في المداولات الدائرة حول بسط السيادة، يجدر بنا فحص جملة الاعتبارات لدى المثلث إسرائيل – الأردن – الفلسطينيين، ونتذكر بأن الحركة الوطنية الفلسطينية هي العدو الأخطر للنظام الهاشمي. فالفلسطينيون لا يضربون عيونهم نحو يافا وحيفا فحسب، بل نحو عمان أيضاً. إذا ما قامت دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية، فإنها ستوجه تآمرها قبل كل شيء نحو دولة عربية، يكون معظم سكانها فلسطينيين. إذا ما وعندما تنجح في الإطاحة بالنظام الهاشمي والارتباط بجهات راديكالية عربية وإيرانية في المنطقة سيسهل عليها -بناء على أساس هذه القوة- أن تقاتل بنجاعة أكبر ضد إسرائيل.
من يفترض بأن الفلسطينيين سيكتفون بحياة هادئة في دولة صغيرة ومتخلفة بين جنين وجبل الخليل، يشهد على نفسه بأنه جاهل تام أو مدمن على نحو مريض على التضليل الذاتي. يتعلق جهله بدروس مئة سنة من الثقافة السياسية الفلسطينية، التي تشير إلى تجربة حتمية معاكسة. فالإدمان يتنكر للدرس الواجب من سلوك النصف الثاني من السكان في “فلسطين” – ملايين الغزيين منذ فك الارتباط – الذين يجلبون على أنفسهم وعلى أبنائهم خراباً متواصلاً بعنف منفلت العقال وعديم الجدوى. إذا ما وعندما تتمكن مثل هذه الدولة السيادية من بث نجاح لجهة راديكالية، تشعل خيال الفلسطينيين في الضفتين مرة أخرى، وإذا ما تمكنت من أن ترتبط وتهيج وتدفع إلى التطرف وتسلح الفلسطينيين في الضفة الشرقية أيضاً، فسيكون نظام عمان في خطر. من المتوقع أن تسيطر حماس على هذه الدولة بعد أن يتوقف الجيش والمخابرات الإسرائيلية عن حملتها، وعندها سيكون خطراً فورياً وجسيماً أكبر، في ضوء قوة “الإخوان المسلمين” في الأردن.
جهاز الأمن يعارض السيادة الفلسطينية الكاملة، ويطالب بحرمانهم من السيطرة على المجال الجوي والإلكترومغناطيسي. والإجماع الوطني الواسع يطالب بسيطرة عسكرية على غور الأردن لحماية إسرائيل من العدوان المتوقع من الفلسطينيين. وعلى أساس تجربة متعددة الأجيال مع الأردنيين، ما كانت هذه الوسائل مطلوبة لو عاد النظام الهاشمي إلى الضفة. التهديد ذاته وانعدام الثقة المبرر للفلسطينيين ذاته يوجهان خطى الأردنيين أيضاً. فهم مطالبون بمزيد من الحذر، كون الفلسطينيين يشكلون لهذا النظام خطراً وجودياً. لقد سبق للحركة الوطنية الفلسطينية أن أوقعت على الأردن حرباً أهلية في 1970، بحكم ذات الثقافة السياسية السائبة التي تتميز بها منذ بدايتها. وفي عمان لا يتمنون بثاً معاداً.
إذا كان متفقاً عليه أن الفلسطينيين هم أعداء النظام الهاشمي، فالوضع الحالي هو الأكثر راحة للأردن. السيطرة الإسرائيلية تمنع حماس من أن تسيطر على الضفة، والفاصل الإسرائيلي في غور الأردن يمنع اتصالاً غير مضبوط بينهم وبين الأردن. ومنع السيادة الكاملة عن الفلسطينيين يمنع استعانتهم بقوات أجنبية -إيران، تركيا، ميليشيات شيعية، داعش– وإطلاق الصواريخ من أراضيهم، ولا يوجد تهديد من سيطرتهم في المجال الجوي والإلكترومغناطيسي. لقد أثبت الفلسطينيون ميلهم إلى أن يجعلوا من كل شيء سلاحاً، بما في ذلك الطائرات الورقية وحتى واقيات الرجال (بعض من “البالونات” التي تحمل عبوات حارقة هي واقيات رجال منفوخة بالهيليوم). للأردنيين مصلحة في سيطرة إسرائيلية دائمة في غور الأردن، مع أو من دون سيادة.
إن قلقاً أردنياً حقيقياً ومهماً من الوضع القائم ومما قد ينشأ عنه لجدير ببحث مركب. فالحديث يدور عن تخوف تدفع فيه إسرائيل بالسكان الفلسطينيين نحو الضفة الشرقية، بشكل يقيم للفلسطينيين هناك وطناً بديلاً، ما يعني تصفية النظام الهاشمي. ولهذا التخوف أساس، إذ ليس موشيه دايان وارئيل شارون وحدهما اللذان أيدا هذا الفهم وحاولا العمل عليه في عهد الحرب الأهلية في الأردن في 1970 وحرب لبنان الأولى في 1982؛ بل إن دوائر مهمة في اليمين، الساعية إلى ضم يهودا والسامرة لإسرائيل، تأمل في خلق ظروف تشجع الهجرة الجماعية شرقاً.
غير أن هذا الفهم دحر في العقود الأخيرة إلى هوامش التيار المركزي في إسرائيل، وحتى في اليمين ضعف مركزه مما كان في عهد وزيري الدفاع المسيطرين في حينه اللذين ذكرناهما آنفاً. فلن يكون للفلسطينيين ممن سكنوا في الأغلبية العظمى من الضفة سبب مضاعف للهجرة منها، حتى عندما تكون إسرائيل هي السيطرة على الغور، ويمكنهم أن يقيموا علاقاتهم مع العالم العربي عبر أريحا، طالما لا يعرضون إسرائيل أو الأردن للخطر. وهنا أيضاً فارق هائل بين بسط السيادة على كل المستوطنات وبسطها على غور الأردن. بسطها على كل المستوطنات لا تعرض إسرائيل وحدها للخطر، بل والأردن أيضاً. أما في الغور فالوضع مختلف من أساسه.
بقلم: دان شيفتن
إسرائيل اليوم 9/6/2020