كان ما سوف يكون

قبل أربعة عشر عاما، وتحديدا في 29 نيسان/أبريل 2006، توقّعت فريد فارغاس كاتبة الروايات البوليسيّة مثل “أعمال [ألعاب] الحبّ والموت” و”ارحل بسرعة، وعد متأخّرا”، والباحثة في المركز الوطني للبحوث العلميّة، ظهور وباء الفيروس التاجي؛ و”فصّلت” آثاره في حياة الناس اليوميّة، والتدابير التي يجب اتّخاذها لوقف انتشاره؛ أي ما تفعله تقريبا أكثر دول العالم اليوم من إلزام مواطنيها بالحجر أو الحصر والتباعد الاجتماعي… كان ذلك في حوار مثير أجراه معها تيري أرديسون. وممّا قالته يومئذ، بنبرة واثقة ونفاذ نظر “لن تكون هناك أقنعة، ستنفد”. وكلمة “قناع” – وهذا استطراد بسيط – هي على ما أرجّح أنمّ وأدلّ من كلمة “كِمامة” أو “الكُمّة”؛ هذه “الأداة” التي تستخدم للوقاية من الغازات أو لتسهيل التنفّس. وهي تعني قديما القلنسوّة، وما يغطّي الرأس واليدين. ويروى عن عمر بن الخطّاب أَنّه رأَى جارية “مُتَكَمْكِمة” أي متكمّمة، وفي رواية أخرى “عليها قناع”؛ فسأَل عنها؛ فقالوا: أَمَةُ آل فلان، فضرَبها بالدِّرّة وقال: “يا لَكْعاء أَتَتشَبَّهِين بالحَرائر؟” وذكروا في هذا السياق أنّ المقصود بالكمامة “المِقنعة” أو القناع، وقالوا هو ما تُقَنِّعُ به المرأَةُ رأْسَها أو تغطّي به محاسنها؛ وكان عندهم من لُبس “الحرائر”.

ممّا قالته فارغاس في هذا الحوار الموثّق، وهي أشبه بعرّافة تستشرف المستقبل؛ أنّه علينا أن نحافظ على استقلاليّتنا، فقد تُسلب منّا حرّيتنا؛ وأن لا نسلّم أمورنا للحاكم وهو الذي سيعجز عن إطعام الناس أثناء المَحجر الصحّي، وتوفير الأقنعة لهم. صحيح أنّنا كنّا نعيش في تلك الأيّام، وما بالعهد من قدم، أزمة أنفلونزا الطيور، ولكن دون خوف أو تشاؤم كما هي حال البشر اليوم. ولا أظنّ أنّ فارغاس وهي الباحثة المتخصّصة في تاريخ الطاعون، والبارعة في تصوير جرائم القتل البيولوجي؛ وهي تتّبعها بأناة، وتتفلاّها ببطء؛ كانت وهي تتكهّن، تسعى في هذا الحوار “القديم” إلى إثارة مخاوف الناس من غير داع؛ أو أنّ هدفها كان “التخويفيّة” على نحو ما تفعل اليوم أنظمة غير قليلة في عالمنا العربي وفي بلاد الغرب نفسه.
يعنيني من حوار فارغاس، وقد لخّصته، مسألتان: أولاهما أنّنا نحن البشر لا نزال نعيش ثورة علميّة، مقارنة بأسلافنا؛ ولا نعرف إلى أين ستفضي بنا. وكان همّ أسلافنا العيش وتحصيل أسبابه قبل كلّ شيء يوما فيوما، وأن يكسبوا رزقهم بأيّة وسيلة. وبعض هذه التقاليد أو أكثرها، ما تزال جارية حتى بالنسبة إلى الميسورين، ومن هم في بحبوحة من العيش. وقد اقتضت منهم ضرورات الحياة مثل الغذاء والوقاية من العوامل المناخيّة ومن الحيوانات المفترسة، والبشر الآخرين، غزو العالم الخارجي. وبسبب من ذلك لم يستشعروا كما يقول ألكسيس كاريل، الحاجة إلى تفحّص أنفسهم، بل لم يكن لديهم متّسع من الوقت لفعل ذلك. كان ذكاؤهم منصبّا على صنع الأسلحة والأدوات وتجويدها، واكتشاف النار، وتربية الماشية وصولا إلى اختراع العجلة وزراعة الحبوب… دون اهتمام يذكر ببنية أجسادهم وعقولهم، وتركيبها أو بأمزجتهم وطبائعها حتى عند العرّاف أو الكاهن القديم الذي كان يتفحّص أمعاء الضحيّة للتنبّؤ بالمستقبل. وربّما كان الأمر في ثقافة الأقدمين، أشبه بحوار صامت بين الإنسانيّ والحيوانيّ، أو بين الإنسان وعالم النبات. وهو على ما يبدو صورة للجسد أو أنّ الجسد صورة منه أو امتداد له؛ فليس ثمّة حدٌّ بينهما أو فاصل، وإنّما “تداخل” بالمطابقة. بل كان علم الفلك أو علم الهيئة عندهم متقدّما مقارنة بالفيسيولوجيا أو علم وظائف الأعضاء.

وعندما كان جاليلي يعيد الأرض إلى موقعها، ويُنزل رتبتها، فمن مركز الكون إلى كوكب متواضع تابع للشمس؛ كان الانسان يجهل تقريبا كلّ شيء، عن بنية دماغه ووظائفه، وعن كبده وعن غدده وخلاياه. وباختصار كان العلم، كما يقول أهل الذكر، يتقدّم مدفوعا بفضول الإنسان، نحو العالم الخارجي، لفكّ ما يعتبره لغز وجوده. وكان هناك في كلّ العصور أفراد موهوبون، لهم من نفاذ البصيرة وقوّة الحدس والخيال الإبداعي، ما جعلهم يكتشفون العلاقات الخفيّة بين الظواهر، وبعض القوانين التي تحكمها؛ الأمر الذي مكّن الإنسان من تطويع المادّة واستغلالها في معيشه وسائر صنائعه. ومن دون خوض في التفاصيل، فإنّ العالم الحديث المصنّع أفضى إلى تحوّلات عميقة شملت كلّ شيء وخاصّة نمط الحياة القديم، وأصبحت أعداد كبيرة من الناس تعيش محصورة في فضاءات محدودة جدّا؛ في ضواحي المدن الكبرى أو على حوافّها. ونتأكّد اليوم أكثر أنّ حضارتنا التي لا نتردّد عادة في نعتها بالحديثة، في وِضْعة غير طبيعيّة أو غير لائقة، بل هي في موقف سيّئ حيث تكاد لا تبين الفروق بين الأنظمة في شرق العالم وغربه، وخاصّة تلك التي تزن بوزنين وتتحيّز وتتغرّض كما هو الشأن في أمريكا الترامبويّة.

صحيح أنّ مردّ ذلك إلى عوامل كثيرة معقّدة، من أبرزها الخيارات السياسيّة ومناويل التنمية؛ والسياسة في أشمل معانيها هي علاقة الفرد بالمجتمع وبالسلطة معا. وهذه الحضارة مهما تكن السياسة هي محصّلة الاكتشافات العلميّة وتبدّلاتها، ورغائب الإنسان ونوازعه. وصحيح أنّها سُخّرت لنا ننتفع بها ونقتدي في مسالك حياتنا، ولكنّها ليست بعد على مستوى أحلامنا. والأمر في السياق الذي أنا به، يرجع إلى العلم، فهو لا يتقدّم في أرض موطّأة كما يقع في الظنّ، أو على مقتضى رسم بياني أو “خطّة” بعبارة ألكسيس كاريل، فـ”رجل العلم عالم قائم بذاته، محكوم بقوانينه الخاصّة”. بل ليس للعلم من نظامه الخاصّ ما يجعله سلطة قائمة بذاتها؛ أو ينأى به عن تقلّبات الدول والمجتمعات. بل هو في نواح غير قليلة، أشبه برمية من غير رام، أو هو ما يحصل صدفة واتّفاقا. ولم يكن من أهداف العلماء وهم أفراد نوابغ وعباقرة، إشباع حاجات الناس وتيسير حياتهم، ولا تسهيل استعبادهم وتسخيرهم والتحكّم فيهم؛ وإنّما كانت هذه من استتباعات العلم ونتائجه. وكثير من الاكتشافات بالمعنى الحديث أي الاختراعات؛ وليس بالمعنى الأصلي “اكتشف الكبش النعجة أي نزا عليها” حصلت عامّة دون تنبّؤ أو تكهّن، بل ربّما كانت من نتائج أخطاء في التقدير أو حالات غير منظورة أو غير متوقّعة. وها هنا أنتقل إلى المسألة الثانية التي تعنيني في حوار فارغاس، فهذه كاتبة وباحثة متمكّنة، كان لها من الحدس والتقدير، ما جعلها تتوقّع ظهور هذه الجائحة التي لا أحد يدري حقّا متى تنقشع.

وهذا ممّا يؤكّد أنّ وظيفة اللغة وبخاصّة في مثل هذه الكتابات أو الحوارات، لا تنحصر في وصف العالم وتسمية أشيائه، ولكن في القيام بأفعال، والتأثير في الواقع. أو لنقل إنّ الملفوظات يمكن أن تكون تقريريّة تصف العالم، وهي إمّا صحيحة أو كاذبة؛ مثلما يمكن أن تكون “إنجازيّة” أي تنجز فعلا؛ فتتحدّد بمفعولها أو صوابها وموافقتها لمراد المتلفّظ من عدمه. والملفوظ الناجح مسعًى هو الذي يتوجّه إلى شخص ما، ويفهمه المتلقّي، بحيث يكون هناك تجاوب بين القول والفعل.

وإذا كان للملفوظ من الملامح والسمات، ما يهدينا في سهولة حينا أو في صعوبة حينا، إلى معرفته والوقوف عليه؛ فإنّ في التلفظ، مهما احتشدنا له، سرّا خفيّ الشأن، يجعله يراوغنا ويفلت منّا، فهو عمل فرديّ فريد؛ وهو من ثمّة “معجز” بطبعه. والمقصود هنا “الخيال العلمي” الذي أساسه هذه المعادلة الزمنيّة التي تجعل المستقبل ماثلا في حضور الماضي حيث يحدّ “مقام التلفّظ” المتكلّم والمخاطب، والظروف والملابسات التي تحفّهما: أنا/أنت/هنا/الآن؛ وما إلى ذلك من سمات النصّ الراجعة إلى المعرفة الحدسيّة أو “الحلميّة” وقد انتظمت في سلسلة من استعارات تحكمها سرديّة مخصوصة، من غاياتها احتواء المخاطب احتواء تامّا والسيطرة عليه، عبر استطلاع الغيب أو التنبؤ بالمستقبل.

والمستقبل، في هذا الضرب من القِصص والحوارات الاستشرافيّة، إنّما يُروى وكأنّه حدث أو وقع، أو أنّ أساسه “كان ما سوف يكون”. إنّ اللجوء إلى الماضي بالمعنى الذي سقته، ممّا يسلبه قيمته الزمنيّة، ويجعل منه مجرّد علامة على “التخيّليّة”. بل إنّ دلالة الفعل الماضي هنا، إنّما هي على الحال والاستقبال معا، مثلما هي على حدوث شيء قبل زمن التكلّم. أو لأقل هي طريقة في ابتعاث المستقبل وتصويره في صورة الذي يحدث في الحال، أو كأنه يحدث الآن في زمن التكلم.

تقول فريد فارغاس في مواجهة استفزاز تيري أردسون، بتواضع الباحث العالم، وهي تصف متحرّجة بعض الشيء، درعها البكتريولوجي: “ستسخر منّي. سيصنع هذا المعطف من مادة بلاستيكية شفافة حتى لا يتم تجريدي من الإنسانية، وأكون مثل غربان الطاعون”. في إشارة إلى أطبّاء الطاعون في القرون الوسطى الذين كانوا يرتدون معاطف سوداء كبيرة ويضعون على وجوههم أقنعة الطيور.

  • كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية