أقام د. يوسي بيلين أساس حياته السياسية على فكرة أن الدولة الفلسطينية في كل المناطق التي احتلت في حرب الأيام الستة هي التي ستنقذ دولة إسرائيل من فقدان الأغلبية اليهودية. ولهذا، فقد تساءل في مقاله (“المشكلة الديمغرافية ليست اختراعاً” 2/6)، كيف أؤيد بسط السيادة الإسرائيلية في الغور وفي الكتل الاستيطانية، الأمر الذي سيمنع إقامة دولة فلسطينية. وأنا أيضاً، مثله، أعتقد أن الميزان الديمغرافي بيننا وبين العرب في بلاد إسرائيل الغربية يجب أن يحسم خطوات إسرائيل.
“الموقف الديمغرافي” يضعنا أمام مواقف ما بعد صهيونية، مثل تلك التي تتميز بها مقالات افتتاحيات “هآرتس” مثلاً التي هي موقع بارز لنشرها. ومؤخراً، قيل هناك في محاججة ملتوية وكاذبة بأن قاعدة المبررات الديمغرافية ليست أقل من “الرغبة في الحفاظ على طهارة العرق”. عندما لا يكون هناك ما يقال، يرفعون صوت الشتائم. والمرسل إليه في هذا السباب هناك، كان ذات مرة تسفي هاوزر، المذكور إيجاباً في إحباط عملية الارتباط بـ “المشتركة”.
فإذا كان بيلين برأيهم يريد “الحفاظ على طهارة العرق”، فلماذا لا يزال هو الابن العزيز للدوائر ما بعد الصهيونية، وفي واقع الأمر المناهضة للصهيونية التي يعبر عنها مقال أسرة التحرير؟ الجواب بسيط ظاهراً: زعيم ميرتس الأسبق كان عاملاً مهماً في دفع حركة العمل كلها إلى تبني وتطبيق فكرة وجوب تسوية شؤون البلاد باتفاق تقاسم مع الحركة الوطنية الفلسطينية. نتذكر هذا لبيلين في صباه السياسي ونغفر له المبررات الصهيونية “القديمة”.. يحتمل. ولكن ثمة جواب أحمق.
في واقع الأمر كان. ولأسفي، استمر حتى الآن تعاون بين صهاينة مثل بيلين وصهاينة حمائم آخرين وبين مناهضين للصهيونية مثل محرري مقال الافتتاحي العدائي في “هآرتس”. فالمبررات الديمغرافية لم تكن إلا تضليلاً ذاتياً لصهاينة مخلصين مثل بيلين، وشمعون بيرس، وعاموس عوز، وشركاء آخرين في مواقفهم. فقد قالوا لأنفسهم إنهم يدافعون عن الدولة القومية الديمقراطية لليهود من خلال إقامة دولة فلسطينية في كل الضفة الغربية، بما في ذلك غور الأردن، دولة تحاذي مباشرة العالم العربي في حدود طويلة.
إن الصهاينة من مؤيدي مثل هذه الدولة الفلسطينية قالوا لأنفسهم بأنها لن تسمح لأنسال اللاجئين من 1948 و1967 وكل أنسال المهاجرين الفلسطينيين الآخرين، بالدخول إليها، إليها “فقط” وليس إلى دولة إسرائيل لا سمح الله، وربما أيضاً لمهاجرين عرب غير فلسطينيين أو آخرين، فمثلما في كل دولة، فتكون حينئذ المتحكمة الحصرية بالدخول إليها.
لقد كان هذا تضليلاً ذاتياً عديم المسؤولية. صحيح أن الفلسطينيين لا يتميزون بقدرة استيعاب، وصحيح أن مجتمعهم ليس حجر جذب للمهاجرين، ولكن إسرائيل هي حجر جذب بالفعل. “فلسطين” التي لها حدود مع الأردن وحدود مفتوحة مع إسرائيل –وإغلاقها وهم– يمكن أن تكون محطة لاجئين أو مهاجري عمل في الطريق إلى إسرائيل. وللحركة الوطنية الفلسطينية مصلحة هدامة لأن تضخ أو تسرب مهاجرين عرب وآخرين من محيطنا إلى دولة إسرائيل، وهكذا تذيبها وتدفعها إلى الانهيار.
لقد أشاروا مرات عديدة إلى الخطة، وإحدى المرات البارزة كانت مطالبة عباس بأن يسمح له بجلب لاجئين من سوريا. ويجسد لنا انعدام الاستقرار البنيوي للعالم العربي الخطر الذي استخففنا به سابقاً.
لا يمكن للفلسطينيين أن ينافسوا في عملية بناء أمتهم، وحتى مدينة مثل “روابي” تعد فشلاً مدوياً، وهي تجربة وحيدة، ولكن يمكنهم أن يغرقوا إسرائيل بالمهاجرين من كل الأنواع. نتعامل مع حركة وطنية عديمة القدرة على البناء، ولكنها ذات قدرة هدم لا بأس بها. لا شك أن الحدود مع الأردن التي اقترحها بيلين سيكون لها مجال لتجسيد استراتيجية ديمغرافية هدامة. لو كان بيلين مخلصاً لما يفترضه الموقف المشترك بيننا، لكان شفي من التضليل الذاتي القديم، الذي يواصل الآن حججه ضد السيادة الإسرائيلية على الغور والذي هو شرط حيوي لإحباط الاستراتيجية الديمغرافية الفلسطينية. ولكن بقيت على لسانه حجة ديمغرافية مليئة بالتضارب، من بقايا الفكر السياسي الذي تحطم على صخور الواقع. أما اليوم فهذه الحجة هي أداة لفظية عدمية ومضللة، في خدمة رؤيا مناهضة للصهيونية بعيدة جداً عن بيلين.
بقلم: آفي بار-ايلي
بروفيسور محاضر في جامعة بن غوريون
إسرائيل اليوم 7/6/2020