بعيد تصادم شارلوتسفيل، اب/أغسطس2017 بين المحتجين من “التفوقيين البيض” على نقل تمثال لأحد رموز “الكونفدرالية” الاسترقاقية في الحرب الأهلية الأمريكية من مكانه، وبين المحتجين عليهم من المطالبين بهذه الإزاحة، من المنددين بالعنصرية ومن فعاليات أفرو-أمريكية، أتى موقف دونالد ترامب الذي لم يكن مضى عام على انتخابه شاجباً “التطرف من الجانبين”، ومعتبراً ان هناك عناصر جيدة في كل طرف.
أثار موقفه هذا حفيظة الناشطين ضد العنصرية واستياء الأفرو – أمريكيين، فيما كان لافتاً أنه لقي ترحاب المنظمات التفوقية اليمينية المتطرفة. كشف هذا التضاد في ردة الفعل على موقف ترامب هذا كيف انه يمكنك ان تتخذ موقفا” متناصفا” في الظاهر بين جماعتين، فيما هو منحاز تماما إلى واحدة ضد الأخرى.
لكنه أظهر أيضاً أن الانحياز إلى تفوقية البيض يأخذ طريقة خطابية ملتوية، من دون أن ينطلي هذا “التشفير” على أحد، ومن دون أن يتوجب على أحد بذل أي عناء لكشف كلمة سرّه. تشفير نعم، انما على المفضوح.
علام الحاجة إلى التشفير إذاً؟ لماذا لم يقل ترامب يومها انه منحاز إلى التفوقيين البيض، وهو رمز لهم، بل أول رئيس لهم منذ الحرب الأهلية الأمريكية يجدون فيه رمزا اشباعيا لهم، وقال على العكس من ذلك ظاهريا، إنه يجسد “نقطة العقل” بين تطرفين، ويمد يده إلى الأخيار من الجهتين؟
حيلة ترامب
الأمر نفسه، تكرر، ولو في سياق أكثر استفحالا واتساعا مع الاحتجاجات التي عصفت بطول وعرض الولايات المتحدة منذ انتشار شريط اختناق الأفرو – أمريكي جورج فلويد، وهو يئن استرحاما، لجلاده الشرطي الأبيض، بأنه ما عاد باستطاعته التنفس.
بحث ترامب مرة جديدة عن “نقطة العقل” المخادعة تلك. وجدها في التمييز بين احتجاجات سلمية يشجع عليها، على ما زعم، وبين احتجاجات عنيفة وصمها بالإرهاب الداخلي، حاملا على ما عدّه تراخ من حكام بعض الولايات حيالها، غير متورع عن الدعوة لاستخدام العسكر، ومؤججا الدعوة المتواصلة في أقصى اليمين الأمريكي لتحديد العدو الداخلي بأقصى اليسار، للمجموعات الداخلة في نطاق حركة العمل المباشر ضد الفاشية “أنتيفا” لتصبح من ثم التهمة سائبة تجاه أي ديمقراطي بأنه يسهل عمل أنتيفا.
قبل وفاته بسنة، تناول المؤرخ الاجتماعي والاقتصادي الأمريكي ايمانويل والرشتاين موقف ترامب ابان تصادم شارلوتسفيل في فيرجينيا. كان هذا في معرض المقدمة الحوارية للطبعة الجديدة (2018) من كتاب والرشتاين والفيلسوف الفرنسي اتيان باليبار، “العرق، الأمة، الطبقة”، بعد ثلاثين عاما من الطبعة الأولى. أشار والرشتين انه، وبخلاف الماضي، يوم كانت “نظرية العرق” حجر الزاوية لدى العرقيين – العنصريين، فإن عنصريي اليوم ينكرون عنصريتهم بالحاح، ويصطنعون الاندهاش متى وجهت إليهم تهمة العنصرية. ولئن كان من الممكن اعتبار ذلك تراجعاً لفظياً أمام مناهضي العنصرية، إلا ان الفكرة الأهم التي ساقها والرشتاين في مساهماته ضمن الكتاب المشار إليه أساسا، انه طالما هناك نسق له طبيعة هرمية فإن لهذه الهرمية طبيعة عرقية، فالعرقية – العنصرية ليست شيئا آخر غير نظام من الأشياء يسوّغ ان يعيش البعض بشكل أفضل من الآخرين، في المسكن والتربية والمدخول والمكانة الاجتماعية. بالتالي، يمكن للعرقية – العنصرية ان تستمر، وان تستفحل، حتى على قاعدة تحلل “نظرية العرق” نفسها في خطاب هؤلاء العنصريين، بل حتى على قاعدة لعبة إدانة هؤلاء لكل من العنصرية و”عنصرية” الأنتي عنصرية في نفس الوقت.
الطبقي والعرقي: الالتباس والاستقطاب
مثّل كتاب “العرق، الأمة، الطبقة” لوالرشتاين وباليبار (1988) منعطفا هاما في أسلوب تناول الفكر اليساري المعاصر للهويات المتأرجحة والملتبسة والمتقاطعة. لم يتحرجا من تناول مفهوم “العرق”، ما أثار حساسية في أوروبا، وبخاصة في ألمانيا. بخلاف استمرار التداول أمريكيا بمقولة “العرق”، وبخاصة التقسيم الثلاثي “قوقازيون – هسبان – أفرو أمريكيون”، فإن “الريس” سحبت من التداول اللفظي أوروبيا بعد الكارثة النازية المرتبطة بنظرية “العرق الآري / الشمالي”، وأكثر فأكثر بعد الجلاء عن المستعمرات، لتستبدل بحديث الاثنيات، أي بالانتقال من “الانثروبولوجيا الفيزيائية” إلى “الانثروبولوجيا الثقافية”. تركة العبودية، والحرب الأهلية، وحركة الحقوق المدنية، والاختلاف الفيزيولوجي حكما بين اشكالية لون البشرة وبين هوس نظريات العرق العلمية الزائفة في القرنين الماضيين بعظام الجمجمة أو عظمة الأنف، كل هذا فرض على العكس من هذا، حاجة لاستحواذ مفهوم العرق نفسه من قبل المتعرضين لتمييز على أساس عرقي في الولايات المتحدة، مثلما تطورت نظرة معنية بابراز التقاطعية بين ما هوي تمييز على أساس اللون وبين ما هو تمييز على أساس طبقي أو جندري، فحضرت أسئلة من نوع “هل النساء يشكلن طبقة اجتماعية بمعنى من المعاني؟”، بل، “هل السود يشكلون طبقة اجتماعية بمعنى من المعاني؟”. سؤالان شائكان، ومن التسرع افتراض إجابة احادية البعد عليهما، بل محاولة تحديد كيف ومتى وإلى أي حد تأخذ الإشارة إلى الجندر أو إلى العرق / الاثنية طابعا تحديديا طبقيا، فعلياً أو متخيلاً؟
في المقابل، ما انتشر أكثر في الولايات المتحدة هو الحديث عن “طبقة عاملة بيضاء”، هي تلك التي ركز ترامب خطابه عليها منذ صعوده الانتخابي. طبقة عاملة صناعية ليست فقط من البيض، بل أيضا بيض لهم توجّه محافظ اجتماعيا، محبة للعائلة والتدين ورفض الإجهاض ورهاب المثلية.
ليست سهلة مجموعة المفارقات الأمريكية. من جهة، طبقة عاملة صناعية، أقرب ما تكون، على العضم، إلى المشتهى الماركسي من مفهوم الطبقة العاملة. وطبقة ذات تقاليد نقابية راسخة، لكن الميل المحافظ الاجتماعي زاد فيها مع السنين، واقترن بالميل المحافظ سياسيا، مع الشعور بتخلي اليسار الليبرالي عنها، وبنقل الصناعات إلى شرق وجنوب شرق آسيا حيث كلفة اليد العاملة أقل.
في المقابل، تعكيز من جانب اليسار، من جانب الديمقراطيين، على التحالف بين الطبقة الوسطى العليا البيضاء، الفردوية والتقدمية اجتماعيا، وبين كل أنواع الأقليات، وكل ما يمكن إعادة إنتاجه من أقليات، جندرية وعرقية ودينية. يجسد وصول اوباما الاستراتيجية الأخيرة، فيما يجسد ترامب الاستراتيجية الأولى.
مشكلة هذا الاستقطاب ليست فقط في تفجره في الشارع، بل في كل مرة تنذر فيها نتيجة الانتخابات الرئاسية بأن تجيء أكثرية التصويت الشعبي متناقضة مع قاعدة احتساب تصويت “كبار الناخبين”، بحسب الاسلوب الفدرالي في فهم كيفية احتساب نتائج الرئاسيات. هذه، أكثر من أي وقت مضى قنبلة موقوتة.
“مظلومية” العنصرية البيضاء
لا يمثل ترامب في هذا المجال التفوقية البيضاء فقط. يمثل الازدواجية التي تلعبها هذه التفوقية. يشعر التفوقيون البيض منذ سنوات، بل يمكن القول منذ وصول اوباما إلى البيت الأبيض، بأنه “مأكول حقهم”. وهذا لعجب عجاب، لو قورن بما يعانيه الأفرو – أمريكيون، لا سيما أبناء الطبقات الشعبية والمهمشين منهم، من أعمال تمييز واقصاء ومن فظاظة بوليسية متكررة. لكنه شعور التفوقيين البيض: بأن وضعهم تحت المخاطرة، وانه ينبغي رفع درجة الاشتباه تجاه السود والملونين، والطابور الخامس من البيض اليساريين. وعليه، جعل أمريكا عظيمة من جديد لها دلالة تفوقية بيضاء هنا: جعل البيض يتفوقون في أمريكا من جديد، بحجة انه لحق بهم الضيم، أو ان وضعهم مهدّد.
يتقاطع ذلك، مع عودة سردية التفوقية البيضاء، بشكل أو بآخر، على الصعيد العالمي. كما لو ان “صدام الحضارات” قد طويت صفحته بعد القاعدة وداعش، وكما لو ان نكهة الصراع مع الصين حاليا أقرب إلى “صراع أعراق”، منه إلى صراع بين الأمم أو بين الحضارات. خبرنا ذلك مع الصينوفوبيا التي عادت من الأبواب العريضة، على خلفية تفشي الكورونا… هي الجائحة نفسها التي أخذت منحى “عرقيا” في الولايات المتحدة، من خلال التفاوت الاثني – الطبقي الرهيب في توزع الوفيات من كورونا، والنسبة العالية منهم الأفرو – أمريكيين.
العرق بألف روح.. كما الرأسمالية
ينبهنا المفكر الفرنسي بيار اندريه تاغييف في كتابه الصادر قبل عامين “العرق: هل بات كلمة لا لزوم لها؟”، إلى انه وبخلاف اندثار استخدام مصطلح العرق في الثلث الأخير من القرن العشرين، وتصنيف نظريات الانثروبولوجيا الفيزيائية حول العرق على انها نظريات علمية زائفة وعنصرية، فإن مفهوم العرق عاد شيئا فشيئا إلى التداول في العشرين عاما الأخيرة، من بوابة البيولوجيا الوراثية والجينوم، فعالم الوراثيات السكانية كافالي سفورزا استخدمه مجددا، ولم يتردد عن الحديث بالحرف عن “الاختلافات الوراثية بين الأعراق الكبرى”. اجماع عقد السبعينيات على سحب مفهوم العرق من التداول في البيولوجيا لم يعد قائما: يرصد تاغييف انتشار الكلام عن “أعراق إقليمية” لا سيما في مضمار توزع الأمراض الوبائية، وكذلك الحديث عن اختلافات “صيدلانية” بين أدوية مختلفة بحسب الأعراق!
وتاغييف يتخوف من أمرين، لا واحد: بناء الموقف المناهض للعرقية / العنصرية على معطيات علمية لمرحلة خلت، وانزلاق معاودة استخدام مفهوم العرق إلى نوع جديد من “العرقية العلمية” الزائفة، من طبيعة جينية génotypiques، بعد ان كانت “العرقية العلمية” الزائفة الماضية بالمحددات الشكلية phénotypiques .
“العرق” بألف روح. هذا بعد عقود طويلة على انهيار الترسانة العلمية الزائفة لـ”النظرية حول العرق” التي عرفت أوجها بين نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وأمدّت المشاريع الهندسية الاجتماعية والإبادية والاضطهادية بما تيسّر من تسويغ، وتحريض، وخيال جهنمي. مع هذا، وكما أن هزيمة كونفدرالية الجنوب الاسترقاقي في الحرب الأهلية الأمريكية لم تدفع “النظرية إلى العرق” إلى الانمحاء، بل على العكس، عرفت هذه النظرية عمرها الذهبي بعد هذه الحرب داخل وخارج أمريكا، فإن “أشباح العرق” لم تندثر هي الأخرى بعد انفراط عقد العرق ك”نظرية”. وأساساً، لم يكن مفهوم العرق بيولوجيا خالصاً في البدء: زادت بيولوجيته الزائفة بشكل نوعي في أواخر القرن التاسع عشر. فارنست رينان مثلا كان ينظر إلى الأعراق على أنها كانت قائمة بيولوجيا في مرحلة ما قبل التاريخ، وحددت تشكل الذهنيات المختلفة في تلك الفترة، لكنه كان يرى أن الأعراق البيولوجية تمازجت وتحللت، فيما نتاجها، أي تشكيل ذهنيات بالمطلق مختلفة بين البشر هي التي بقيت. وغوبينو، أبرز مروجي نظرية “العرق الآري” في القرن التاسع عشر، كان يتأسف هو الآخر على انه كلما تقدم الزمان، تحللت الأعراق، وان كان من حتمية، فهي الحتمية اللاعرقية بمرور الزمن. إلا انه كان مهجوسا بما يمكن بعد انقاذه من أصالة مزعومة للجنس الآري، أي عرقلة اندثار “الرجل الأبيض” قدر المستطاع. الطفرة البيولوجية الكلية التي شهدها مفهوم العرق أتت لاحقا. وبالتحديد مع الألماني لودفيغ فولتمان (1871-1907). لماذا؟ لأن فولتمان ذهب إلى أنه كما في الزولوجيا، عالم الحيوان، فان التمازج يجعل أعراقا تتحلل وأخرى تصطفى من جديد! النزعة التشاؤمية عند غوبينو كانت تقيه من بلوغ هذا الغلو. كان غوبينو أشبه بمن يبكي على نموذج أسطوري للإنسان الآري التي ستضيعه حضارة الآري نفسه وتغلّبه على باقي الحضارات، مع ضياعه بينها. أما مع فولتمان فاختلف الأمر كليا. هي أعراق تندثر وأعراق تظهر. هذه كانت أخطر فكرة فجرت القرن الماضي.
في مساهمة والرشتاين المار ذكرها، قبل عامين، ما يحاكي، بشكل معاكس، مقولات فولتمان. يلفت والرشتاين إلى ان الرأسمالية في أزمة بنيوية ولا يمكن أن تحافظ على استقرارها لفترة ما بعد الحرب الباردة مباشرة. فاما نظام هرمي على أساس عرقي، أكثر من أي وقت مضى، واما نظام أكثر مساواة من أي وقت مضى. عادة ما يكون التاريخ أوسع من هذه “الإما والاما”.. إلا ان الصينوفوبيا من جهة، والانفجار الحادث داخل أمريكا من جهة ثانية، يرفعان من رصيد “نبوءة” والرشتين الابوكاليبسية هذه قبل رحيله.