“ليس مطلوباً منا التنازل، بل من الفلسطينيين”، قال نتنياهو في مقابلة مع صحيفة “إسرائيل اليوم” في تطرقه لخطة ضم غور الأردن التي يمكن أن تنفذ في تموز. أنظر حولي وأتساءل عم سيتنازل الفلسطينيون الذين لم يتنازلوا لصالح أبناء عمهم، بسبب حقدهم. في برنامج “كركر ضد كركر” لقصاص الأثر الشاحب، كل ما بقي للسيد كركر صاحب الملك بعد توزيع الأملاك هو فقط خيط التطويل بعد أن سرقت زوجته براخا كل شيء. ولكن “مروحية” من شركة فليكس للنقل، على شكل الوسيط الأمريكي النزيه، يأتي إليه ويدعي: “كان يمكنك التنازل لها أكثر بقليل”.
بهذا، أيها السادة أبناء العم، عدا عن التنازل عن الحياة مثلما فعل الأوائل في متساده، لم يبق للفلسطينيين ما يتنازلون عنه. نعم، لينتحروا كي يواصلوا الحياة الأبدية، ويذهبوا إلى المكان الذي فيه، كما يقول الكاهن أثناء تأبين الميت “ليس فيه ألم أو حزن”، أي إلى المكان الذي لا يوجد فيه نتنياهو واييلت شكيد وبتسلئيل سموتريتش. نأمل بأنه في الأعلى لن يطلب أبناء العم من الجالس في السماء أن يحصلوا على نصيب الفلسطينيين.
لنقم بإجراء جرد للمخزون الذي تبقى للفلسطينيين بعد سقوط كل الخير الصهيوني عليهم. قبل مئة سنة كان الفلسطينيون يشكلون 90 في المئة من إجمالي السكان، وكانت معظم الأراضي بملكيتهم. في العام 1948 خصص العالم لهم لشدة نزاهته فقط 44 في المئة من أرض فلسطين التاريخية، رغم أنهم كانوا يشكلون ثلثي عدد السكان. ولم يكتف دافيد بن غوريون بالمنطقة التي تم تخصيصها للدولة اليهودية، وامتدت إسرائيل على 78 في المئة من الأراضي. في العام 1967 سيطرت إسرائيل أيضاً على الـ 22 في المئة من الأرض التي بقيت للفلسطينيين.
احتلت إسرائيل جميع الضفة الغربية، بما في ذلك المنطقة التي تسمى “غوش عصيون”، التي منع موشيه شريت وأصدقاؤه إعادة احتلالها في 1948. أعلن بن غوريون بأن هذا الأمر كان “بكاء للأجيال”. كل جيل له “بكاء للأجيال” خاص به. الآن يصرخون بأن عدم الضم سيشكل “بكاء للأجيال”. بعد ضم الغور ستظهر نسخة أخرى من “البكاء لأجيال”، وأنا بدأت أخاف على مصير عمان الحبيبة من “بكاء مستقبلي للأجيال”.
في الوقت الحالي، يدور نقاش حاد حول ضم الغور. ولكن إذا فحصنا الأمور بشكل أعمق يتبين أنه باستثناء أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة وميرتس، فإن كل الباقين؛ أي 102 عضو كنيست، يؤيدون الضم، وليس الاختلاف بينهم سوى تكتيكي فقط: هل يجب الضم الآن أو في وقت آخر مناسب أكثر. عدد منهم يريدون الضم لأن الأمر يتعلق بإرث للآباء وآخرون يريدون الضم لأسباب أمنية (أمن الأسياد بالطبع. أما أمن الفلسطينيين الذين طرد معظمهم من بلادهم ويعيشون في الشتات ويعيش الباقون وراء الجدران والأسلاك الشائكة، فلا يساوي قشرة ثوم).
هكذا، اليهود يتشاجرون فيما بينهم وبين أنفسهم، أما الشعب الفلسطيني -صاحب الشأن- فلا يؤخذ في الحسبان. المعتدلون في إسرائيل يقلقون من إلغاء اتفاق السلام مع الأردن أو من رد العالم العربي أو من رد الفعل الدولي. هذا يذكر إلى درجة ما بما كانت عليه الحال في 1948. ضباط من الدولة البريطانية العظمى دفعوا زعماء دول عربية لشن حرب ضد إسرائيل، كما يقول مئير زمير في “هآرتس”. مثلما كانت الحال عليه حينئذ، الأمر هكذا هو أيضاً اليوم، الكبار يلعبون والشعب الفلسطيني الصغير يدفع الثمن.
في هذه الأثناء وفي ظل غياب استعداد الفلسطينيين للتنازل عن حياتهم بإرادتهم من أجل العيون الجميلة لأبناء العم، يقوم رجال شرطة مجتهدون بمساعدة الفلسطينيين في هذه المهمة المقدسة؟ إياد الحلاق من القدس كان شاباً متوحداً، وعالم المتوحد بعيد عن تشويه الواقع وعن ألعابه الوحشية. هو ملاك مقابل الشر الذي ينتشر حوله. ولكن هذا لم ينقذ إياد. هنا يطلقون النار حتى على الملائكة، لا سيما إذا كانوا فلسطينيين.
بقلم: عودة بشارات
هآرتس 1/6/2020
*