بين الهوية والمجهول و”غيتو أريحا”: أهل الغور أدرى بمصيرهم

حجم الخط
0

“جيوب”، “دولة فلسطينية”، “منطقة مخصصة للضم”، هذه جزء من الأقوال التي تُطلق في الهواء عبر النقاش الصاخب حول الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضفة الغربية. هذا النقاش يجري في الأساس بين الحكومة ورؤساء المستوطنين الذين يعارضون إقامة دولة فلسطينية وتحويل 15 مستوطنة إلى جيوب فيها. ولكن لا أحد يتطرق إلى الجيوب الأخرى الغائبة عن خريطة ترامب، وهي القرى الفلسطينية التي توجد على الأرض والمخصصة لاسرائيل بعد الضم، ومستقبلها الغامض.

في غور الأردن يظهر للسكان الفلسطينيين أن الجميع يريدون الأرض التي يعيشون عليها، لكن لا أحد يريدهم. مؤخراً يتساءلون حول مصيرهم، يتبادلون فيما بينهم عبر “واتس آب” صور الخرائط والتضاريس ويحاولون التكهن هل هم “في الداخل أم في الخارج”. المقصود بـ “الداخل” هو المنطقة الفلسطينية، والمقصود بـ “الخارج” أنهم سيضمَّون إلى إسرائيل في موعد غير واضح. “هل من المعقول أن لا أحد يقول ما الذي سيحدث لنا إذا حدث الضم؟”، قال خالد (40 سنة) من قرية الجفتلك، وهو يشرب قهوته قرب شارع 90 عابر الغور. القرية التي يعيش فيها إلى جانب أكثر من 10 قرى في الغور، توجد في المنطقة التي يتوقع أن تكون مضمومة لإسرائيل. “نحن في ظلام مطبق. وهذا هو الأسوأ”، أضاف.

حسب تقرير نشره الدكتور شاؤول اريئيلي، الشهر الماضي، الخبير في النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، فإن خريطة خطة ترامب تضم لإسرائيل 43 قرية، يعيش فيها نحو 106 آلاف فلسطيني. و11 قرية من هذه القرى توجد في الغور، ويعيش فيها 11 ألف فلسطيني. وبالنسبة لمكانتهم فإن رئيس الحكومة نتنياهو قال في مقابلة أجراها مؤخراً مع صحيفة “إسرائيل اليوم” بأنهم لن يحصلوا على الجنسية الإسرائيلية، بل سيبقون “رعايا فلسطينيين”. ولكن لم يتضح بعد إذا كان هذا الأمر سيحدث حقاً.

في قرية فصايل التي هي أيضاً في المنطقة المخصصة للضم، يعيش تقريباً ألف شخص، معظمهم يعملون في مستوطنة “تومار” القريبة. في ساحة البيت بالقرية تجلس آمنة وباسم سواركة ويناقشان أبعاد الضم. “إذا حصلنا على أجور مثل الإسرائيليين ومخصصات تقاعد وبطاقة هوية زرقاء، فهذا جيد”، عدت آمنة الأفضليات المحتملة. وباسم يعمل سبع ساعات يومياً في الزراعة في مستوطنة “تومار”، ويحصل على 110 شواقل في المقابل. “عندها يجب علينا دفع الأرنونا وثمن الكهرباء، مثلما في اسرائيل”، رد عليها. “وماذا بشأن بيوتنا؟ هم من الآن يقومون بهدم البيوت طوال الوقت. وإذا قامت اسرائيل بضمنا فسيطلبون منا الأرنونا، وسيهدمون بيتناً”، حذر. وشخص آخر من القرية، عنان بني عودة، الذي يعمل في الحدائق في “تومار”، قدر بأن غلاء المعيشة في إسرائيل سيبتلع الزيادة في الأجور.

وقد انضم حمدان، من قرية الجفتلك، إلى الادعاءات بشأن الصعوبات الاقتصادية، الذي يبيع القهوة في مفترق طرق شارع 90 طوال اليوم، من الساعة الخامسة صباحاً حتى السابعة مساء، ويكسب حوالي 100 شيكل. “في غور الأردن الإسرائيلي يكسب بقدر أربعة فلسطينيين”، قال. حمدان وأصدقاؤه الذين يجلسون معه في المقهى يضحكون من احتمالية أن تمنح إسرائيل الجنسية لسكان المنطقة. “هم يريدون التخلص حتى من عرب 1948، فهل سيضيفون إليهم المزيد من العرب؟”، قال أحدهم.

قرية الجفتلك تحكي أيضاً قصة أخرى سائدة في قرى الغور الفلسطينية، رغم أنها إحدى القرى التي صادقت إسرائيل لها على خطة هيكلية، هكذا تمت تسوية مكانة عدد من البيوت، وهي خطة لا تترك أي مساحة للتطوير المستقبلي، لذلك، لا يمكن لسكانها مواصلة البناء، ويعانون من عمليات الهدم المتكررة. وهذا السبب الذي اضطر سالم، أحد سكان القرية، للعيش في خيمة مصنوعة من الأغطية البلاستيكية مع أولاده الـ 17.

عمليات الهدم لا تحدث فقط في الجفتلك. وحسب معطيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “اوتشا”، فمنذ بداية 2020 هدمت اسرائيل 16 بيتاً مأهولاً في الغور، و47 بيتاً غير مأهول وبنى تحتية ومنشآت زراعية في المنطقة. ورغم أن هدم البيوت لا يخلق العناوين في الصحف، إلا أنه يقلق السكان أكثر من الضم. “الاكتظاظ داخل القرية يزداد بسبب عدم السماح لنا بتوسيعها”، قال بسام الذي يعيش في قرية فصايل مع زوجتين و14 ولداً في بيت صغير. “بعد عشر سنوات سيكون لي أحفاد، وهذا لن يكون بيتاً بل مخيماً صغيراً للاجئين”، أضاف، وقال بأنه سيكون مسروراً إذا غير الضم هذا الوضع. “في نهاية المطاف، نريد أن نكون سعداء. وإذا كان الضم مفيداً لنا فسنكون معه، وإذا كان شراً فنحن ضده”.

       بدون كهرباء ومياه

رشيد خضري، أحد سكان قرية برْدَلة المخصصة للضم، يعتقد أن عدم مبالاة سكان الغور الفلسطينيين بالنسبة للضم، تنبع من قلة الإدراك. “هناك أناس كثيرون فقدوا الأمل، وليس هناك أحد يقدر الحلول لهم، سواء من السلطة أو من إسرائيل”، قال. “نحن نعيش تحت الاحتلال. وفي الغور هذا بالأساس يظهر من خلال هدم البيوت والسيطرة على موارد المياه”.

خضري، الناشط في منظمة “تضامن غور الأردن” التي تعنى بحقوق الفلسطينيين في المنطقة، قال إن إسرائيل هدمت خلال السنين آبار مياه في أرجاء الغور، ولم تسمح بتطوير مستقل للبنى التحتية للمياه، حيث اضطر كثير من الفلسطينيين إلى نقل المياه من مناطق “أ” و “ب” بتكلفة عالية. وحسب معطيات نقلتها الإدارة المدنية إلى جمعية حقوق المواطن، فقد صدرت في الأعوام 2010 – 2016 أوامر ضد 13 عملية حفر للفلسطينيين عن آبار المياه في الغور، هذا في الوقت الذي تجري فيه معظم حفريات استخراج المياه الإسرائيلية بالضفة الغربية في الغور. والسحب الزائد، حسب الفلسطينيين، يجفف آبارهم.

الحل الوحيد لهذا الأمر، قال خضري، هو دولة فلسطينية. “لم يحاول أي شخص في إسرائيل أن يدفع قدماً بهذا الحل في السنوات العشر الأخيرة. فماذا يتوقعون منا نحن الفلسطينيين، أن نعود مرة أخرى إلى المفاوضات؟ نحن بحاجة إلى دولة خاصة بنا وإلى انتخابات”.

الظروف الصعبة التي يصفها خضري هي ظروف مشتركة لجميع سكان المنطقة. في نهاية شارع “ألون” بالغور، يعيش فتحي ضراغمة (62 سنة) من تجمع البدو بعين الحلوة، في خيمة مصنوعة من الأغطية البلاستيكية والأعمدة من دون ربط بالكهرباء والمياه. هو وأولاده العشرة يأخذون الأغنام والأبقار إلى المرعى يومياً. وحسب الأمم المتحدة، فقد تم إخلاء 60 شخصاً من هذا التجمع من بيوتهم في العام 2016. وفي 2017 أصدرت الإدارة المدنية أوامر إخلاء لـ 300 من سكان هذا التجمع من المنطقة التي أعلنت كمنطقة عسكرية، لكن بعد استئناف، تم الإعلان بأنه انتهت فترة سريان الأمر وأن الدولة لا تنوي تمديده.

إذا كان خطر الإخلاء لا يحلق فوقهم الآن، فإن منطقة رعي ضراغمة آخذة في التقلص على مر السنين، حيث يقوم المستوطنون بطرده من المنطقة بذريعة أنها منطقتهم. “حتى عندما أبتعد وأذهب للرعي في منطقة أخرى يقولون لي: هذا ليس مكانك، اذهب من هنا”، قال. أما الشرطة فتقوم بإبعاده عن المكان وليس المستوطنين. والآن نشطاء من منظمة تعايش الإسرائيلية يرافقونه إلى المرعى. ولكنهم لم يعملوا في فترة كورونا. وقال ضراغمة إن محاولة طرده من قبل المستوطنين ازدادت شدة.

وعن الضم قال بسخرية إنه سمع عنه في التلفاز. “لماذا يحتاجون إلى أن ينظر العالم إليهم؟”، سأل، “إسرائيل تأخذ أرضنا، والمستوطنون يفلحون الأراضي الفلسطينية على ضفة نهر الأردن، ولا أحد يقول لهم شيئاً”. ضراغمة متشائم من إمكانية حصول سكان المنطقة على بطاقات الهوية الزرقاء، ويخاف أن يقوموا بإخلائه أو إقامة جدار بينه وبين المنطقة التي يتوقع أن تكون من أراضي الدولة الفلسطينية. “ابني وأنا نعيش في قرية تياسير، لماذا أحتاج إلى تصريح حتى أزوره”.

على طول الشارع يمكننا رؤية فلسطينيين يبيعون في محلاتهم. وفي قرية العوجا يتم بيع الفقوس والخروش الذي يشبه الخيار الآن، والبطيخ أيضاً. وهذه مزروعات انتقل إليها سكان المنطقة لأنها أكثر توفيراً للمياه.

القرية معروفة بفضل النبع الذي ينبع من خلف بيوتها. في الصيف عندما ترتفع درجة الحرارة يأتي الفلسطينيون والمستوطنون إلى النبع، حيث يستمتعون هناك. في الأسبوع الماضي جاء عشرات الشباب الفلسطينيين بهدف العمل في الزراعة داخل المستوطنات، وجاءوا إلى النبع للاستمتاع بهذه المياه. والد أحدهم طرح موقفه من الضم: “كان على إسرائيل أن تمنح الجميع هنا الجنسية قبل ثلاثين سنة وإنهاء هذا الأمر”، قال، وأضاف: “ترعرعتُ مع الاسرائيليين، لكن الوضع المؤقت الذي لا توجد لنا فيه حقوق، ويقوم الجنود بقتل الشباب الفلسطينيين المعوقين، سيؤدي إلى الانفجار”.

إضافة إلى التداعيات على سكان الغور، غير المعروفة بالكامل، سيكون لضم المنطقة أيضاً تداعيات بعيدة المدى على جميع الضفة الغربية. “غور الأردن هو المنطقة الزراعية الأكبر في الضفة، وهو المنطقة التي تضم أكبر قدر من المياه الجوفية. لذلك، هي حاسمة لإمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقبلية القابلة للحياة”، شرح أسامة علواق، أحد سكان أريحا والعضو في حركة “محاربون من أجل السلام”. “الغور هو الحدود الوحيدة للضفة مع دولة أخرى ومنفذ الفلسطينيين الوحيد إلى العالم. وإذا تم ضمه فإن أي خروج من الضفة سيكون بحاجة إلى المرور بإسرائيل”.

المدينة الفلسطينية الأكبر في الغور، أريحا، يعيش فيها 20 ألف نسمة تقريباً، حسب الإحصاء الفلسطيني عام 2017. وفي حين أن المدينة نفسها غير معدة للضم في خريطة ترامب، فإن ضم باقي الغور سيكون له تأثير حاسم عليها. “ستتحول أريحا إلى غيتو وستموت اقتصادياً عندما تُحاط بإسرائيل من كل الجهات”، قال علواق. وحسب قوله، سيؤدي الضم أيضاً الى خسارة معظم مصادر مياه أريحا. في محيط المدينة هناك خمسة ينابيع، أربعة منها تقع تحت سيطرة إسرائيل. وقال إن البيت لا يحصل على المياه سوى نصف يوم طوال الصيف، يقوم فيه بملء الخزانات لباقي الوقت.

“عندما وقعنا على أوسلو تصالحنا على 22 في المئة من أرض وطننا التاريخية، وتنازلنا عن حلمنا. ومنذ ذلك الحين بقيت هذه المساحة آخذة في التقلص”، قال علواق. “إذا اقتبسنا جون كنيدي، فإنه لا يمكن إجراء مفاوضات مع من يقول: إن ما لي هو لي، وكل ما لديك قابل للتفاوض”.

بقلمهجار شيزاف

 هآرتس 14/6/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية