع يكون يوما مميزا في حياته.
من تابع قراءة ما قدمناه إلى هذا الحد عن القطيع، لا شك في أنه جمع بين القطيع في معناه الحقيقي الحيواني، ومعناه الذي صار له في حقل دلالي آخر له صلة بأحوال من الاجتماع البشري، يسيرها سلوك آلي موجه بانطباع المجموعة أو بثقافتها. ما مِنْ فرد من القطيع يرصد سلوكه إلا وارتقى إلى درجة المراقب الذاتي لسلوك آلي في الغالب والحدس بالانتماء إلى مجموعة لها سلوك عام موحد يُعتقد أنه السلوك الأمثل. المراقبة الذاتية داخل القطيع والإعلان عن ذلك بقول من نوع (أنا في القطيع) أو (أنا من القطيع) وهو قول يصعب أن يقال بإسناد النسبة إلى ضمير التكلم المفرد، هو نوع من الخارجية أو شق لعصا الطاعة. (أنا من القطيع) يمكن أن تكون قولا كَذِبًا، لأنه يعلن النسبة إلى القطيع لغة وينوي كسرها وعْيًا. لكن قول (نحن قطيع) لا يقوله إلا ناطق باسم جماعة تتبنى استعارية التجمع الحيواني ورتابة السلوك الجمعي الآلي؛ ويقوله لا ليعتز بالانتماء أو يستهين به، وإنما ليعلي من شأن الاجتماع أو ليحط من شأنه.. استعارة (المجموعة قطيع) ليست استعارة سلبية دائما، فهناك قطيع رغم وعيه بأنه لا يترك الحرية لأفراده يظل متشبثا بالهوية القطيعية إذ لا بديل لديه غيرها.
اللحظة الفارقة والمزلزلة في حياة بعض الأفراد بين القطيع، هي تلك التي تجعل عيونهم تزيغ فلا يرون حيث كانوا يرون، ولا يرعون حيث كانوا يرعون، ولا يحلمون كالبقية ولا يفكرون كالجماعة. حين يفعل الفرد ذلك يكون في ريبة من أمره لا هو معافى من منظار القطيع، ولا هو اجتماعي من منظار نفسه. في هذه اللحظة تلد في ذهنه استعارة القطيع لا قبل ذلك.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية