في مصر: عجز أمام كورونا… ومحاولات يائسة للتفاعل الثقافي

استنفدت وزارة الثقافة المصرية تقريباً كافة الحلول الممكنة للتغلب على أزمة كورونا، بعد أن ظلت القطاعات الثقافية تُدار خلال الفترة الماضية بنظام التفاعل الإلكتروني عن بُعد، فهناك إجراءات إدارية لم تعد تُجدي معها القرارات الاستثنائية، ربما يكون أهمها انتخابات النقابات الفنية التي يتم الاستعداد لها سنوياً، بطرق التنسيق وإعداد القوائم الخاصة بالمرشحين، وعمل الدعاية اللازمة لهم، مع تنظيم عملية الاقتراع، وكلها تستغرق وقتاً طويلاً للتنفيذ، وتحتاج للممارسة الفعلية بالنزول المباشر للمواقع والجماهير لضمان الإنجاز والتغيير.
فعلى سبيل المثال أرجئت عملية الانتخاب أكثر من مرة في العديد من النقابات والجمعيات الأهلية، وألغيت عملية الاقتراع بعد الاستعداد لها لتجنب الزحام والاختلاط، وتحاشي الإصابة بالعدوى، بعد تزايد عدد المصابين وعدم القدرة على استيعاب الحالات المصابة في مراكز الحجر الصحي، فمن بين النقابات التي تأجلت انتخاباتها أكثر من مرة، النقابة العامة لاتحاد كُتاب مصر، التي رأت في التأجيل حلاً مناسباً لتفادي الأزمة لحين إشعار آخر، ولعل ذلك نفسه ما قد تضطر إليه النقابات والجمعيات المماثلة التي يقترب موعد التجديد النصفي والسنوي لأعضاء مجالسها الإدارية، في حال عدم تمكنها من إجراء الانتخابات في موعدها، نظراً للظروف ذاتها، كنقابة السينمائيين والممثلين والموسيقيين، واتحاد النقابات الفنية، وجمعية الكُتاب والنقاد السينمائيين، وأتيلية القاهرة، وجمعية الفيلم، وغيرها الكثير من الجهات المختلفة الداعمة للفن والإبداع، وهو أمر من شأنه أن يخلق أزمات مركبة ستترتب على عملية التأجيل المتوالية، خاصة في ظل عدم وجود موعد منظور للقضاء على الوباء.
ومن الآثار الجانبية الخطيرة أيضاً للعُطل الثقافي الناتج عن كورونا، توقف حركة النشر في القطاعات الرسمية ودور النشر الخاصة، وهو ما يُعد تجميدا كاملا لقطاع ثقافي هو الأهم، ترتبط به نشاطات أخرى محلية ودولية، كالترجمة والجوائز والمعارض وبيع وشراء الكتب ورواج الإصدارات الثقافية المتخصصة، بيد أن هناك محاولات لتعويض النقص عن طريق تفعيل وسائل النشر الإلكترونية، والتوسع في مجالاتها، بتشجيع الإبداع الشبابي، بمقابل مادي قليل التكلفة، للحيلولة دون التوقف الكامل، وهي حيلة لجأت إليها بعض دور النشر الخاصة، التي باتت تعاني من أزمات مالية تهدد بإغلاقها بعد الخسائر التي واجهتها منذ بداية الأزمة وحتى الآن، وهي مشكلة تؤثر بشكل كبير في الإنتاج الكمي للكُتّاب والمؤلفين، وسيُصبح لها تأثير آخر نوعي سيؤدي إلى توجيه الأنظار إلى تغيير المسار الإبداعي، لتحديد بوصلة الكتابة في اتجاه رصد الظاهرة وتسجيل الحالة بكل انعكاساتها الصحية والاجتماعية والسياسية والثقافية، إلخ.
وقد تظهر أشكال جديدة من الإبداع الروائي والقصصي والمسرحي والسينمائي، خلال الأعوام القليلة المقبلة، لتوثق الصورة الواقعية الراهنة بكل مضامينها، لتصبح شاهداً على زمن كورونا، كما حدث في زمن الكوليرا، وأزمنة الحروب التاريخية الكبرى، كالحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، وبقية الحوادث والأحداث الشهيرة التي جرت في العصر الحديث كالمجاعات والثورات وخلافه.
ومما لا شك فيه أن الحركة التشكيلية المصرية والعربية، ستتأثر كذلك بما يحدث من متغيرات على مختلف الصعد، وسيكون الإبداع التشكيلي سباقاً في التعبير عن المحنة بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة، إن لم يكن ذلك حدث بالفعل على نطاق ضيق وبشكل مبدئي، حيث بدأت بعض الرسومات الكاريكاتيرية تشير على استحياء عبر أفلام ومسلسلات الكارتون، إلى قصص تعامل الأطفال مع الوباء، باستحداث شخصيات جديدة تقاوم العدوى وتحذر من خطورتها وتؤدي دورها الحياتي، وهي متحصنة وراء الأقنعة الواقية لزوم الحماية، وهي صور لم تكن موجودة من قبل، ولكنها وجدت كترجمة للواقع الجديد، الذي صار عليه عالم الطفولة البريئة.
ولأن الفن التشكيلي لعب دور البطولة، وكان له السبق في التصوير والتعبير إزاء غضب الجماهير في الثورات والانتفاضات في الميادين والساحات العربية قاطبة، فليس مستغرباً أن يكون سباقاً أيضاً في توثيق ما نحن بصدد الحديث عنه وتسجيله كحاله فريدة وغريبة من نوعها في الانتشار والتأثير، وردود الأفعال الجماهيرية والشعبية، المتراوحة بين الأماني والرجاء والحذر والخوف.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية