في الخمسين

في قاعة الانتظار رجل خمسيني ينتظر دوره في موعده الأول مع طبيب النفس. يدخن سيجارتَهُ غير عابئ بعلامات المنع. طلبت الكاتبة منه بكل لُطف أن يُطفئ سيجارته.. اعتذرَ لها وأطفأها. نظر إليها فنظرت في أوراقها، وفي جدول المواعيد وفي ساعتها التي لا تتحرك عقاربها.. رأى فيها وجها نسائيا ككل الوجوه النسائية، لبست خواتم الزواج والخطبة وحركت شعرها حركة من ينزعج من وجوه تراقبها. تأمل في وجوه الحاضرين، لم يرتح لأي وجه منها كان يراها ككل الوجوه العادية لا توحي بشيء.
في الخمسين إن لم تكن غبيا تستطيع أن تقرأ بسهولة رسائل على الوجوه مشفرة، أو غير مشفرة. في الخمسين وأنت تقرأ الوجوه لا يعنيك كثيرا أن تجد في الوجوه ظلالا للحب: تأخرَ وقتُ الاحتفالِ بوجوده، وما يزال وقت الاحتفال بوداعه.
يمكن وأنت في الخمسين أن تسمع أيضا جملة: ( أنا أحبك). بيد أنها قد تصبح جملة بلا معنى على قهوة بحرية هجرها كل شيء إلا الصدأُ الظاهر على الكراسي.. الصدأ لا يصيب الكراسي فقط، بل يمكن أن ينتقل إلى الجالسين عليها. يمكن وأنت في الخمسين أن تتخلص من تصريف الفعل أحبك مع المفرد ستقول: أحبكم.. وتخفي دمعة… أحبكم تقولها وأنت تتكئ على عمود كهرباء قديم، وأمامك مجموعة فوانيس تضيء لك الدوّار.. وتلوح بأياد لا تفهم أهي علامات وداع أو علامات لقاء.. الحب في الخمسين لا يسبق لا بنظرة ولا ببسمة، ولا بعيون قاتلة.. فقط هو شرابٌ يحتاج إليه مع دواء السكري وضغط الدم وتصلب الزمن.
احتاج أن يدخن فخرج إلى حديقة كانت مهملة، وأشعل السيجارة وراح يتأمل الدخان تلاعبه الريح وتشتته. من الغرب ريح الخريف جاءت تدفع سحبا ركامية.. تكون هذه السحب عنيفة، وربما أغلقت عليه كل المنافذ وهو في طريق العودة.. أنت تضطر وأنت في الخمسين أن تعبد بساقيك طرقات مرات ومرات.. حتى يأتي يوم تقودك ساقاك فيه إلى مكان جديد.. وأنت في الخمسين يمكن أن تضيع في مدينتك وتنسى شوارعك القديمة، ووجوهك القديمة.. فقط حين ترى وجْها ملائكيا يذكرك بموطنك الأصلي: صباك الذي كانت ذاكرتك فيه ترضع من النسيان.
رست سيارة رباعية الدفع أمام العيادة، ودخل رجل ستيني تكهن الخمسيني أنه الطبيب.. رمقه الستيني بعين مستغربة: كيف يخرج مريض من قاعة الانتظار إلى الحديقة ويمشي بين الأشجار المصقولة جيدا؟ دخل من ظن أنه طبيب بسرعة وعاد من هو مريض إلى قاعة الانتظار.. تأكد أنه الطبيب حين لم يجده في قاعة الانتظار.
في الخارج تتعالى أصوات الباعة في سوق الخضر والأسماك، ويصل إليه صوت بائع السمك واضحا (يا سمكُ يَا أنت.. كنت حيا ومَازلتَ) أعاد بينه وبين نفسه: يا سَمكًا يا أنت.. وظلت الجملة تتردد في صداه الباطن حتى تذكر تتمتها: كنت حيا ومَازلتَ. في هذه اللحظة شعر بأن الكلامَ مفيد.. لماذا ينتظر الطبيب هنا، والطبيب في الخارج يخاطب الأسماك بلغة مثقلة روحا مليئة حبورا.. اقترب من النافذة أكثر استمع إلى صوت بائع السمك، أكثر وضوحا.. أراد أن يطلع على السمك ليرى هذا الرهط المحظوظ بالنداء. نادى نفسه: يا رجلا يا أنت…. لكن نفسه لم تسمع نداءه ولم تستجب.. أعاد النداء: يا رجلا يا أنت.. لكن لا شيء في نفسه الباطنة لبى النداء.. تساءل: أيكون جوهري الباطن قد مات مثل تلك السمكة؟ يا رجلا يا أنت.. أعادها مرات.. ومرات فلم يسمع.

في العيادة كتب الطبيب في تفصيل اللقاء الأول من حالة نداء كلاما ملغزا لم يفهمه السارد. سيقتص السارد منه لأنه أخفى أصل الداء، وجعله مرتبطا بأحوال النداء.

هل جُعل النداء كي ننادي به الآخرين.. يبدو أن الأمر كذلك فعلا.. ننادي كي يقبل المنادى بشخصه، يتتبع مصدر الصوت حتى يراه.. بعض الخمسينيين مولعون بالتحليل والتنكيل على الناس بطول الكلام.. لذلك قال الخمسيني في نفسه: حين أنادي ذاتي بلا صوت، فإن المشكلة ليست في تقطيع النداء حتى أسمعه، المشكلة في أن المنادى لا يلبي النداء.
عاد إلى الحديقة، وظل ينادي يا رجلا يا أنت.. فلم يصحُ شيء، ولا أحس بأن هناك من يستجيب.. في الخمسين يمكن أن يصيب الصمم أذنك الباطنة لأنها لم تنادَ مِنْ زمان بعيد.. للآذان أبواب إن أوصدت كانت كأبواب خشب توصد في الصيد، فيمنعها البلل من أن تفتح في أول الشتاء وآخر الربيع.. تنتظر أن تجف أخشابها فتعود إلى الفتح من جديد. تساءل الخمسيني: لمَ تحرم اللغة على الإنسان أن ينادي نفسه بأدوات النداء، التي خلقتها اللغة للتصويت، لكن المسافات بين النفس المنادية والنفس المنادى عليها هي التي تتجاهل شيفرات أصوات النداء…
أمام طبيب النفوس جلس الخمسيني ينتظر سؤال الطبيب كي يجيب.. اللعنة كيف لي أن أنتقل من هاجس النداء الذي لا يعمل عمله، إلى استفهام قد لا أفهم كنهه. قال الطبيب: هل تريد أن تفتح النافذة.. وقبل أن يجيب: قال: لك ذلك.
غاب صوت بائع السمك وعاد صوت جديد: يا فجلا أحمرَ يا أنت… لماذا تحمر وجنتاك كلما عشقت؟ قال الطبيب: أأنت متزوج؟ قال: وهل يفيد السؤال من يبحث عن نداءٍ لذاته كي تقترب.. جلس الطبيب يتأمل حالة هذا الذي يسأل شيئا لم يقنعه لأول مرة.. عاد ينـــــادي من جــديد: يا رجلا يا أنت.. يا طفلا صغيرا يا أنت.. حين غير المنادَى شعر بأن الروح استيقظت على صوت بكاء صبي ما زال يتعثر في مشيه يريد أن يمسك بيد بعيدة بعد السماء عن رضيع يحبو..
غادر الخمسيني القاعة بدون إذن، لكنه دفع معلوم الزيارة.. نظر إلى وجه السكرتيرة كان مليئا بالمعنى.. قال لها الحمد لله أنْ صرت كالقمر.. ابتسمت وما فهمت.. سجل الطبيب على دفتره اسم مريض الصدفة: سماه: حَالة نداء. قصد الخمسينيي مصدر الأصوات.. منبع النداء.. قرر أن يشتري السمكة ويشتري الفجل.. في كل شيء في هذا السوق ينام طفل لم يرَ الدنيا برمزيتها.. طفل يريد أن يصيح: لبيك أيها السمك… صار يسمع بائع السمك جيدا، أكثر وضوحا وصار يسمع بائع الفجل أكثر وضوحا..
في البيت رجع الخمسيني ميتا من الجوع.. نظّف السمكة ووضع توابلها، لكنه وضعها في المقلاة وما نسي أن يناديها: عاد الصوت كما كان غير مسموع توارى خلف الطفل مواطن جائع يريد أن يأكل بعد جوع الصباح.. الفجلة أيضا باعت صوتها لحركة السكين.. كل الأصوات تلاشت أمام جبروت الجوع.
في العيادة كتب الطبيب في تفصيل اللقاء الأول من حالة نداء كلاما ملغزا لم يفهمه السارد. سيقتص السارد منه لأنه أخفى أصل الداء، وجعله مرتبطا بأحوال النداء.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية