الأسد يتنفس من الرئة الروسية ويتغذى عبر السوق السوداء

حسام محمد
حجم الخط
0

قانون قيصر “كابوس” ينتظر النظام

في السابع عشر من حزيران/يونيو الجاري، يدخل “قانون قيصر” لمعاقبة النظام السوري والدول والجهات والأفراد حيز التنفيذ، ليصبح ذلك التاريخ مفصليا في الحياة السورية التي تشهد منذ أيام انتفاضات شعبية وعودة للتظاهرات المناهضة لرئيس النظام بشار الأسد ضمن المناطق الخاضعة لسيطرته، جراء تدهور الأوضاع المعيشية وانهيار العملة المحلية الليرة، أمام العملات الأجنبية.

تعرض النظام السوري خلال السنوات الماضية لسلسلة من العقوبات الدولية، إلا أن روسيا وإيران وبعض الدول العربية قدمت كل ما في جعبتها لانقاذ الأسد وتعويم سلطته فوق الدمار والتهجير، فأطالت تلك الإجراءات من أمد الأزمة في البلاد من دون استقرار سلطة النظام رغم استعادته السيطرة على مساحات كبيرة من الجغرافية السورية، ليأتي قانون قيصر “وهو قانون مخصص من قبل من الحزبين في الكونغرس الأمريكي لحماية المدنيين في سوريا، كما يستهدف الأفراد والشركات الذين يقدمون التمويل أو المساعدة للأسد ونظامه”.

منظمة الطوارئ السورية، وهي الجهة الأمريكية التي تعتبر المساهمة والمشرفة في ملف قانون قيصر، قال مديرها التنفيذي معاذ مصطفى لـ “القدس العربي”: “قانون قيصر سيبدأ تطبيق أولى بنوده في 17 من شهر حزيران/يونيو الجاري، حيث سيتم تطبيق القانون بشكل تدريجي، وليس كحزمة عقوبات شاملة في دفعة واحدة، وسيكون هناك خطاب من قبل مسؤول رفيع المستوى في الولايات المتحدة الأمريكية للحديث عن هدف قانون قيصر الذي سيطبق على المدى الطويل”.

إيران وروسيا

العقوبات، وفق مصطفى، ستفرض على مجرمي الحرب وداعميهم، وتستثني أي حراك إنساني و”دواء، غذاء” بما في ذلك النظام السوري، كما يأمر القانون بزيادة الدعم الإنساني إلى سوريا، والبند الآخر يأمر بدعم كل الجهات العاملة على محاكمة بشار الأسد وأعوانه ممن شاركوا في الانتهاكات وجرائم الحرب.

كذلك ستشمل العقوبات وضمن صياغة القانون كلا من إيران وروسيا والنظام بطبيعة الحال بما فيه من جيش وأفرع أمنية، وتصل العقوبات إلى حزب الله والميليشيات الأجنبية بما فيها فاغنر الروسية، وإلى أي مقاتل دخل سوريا لمساندة الأسد وبقية الحلف الداعم له.

تغيير سلوك الأسد

القانون يتناغم وينسجم وفق ما قاله مدير وحدة تحليل السياسات في مركز الحوار السوري محمد نذير سالم، مع المناخ الإقليمي وسياسة الإدارة الأمريكية الحالية بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني وفرض العقوبات على المحور الإيراني عموماً.

كما يمكن للقانون، أن يكون له أثر سلبي كبير على النظام السوري، ما قد يدفع الداعم الروسي له للضغط على النظام بشكل أكثر جدية للوصول إلى مخرج تفاوضي بناء على حل سياسي.

ويرى سالم في تصريحات أدلى لـ “القدس العربي” أن النظام السوري اليوم بحاجة كبيرة لدعم حليفه الروسي، وهو غالباً الأمر المعول عليه كآلية لإحداث تأثير ما للقانون والضغط في تغيير سلوك النظام، مستبعدا أن النظام السوري هو من النوع الذي يغير سلوكه بمثل هذه العقوبات بدون الضغط الروسي.

الاقتصاد والقدرة المالية

شهدت الليرة السورية انهيارات متتالية قبيل بدء تطبيق قانون قيصر، حيث وصلت قيمة العملة المحلية إلى مستويات منخفضة لم تشهدها من قبل، بعد أن سجلت ما يزيد عن 3300 ليرة للدولار الواحد، الأمر الذي أدى لعجز في القدرة المالية على الشراء، وهو ما نتج عنه احتجاجات في السويداء جنوب غربي البلاد ومناطق أخرى.

من جانبها، سارعت المعارضة السورية إلى تفادي الانهيار الكبير للعملة المحلية، حيث شرعت الحكومة المؤقتة شمالي البلاد إلى استبدال الليرة السورية بالتركية، فيما سارعت الحكومة التركية إلى ضخ مبالغ نقدية كبيرة في الشمال السوري.

ولطالما أنّ قانون قيصر، يستهدف تقييم دور البنك المركزي الخاضع لسيطرة النظام السوري والذي يعتمد عليه الأخير في تمويل الحرب، فإنّ العقوبات سوف تطال من وجهة نظر تحليلية للباحث في مركز “جسور” للدراسات عبد وهاب عاصي، حركة النقد العام في سوريا، وبالتالي تقييد أو عرقلة تعامل الجهات الدولية معه، وهذا سينعكس بالضرورة سلباً على سعر صرف الليرة ويزيد من انهيارها على نحو مضاعف.

كما يُفترض أن يتأثّر اقتصاد الحرب والموازي أيضاً عبر استهداف أنشطة الأشخاص والكيانات التي يثبت تعاملها مع النظام السوري أو لصالحه، وهذا يعني تقويض شبكة المحسوبية الاقتصادية وقدرتها على تقديم الدعم المالي، أي توسيع قائمة العقوبات التي بدأتها الولايات المتّحدة قبل أعوام وسد الثغرات التي كانت تعتريها.

أمّا فيما يخص القطاع العسكري، فإنّ القانون يهدف إلى تقويض قدرة المؤسسات الأمنية الدولية مثل فاغنر وغيرها على تقديم الدعم للنظام السوري، وكذلك الشركات العسكرية التي توفّر الإمدادات اللوجستية له ولحلفائه، بحيث يصبح غير قادر على الاستمرار بخيار الحسم العسكري خصوصاً مع الصعوبة البالغة التي يواجهها في تأمين الوقود للآليات العسكرية.

وعبورا نحو القطاع الحكومي، يقول الباحث عبد الوهاب عاصي لـ “القدس العربي”: القانون يستهدف بشكل أو بآخر قدرة النظام السوري على الاستجابة للاتفاقيات المبرمة مع الشركات الأجنبية في مختلف القطاعات الحكومية الاقتصادية والعسكرية والاتصالات والبناء وغيرها، بحيث تصبح الشركات غير قادرة على تقديم استشارات هندسية أو الشروع بالتنفيذ.

صحيح أنّ الآثار التي قد يلقيها قانون قيصر على بنية عمل النظام السوري يُفترض أن تكون بالغة وعميقة، إلّا أن تحقيقها يحتاج إلى مدة زمنية طويلة، ولا يعني ذلك أيضاً عدم قدرة النظام وحلفائه على الاستمرار بأنشطتهم، أو إسقاطه اقتصادياً أو سياسياً، لكن قد يدفع القانون حلفاء النظام السوري والكيانات والأفراد المرتبطة معه لإعادة النظر من جدوى الاستمرار طويلاً في حال أخفقت الجهود الدبلوماسية والعسكرية في توطيد بقائه.

 

الملف العسكري أولوية

 

لا ينحصر التأثير الذي سيخلفه قانون قيصر على الوضع الاقتصادي للنظام السوري فحسب بل سيكون له تأثير على جميع المفاصل والملفات الحيوية في البلاد، ومن أبرزها الملف العسكري، حيث سيؤثر القانون على الإمدادات العسكرية من الذخائر والأسلحة المتنوعة التي هو في حاجتها، فلا يوجد لدى جيش النظام السوري مصانع لتصنيع الأسلحة ولا للذخائر الثقيلة وينحصر إنتاجه على الذخائر الناعمة كذخيرة البنادق والمسدسات.

وحتى على مستوى الذخائر الناعمة يرى القيادي في المعارضة السورية المسلحة، العقيد فاتح حسون، أن النظام يفتقر إلى المواد الأولية الخاصة بإنتاجها، ولن يبقى أمامه سوى التعامل مع هذا الملف إلا عن طريق السوق السوداء الذي سيفتح أبوابه بشكل أكبر بمساعدة الحلفاء تهربا من المسؤولية.

تجاوزات متوقعة

 

وقال المصدر العسكري لـ “القدس العربي”: حتى هذه اللحظة لا يزال النظام السوري تأتيه المعونات العسكرية بشكل منتظم سواء من روسيا عبر طائرات اليوشن التي تحط بشكل مستمر في حميميم أو من خلال الخط المباشر مع حزب الله في لبنان أو من خلال الخط الإيراني العراقي.

كما من المتوقع مشاهدة تجاوزات في الأيام التي تلي القانون وأبرز المتجاوزين هي روسيا بحجة أمنها القومي وحماية مصالحها في المنطقة. فقاعدة حميميم تعتبرها موسكو أرضا روسية، وصراحة لا أعلم كيف سيكون التعاطي مع هذه النقطة بالذات، والتي تشبه إلى حد بعيد مسمار جحا الذي سيكون متنفسا للنظام من ناحية الملف العسكري، وهذا ما يحتاج لتركيز أمريكي.

كما أن حاجة النظام لدفع رواتب موظفيه في جيشه وميليشياته سيصعبها قانون قيصر، وسيجعل هؤلاء غالبا يعانون من انقطاعها، ويحاولون إيجاد مصادر دخل خارجها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية