عودة الدوريات الكبرى: رسائل وأهداف أسمى من المشاهدة القبيحة!

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”:  كما توقعنا بعد نجاح براءة الاختراع الألمانية، بكسر شوكة العدو الخفي كوفيد-19، ولو بتكاليف خرافية، لاستكمال ما تبقى من موسم البوندسليغا وكأس ألمانيا، لم تهدأ بريطانيا وإسبانيا إيطاليا، إلا بعد الاتفاق على صيغة لاستنساخ تجربة الماكينات، ليس فقط لأن حكومات واتحادات وفرق هذه الدول، شعرت بالغيرة من الهالة الإعلامية الضخمة على كل ما هو ألماني في الأسابيع الماضية، وكأن البساط سُحب فجأة من تحت أقدام ريال مدريد وبرشلونة وعمالقة البريميرليغ وأندية الكالتشيو الكلاسيكية، بل أيضا لإقناع المواطنين بشكل عملي، ببدء مرحلة “التعايش” مع الوباء المستجد، إلى أن يصبح من الماضي، بإعطاء متنفس لشريحة كبيرة، بالاستمتاع بمباريات اللعبة الشعبية الأولى في العالم في عطلة نهاية الأسبوع ومساء الثلاثاء والأربعاء. وسيحدث ذلك، مع استمرار جُل الدول العالم في رفع قيود الحظر، بإتباع معايير السلامة، منها لتقليل انتشار العدوى بين الناس بقدر المستطاع، ومنها أيضا إنعاش الاقتصاد أو على أقل تقرير تخفيف حجم الخسائر الفادحة التي خلفها كورونا، منذ خروجه عن السيطرة منتصف مارس/ آذار الماضي.

 

 حكمة البرغوث

صدم ليونيل ميسي عالم كرة القدم في مقابلة مع “إل باييس”، باعتراف مرعب، مضمونه أن “الساحرة المستديرة لن تعود كما كانت قبل جائحة كورونا”، والسؤال هنا: هل بالغ البرغوث أسطورة برشلونة في تقديره أم أصاب كبد الحقيقة؟ قبل أن أجيبك عزيزي القارئ على السؤال، دعني أسألك: هل نظرتك للحياة ما زالت كما كانت قبل الوباء؟ هل الأولويات لم تتبدل؟ من منا لم يتنازل طوعا عن أشياء كان يخطط لها قبل كوفيد-19 أو على أقل تقدير لم تتغير اهتماماته بوضع شعار الصحة وتجنب المرض أهم وقبل أي شيء في الحياة؟ وكرة القدم كانت ضحية ككثير من المجالات الترفيهية والاجتماعية، التي فقدت ترتيبها في قائمة الأولويات والاهتمامات اليومية أمام حالة الذعر، التي سيطرت على البشرية خلال الشهرين الماضيين. لكن الآن، يبدو واضحا أن هناك اتجاهاً لدى الدول والحكومات لطي صفحة كورونا ونسيان المأساة برمتها، وذلك لبدء مرحلة جديدة مفعمة بالتفاؤل والأمل، ولو بإتباع أعلى معايير السلامة وقواعد التباعد الاجتماعي إلى أن يزول البلاء. وكما كانت الكرة ضحية بالنسبة للحكومات في أوج أوقات محاربة المرض للحد من انتشاره، الآن جاء دورها، لتساهم في رسم الصورة المطلوبة للمرحلة الجديدة، باستغلالها كقوة ناعمة لا يستهان بها في توصيل الرسائل، مثلا بالنسبة لإنكلترا، كان من الصعب أن تحذو حذو فرنسا أو هولندا أو بلجيكا، بإلغاء موسم البريميرليغ، لأهمية الدوري الأغلى عالميا بالنسبة للحكومة البريطانية، بعوائد بثه التلفزيوني الخرافية، على عكس الليغ1، الذي لا تزيد تكاليف بثه على 25 مليون يورو. كذلك إسبانيا تريد الترويج لاستعدادها للعودة كما كانت قبل الوباء، كواحدة من أشهر وأكثر الدول السياحية في العالم.

ونفس الأمر ينطبق على إيطاليا، هي أيضا في أمس الحاجة لجرعة تفاؤل وأمل لتجاوز صدمة القرن، هذا بجانب الأهمية الاقتصادية لتقليل خسائر الأندية، لهذا قررت الدول الثلاثة استئناف الموسم الكروي، كما فعلت بولندا وهنغاريا والتشيك ودول أخرى في شرق أوروبا بالسير على خطى الألمان، رغم أن المنتج النهائي أو المحتوى، لم يعد بنفس الصورة التي كان عليها في الماضي كما قال ميسي، بمشاهدة مباريات منزوعة الدسم، بلا روح ولا حماس، وهذا أحيانا يصيب المشاهدين بالملل، لافتقار كثير من المباريات، بما في ذلك مواجهات البوندسليغا، للإيقاع السريع، ذاك الإيقاع الذي كانت تفرضه أصوات وأهات المشجعين في المدرجات، لتحفيز اللاعبين وإثارتهم على مدار 90 دقيقة. أما الآن، قلما تتابع مباراة بنسق عالي على مدار شوطين، لغياب المحرك الأول والعنصر الأهم في اللعبة “الجمهور”، وأيضا لتأثر اللاعبين بدنيا بعد التوقف الطويل، رغم كرم رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جاني إنفانتينو، بالسماح للمدربين بإجراء 5 تغييرات في كل مباراة، للتخفيف على اللاعبين في فترة ازدحام جدول المباريات بعد العودة، وحتى لا تكون مفاجأة. بنسبة كبيرة لن يختلف الوضع كثيرا مع عودة الليغا والبريميرليغ والسيريا آ، ولو أنه من الناحية النظرية، من المفترض أن كل ناد سيسعى جاهدا لتحقيق أهدافه وطموحاته التي رسمها لنفسه في نهاية الموسم، خاصة الأندية التي كادت تضل الطريق قبل التوقف الإجباري.

 

صراع الليغا الكلاسيكي

ربما مع تزاحم الأخبار حول الوباء في الشهور والأسابيع الماضية، لم يعد الكثير منا يتذكر شكل المنافسة في الدوريات المؤجلة، أو اختلاف الوضع الآن عما كان قبل الجائحة. ولأن الليغا ستكون في طليعة الدوريات الكبرى التي ستعود تباعا على مدار الأسابيع الثلاثة المقبلة، بإقامة دربي الأندلس بين إشبيلية وريال بيتيس يوم الخميس المقبل على ملعب “رامون سانشيز بيثخوان” في مستهل مؤجلات الجولة الـ28، دعونا نبدأ رحلة العودة إلى الوراء لتنشيط ذاكرتنا بوضع المنافسة وجدول ترتيب أندية الدوري الإسباني قبل ثلاثة شهور، والاختلاف المتوقع بعد استئناف المسابقة. ولو نتذكر آنذاك، كان برشلونة قد استعاد الصدارة سريعا، بفوز معقد على ريال سوسييداد بهدف سجله ليونيل ميسي من علامة الجزاء، وفي اليوم التالي، الأحد الثامن من مارس/ آذار الماضي، انحنى ريال مدريد أمام ريال بيتيس بهدف مقابل اثنين على ملعب “بينتو فيامارين”، وحدث ذلك، في الأسبوع التالي، لاعتلاء الميرينغي الصدارة بانتصار لا يقدر بثمن على البلوغرانا في كلاسيكو “سانتياغو بيرنابيو” بهدفين نظيفين، ليتوقف النشاط والبارسا في مكانه المفضل برصيد 58 نقطة، على بعد نقطتين عن غريمه الأزلي المدريدي، ويأتي خلفهما إشبيلية في المركز الثالث برصيد 47 نقطة، وباقي المقاتلين على المركزين الثالث والرابع، بدءا من ريال سوسييداد صاحب المركز الرابع بنقطة أقل من إشبيلية، وبفارق الأهداف فقط عن خامس الترتيب العام خيتافي، ثم أتلتيكو مدريد في المرتبة السادسة بـ45 نقطة وفالنسيا بـ42 نقطة، ما يعني أن الصراع على مراكز الأبطال سيبقى مشتعلا حتى إطلاق صافرة نهاية الموسم. أما بالنظر إلى متغيرات الصراع على اللقب أو أوجه الاختلاف في وضع الكبيرين الريال والبارسا قبل ثلاثة شهور والآن، سنجد أن كليهما استفاد كثيرا من فترة التوقف. لو نتذكر، كانت كتيبة زيزو تترنح تارة بنتائج وعروض مشرفة، كما حدث أمام أتلتيكو مدريد والبارسا في العام الجديد، وقبل ذلك نجاحه في الظفر بالكأس السوبر بنسختها الرباعية الجديدة، وتارة أخرى بانتكاسات ونتائج غير مقبولة، على غرار ما حدث في ليلة الخروج من كأس الملك على يد ريال سوسييداد في قلب “سانتياغو بيرنابيو” بنتيجة 4-3، وتعادله على نفس الملعب أمام سيلتا فيغو 2-2 في الليغا، وتبعها بهزيمتين في آخر ثلاث جولات أمام ليفانتي وبيتيس، بخلاف الخسارة المحبطة على أرضه أمام مانشستر سيتي بهدف مقابل اثنين في ذهاب دور الـ16 لدوري الأبطال، لذا يمكن القول أن توقف كورونا جاء في توقيت مناسب، ليحصل زيدان على فرصة لالتقاط الأنفاس، ومحاولة التعلم والاستفادة من أخطاء فترة التخبط، والشيء الأهم على الإطلاق، أنه سيستعيد اثنين من أهم أسلحته الهجومية الفتاكة، والإشارة إلى ماركو أسينسيو وإيدين هازارد، وكأن الريال تعاقد مع صفقتين من الطراز العالمي في آخر شهرين في الموسم.

أيضا البطل المفضل لليغا في العقد الماضي لم يكن أفضل حالا من الريال، هو أيضا عانى من مشاكل إدارية وعدم استقرار فني، بعد طرد المدرب الباسكي إرنستو فالفيردي وتعيين كيكي سيتيين في منتصف الموسم، على أمل أن ينجح الأخير في إعادة هوية النادي، باعتباره واحداً من أتباع الفكر “الكرويفي”، الذي يرتكز في الأساس على طريقة “التيكي تاكا”، بنقل الكرة من قدم إلى قدم بتمريرات قصيرة بشكل طولي مع تحركات بدون كرة، إلى أن تصل الكرة بسلاسة إلى المناطق المحظورة في دفاع المنافسين. مع ذلك، لم تشعر جماهير النادي بذاك التغير الجذري في أسلوب ولا شخصية الفريق بعد تولي سيتيين المهمة بدلا من مدرب بلباو الأسبق، فقط ظل ميسي كلمة السر والعلامة الفارقة بالنسبة للفريق الكتالوني في صراعه مع الريال، ولولا تأثيره وأهدافه الحاسمة، لما حافظ البارسا على صدارة الدوري الإسباني، وظهر ذلك بوضوح عندما غاب تأثيره أمام بلباو في ربع نهائي كأس الملك وأيضا أمام نابولي في ذهاب دور الـ16 لدوري الأبطال، لكن من يدري، قد يصب التوقف في مصلحة كيكي سيتيين، وكأن ما حدث فترة إعداد في نهاية الموسم، ليتقرب أكثر من اللاعبين ويكون لديهم الوقت الكافي لاستيعاب وهضم أفكاره المختلفة عن سلفه، بعد معاناته لتطبيق أفكاره في المدة القصيرة التي قضاها مع الفريق قبل تفشي كورونا، ولا ننسى أنه سيتسلح بصفقة أو اثنتين كانا خارج الحسابات لو استكمل الموسم بشكل طبيعي، الأول والمؤكد عودة السفاح لويس سواريز بعد تعافيه من الإصابة، والثاني المرجح عودة ملك الإصابات عثمان ديمبيلي، الذي أجبر النادي على إبرام صفقة طوارئ، بشراء مارتن بريثويت من ليغانيس بعد غلق الميركاتو الشتوي. الشاهد، أن الريال وبرشلونة سيستكملان ما تبقى من الموسم بالقوة الضاربة وبعد التخلص من ضغط ومشاكل فترة تذبذب النتائج والأداء، التي جعلت ميسي يستبعد فوز فريقه بدوري الأبطال إذا استمر على نفس الحال، فهل سيعود البلوغرانا بصورة أكثر إقناعا ويتعامل مع مبارياته الـ11 المتبقية على انتهاء الليغا على أنها مواجهات كؤوس؟ أم سيعطي ريال مدريد الفرصة للانقضاض على الصدارة؟ هذا ما سنعرفه مع عودة الحياة إلى الليغا بداية من الخميس المقبل.

 

انتهاء الكابوس وفرصة ساري الأخيرة

في الأسبوع التالي لعودة الدوري الإسباني، سنكون على موعد مع استكمال الجولات التسع المتبقية على انتهاء البريميرليغ. وكما نتذكر جميعا، كان ليفربول قاب قوسين أو أدنى من إنهاء كسر عقدته مع لقب الدوري الإنكليزي الممتاز الغائب عن خزائن “أنفيلد” منذ ثلاثة عقود وبالتحديد منذ 1990، بالقبض على الصدارة بيد من حديد برصيد 82 نقطة، بفارق 25 نقطة ومباراة أكثر من حامل لقب الموسمين الماضيين مانشستر سيتي، ما يعني أنه كان بحاجة لست نقاط فقط لحسم اللقب بشكل رسمي، وبنسبة تزيد على 90%، سيحتفل يورغن كلوب ورجاله بإنهاء الكابوس بعد جولتين أو ثلاثة من عودة النشاط. فقط سيتبقى الصراع على المركزين الثالث والرابع، لانفراد السيتي بالمركز الثاني برصيد 57 نقطة ومباراة أقل من الثالث ليستر سيتي صاحب الـ53 نقطة، ثم يأتي تشيلسي في المرتبة الرابعة بـ48 نقطة، ويليه كل من مانشستر يونايتد في المركز الخامس بثلاث نقاط أقل، وولفرهامبتون وشيفيلد يونايتد في المركزين السادس والسابع بخمس نقاط أقل، وكليهما لديه مباراة مع أسود غرب لندن، وكذلك سيزرو شيفيلد يونايتد “أولد ترافورد” في الجولة الـ31، لذا سيكون من الصعب بل من المستحيل توقف ما سيحدث في صراع المركز الرابع على وجه الخصوص، بعد اكتمال القوة الضاربة لكل الفرق بتعافي المصابين لفترات طويلة من الإصابات، ولعل أبرز المستفيدين هو مانشستر يونايتد، الذي سيستعيد بول بوغبا وماركوس راشفورد، على أمل استكمال الصحوة التي بدأها الفريق بعد وصول برونو فيرنانديز وأوديون إيغالو في الميركاتو الشتوي.

بينما في إيطاليا، ستكون مهمة كريستيانو رونالدو الأولى هي إبقاء يوفنتوس في الصدارة في الأسابيع الـ12 المتبقية على نهاية موسم الكالتشيو، ليبقى اللقب في “يوفنتوس آرينا” للعام التاسع على التوالي، وأيضا لإنقاذ عنق المدرب ماوريسيو ساري، الذي تعرض لضغوط وانتقادات لاذعة قبل فترة التوقف، لعدم ظهور ملامح مشروعه مع السيدة العجوز، ولا نجاحه في الاستفادة من العناصر المميزة، كما يفعل في جُل المباريات بالبدء باثنين من الثلاثي كريستيانو رونالدو وباولو ديبالا وغونزالو هيغواين، لذلك، ستكون المرحلة القادمة فاصلة في رحلة ساري مع سيدة إيطاليا العجوز، إما أن يفي بوعوده في بداية الموسم بتحقيق المعادلة الصعبة بتقديم أداء جيد مع الانتصارات، أو يبقى الوضع كما هو عليه، حيث يحقق الفريق الانتصارات وكأنه يتسلق جبال هيمالايا، وهذا الأمر قد يعجل برحيله، خاصة إذا خسر المنافسة على لقب الدوري مع لاتسيو، الذي يحتل الوصافة بنقطة أقل من عملاق تورينو، أو الإنتر، الذي يلاحقهما في المركز الثالث بتسع نقاط ومباراة أقل من المتصدر، وفي الغالب لن تخرج المراكز الثلاثة الأولى عن يوفنتوس ولاتسيو والإنتر، بينما ستبقى المنافسة على أشدها بين أتالانتا وروما على المركز الرابع المؤهل للأبطال، باحتلال كتيبة الداهية جانبييرو غاسبريني المركز الرابع بـ48 نقطة، متأخرا بست نقاط ومباراة أكثر من أفاعي أنطونيو كونتي، ومتقدما بثلاث نقاط عن ذئاب العاصمة، وإذا حدثت مفاجأة مدوية، ستكون في عودة نابولي أو ميلان من بعيد، بتواجد فقراء الجنوب في المركز السادس بـ36 نقطة ثم رفاق زلاتان إبراهيموفيتش في المركز السابع بـ35 نقطة، والسؤال الآن: كيف ستسير الأمور ومن سيعود أقوى بعد التوقف والعكس؟ هذا ما سيتضح في المستقبل القريب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية