المحكي والسري في «الحكاية والتأويل» لعبد الفتاح كيليطو

سلمى العطي
حجم الخط
0

يُعد الكاتب المغربي عبد الفتاح كيليطو من أبرز أعلام النقد الحديث، إذ أثرى مدونة النقد الأدبي بمؤلفات اهتمت بالسرد والحكاية في الأدب العربي الكلاسيكي، ومن بين هذه المؤلفات كتاب الحكاية والتأويل: دراسات في السرد العربي، وقد صدر هذا الكتاب عن دار توبقال للنشر سنة 1988 ويتألف من ستة أقسام. يتناول الكاتب في كل قسم منها أنموذجا من الأدب العربي القديم. واهتم الكاتب بالمنثور أساسا رغم إشارته إلى المنظوم في بعض النصوص. وتتمثل هذه الأقسام في: «الجرجاني والقصة الأصلية»، «الصياد والعفريت»، «زعموا أن»، «أبي العبر والسمكة»، «أبي سهل والجمل»، و»ابن خلدون والمرآة».
ويسعى المؤلف في كل جزء من هذه الأجزاء إلى إماطة اللثام عن بعض أسرار الكتاب المُنتخب، وهي كتب مرجعية في الثقافة العربية الإسلامية، فجل المختارات من أمهات الكتب العربية، مثل كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني و»مصنف ألف ليلة وليلة» و»أسرار البلاغة» لعبد القاهر الجرجاني، وهي فضلا عن ذلك متنوعة في طبيعتها، إذ نرصد الكتاب الإخباري والبلاغي وأدب الرحلة والترجمة. فهذا البحث إذن مشتمل على أنماط مختلفة من الخطاب. ولئن اختلفت الكتب في طبيعتها، فإنها تضمر ائتلافا في جوهرها، إذ تشترك هذه المختارات في مقولة السر، فكلها تتضمن أسرارا سعى المؤلف إلى كشفها. وقد أشار كيليطو في بداية الكتاب إلى أن القارئ المُعتمِد على منهج، كالمشاء الحامل لمصباح يُنير به ديجور النص، فيقول في هذا السياق ”هكذا يتحول الدارس إلى مخلوق عجيب، إلى مشاء يقتحم الليل وفي يده سراج يستنير به ”، ففي النص إذن دروب مظلمة تحتاج إلى قارئ ينيرها، وأسرار عميقة تنادي الدارس ليكشف حجبها، كما تنادي حوريات البحر في أسطور أوليس البحارة، بصوت يغريهم ويغويهم، والسر في اللغة كما جاء في «لسان العرب» لابن منظور هو «ما أَخْفَيْتَ»، وللنصوص المختارة خفايا سعى كيليطو إلى إظهارها وإيضاحها، من خلال قراءة جديدة تبحث في البنى العميقة للنص، وبواطن الفواعل ونواياها أحيانا.
ولبلوغ هذا الغرض المنشود، درس المؤلف مثلا قصة «الصياد والعفريت»، وهي من حكايات ألف ليلة وليلة، واعتبر أنها قصة مستفزة لأنها ملغزة في جوانب عديدة منها، وتُضمر أكثر مما تظهر، فتجعل المطلع عليها في حيرة متقدة يتساءل عن ألغازها. وقصة «الصياد والعفريت» كما قدمها المؤلف، تبدأ في الليلة الثالثة وتنتهي في الليلة التاسعة، ويكمن مغزاها في أن الضعيف قادر على غلبة القوي، بفضل ملكة العقل والحكمة واستعمال الحيلة. وهذه الحكاية حسب كيليطو حبلى بالأسرار، وتدفع في نظره القارئ، وإن كان ”ساذجا” كما وصفه إلى التساؤل عنها، ومن بين الأسئلة التي اقترحها كيليطو: لماذا للصياد ثلاثة أولاد؟ لماذا يرمي الشبكة أربع مرات؟ وما سبب مكوث العفريت في القمقم ألفا وثلاثمئة سنة تحديدا؟ كما رصد في هذا الأنموذج تشابها بين السؤال الذي طرحه الصياد على العفريت، وسؤال سفنكس لأوديب، فهما لغزان، والألغاز في رأيه لعبة خطيرة في الحكايات الشعبية، وتوصل في نهاية القراءة إلى أن في الحكاية سرا يجعلها محببة للصغار والكبار، وهو تلك النظرة المتفائلة للعلاقات البينذاتية، التي قد تتحول بفضل الإقناع ورجاحة العقل من الانفصال إلى الاتصال.
ومن مدونة السرد الكلاسيكي أيضا، انتقى الباحث نص كليلة ودمنة لعبد الله بن المقفع، كاشفا عن بعض خفاياه، ومجيبا عن بعض إشكالياته، وأبرزها عبارة زعموا أن، وهي بمثابة طقس نصي يتكرر في الحكايات، واعتبر أن استعمالها يُحيل على السلف، الذين يمتلكون أسبقية تاريخية، وحجب أسمائهم فعل قصدي، لأنهم مصدر الحكمة المطلقة ” المقبلة من الماضي” كما نعتها، فهي لا تُحد بأشخاص أو زمن.
وتنتمي الفواعل المختارة في كتاب كيليطو إلى سجلات تاريخية وإبستمية متنوعة، فبعضها كائنات من ورق وصروح من خيال، وبعضها الآخر شخصيات تاريخية وجدت فعلا كشخصية أبي سهل القرشي الذي ورد ذكره في كتاب «التشوف لرجال التصوف» لابن الزيات، وهو من أصحاب الكرامات، الذين لم يخصص لهم الكاتب حيزا نصيا كبيرا، بيد أن علاقته بالسر مميزة، إذ يحرص على أن تبقى كراماته مخفية سرية، ولا يريد أن يكون موضوع سرد، ولعل ذلك راجع إلى أن الظهور يقصم الظهور.
تُبين هذه النماذج أن كتاب عبد الفتاح كيليطو، في وجه من وجوهه، بحث في سر الحكاية وسحرها، وقد اختار المؤلف عنوانا لكتابه الحكاية والتأويل، والتأويل كما فسره أبو الهلال العسكري في الفروق اللغوية مختلف عن التفسير فهو ”استخراج معنى الكلام لا على ظاهره”، وقد استخرج كيليطو المعاني المخفية من حكايات تبدو جلية وسلك دروبا سرية، فلئن قال جاك دريدا الآخر هو سر، لأنه آخر، فإن كيليطو يعتبر أن في الحكاية سرا لأنها حكاية.
كاتبة من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية