فيلم المخرج الهوليودي سبايك لي الجديد يتحوَّل إلى ساحة نقاش في المجتمع الأمريكي

حسام عاصي
حجم الخط
0

لوس أنجليس – «القدس العربي»: عندما منحت شبكة «نتفليكس» المخرج المخضرم سبايك لي الضوء الأخضر لصنع فيلمه الأخير، «دا 5 بلودز»، لم تتوقع أن يتحول إلى محور نقاش في المجتمع الأمريكي.
الفيلم يحكي قصة مجموعة من الجنود القدامى، يعودون الى فيتنام للبحث عن رفات قائد فرقتهم الذي قتل في الحرب هناك نهاية ستينيات القرن الماضي، وعن كنز من ذهب دفنوه في الغابات هناك. قصة «دا 5 بلودز» لا تختلف عن نظيراتها في أفلام آنفة كفيلم ديفيد أو راسل «ثلاثة ملوك» (1999)، الذي يروي قصة مجموعة جنود أمريكيين، انطلقوا نهاية حرب الخليج الأولى للبحث عن كنز من الذهب في العراق، أو فيلم جون هيوستون «كنز سييرا مادري» (1948)، الذي ينقلب فيه أصدقاء على بعضهم البعض بعد اكتشافهم كنزاً من الذهب.
في البداية، كانت شخصيات الرواية من البيض تحت عنوان «الجولة الأخيرة»، وكان مقرراً أن يخرج الفيلم أوليفر ستون. وعندما تنحى ستون، اقتنصه لي، ليس رغبة في طرح قصة جنود يبحثون عن الذهب، بل أراد من خلاله أن يسبر تجربة الجنود السود في فيتنام، فغير شخصياته الى سود وجعل من الذهب استعارة لحرمان السود من ثراء الولايات المتحدة، إذ وجده الجنود على متن طائرة للاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» سقطت في الغابات، بينما كانت في طريقها لمنحه لمقاتلين فيتناميين يعملون لحسابها. فشعر الجنود السود أن الذهب من حقهم لأنهم لم يتلقوا أي تعويض عن تضحياتهم للولايات المتحدة منذ تأسيسها.
كما أن لي، المعروف بنشاطه الاجتماعي والسياسي، مزج قصة الفيلم الخيالية بمقتطفات وثائقية، متنقلاً بين أحداث حقبة ترامب الحالية وأحداث الستينيات في الولايات المتحدة ومقارباً تجربة شخصياته في كلا الزمنين.
تلك المقاربة تشير الى أن وضع السود في الولايات المتحدة لم يتغير منذ الستينيات، فهم ما زالوا يعانون من التمييز العنصري ويناضلون من أجل المساواة، ومظاهراتهم في الشوارع هذه الأيام تستحضر مظاهراتهم في تلك الفترة.

هل تحسن وضع السود؟

لكن في حديث مع لي الأسبوع الماضي، أقر أن هناك تحسناً فعلياُ في وضع السود الأمريكيين، لكنه ليس كافياً، ولن يحدث بالشكل المطلوب بدون تعيين الأشخاص المناسبين في المناصب السياسية وإصلاح المدارس والحضانات وحتى السجون. «لا يمكننا أن نعود الى حالة ما قبل فيروس كورونا». يقول لي، الذي استخدم مقاربة الحاضر بالماضي لتسليط الضوء على قضايا مجتمعة في العديد من أفلامه.
أشهرها كان فيلمه الثاني، إفعل الشيء الصواب، عام 1989، الذي طرح فيه ظاهرة قتل الشرطة للشباب السود في الولايات المتحدة. ومع أن تلك الظاهرة ما زالت شائعة هناك، يصر لي على أن الأفلام تساعد في تغيير الواقع إذا كانت فنا عظيما.
فعلا إنتاج «دا 5 بلودز» يدل على حدوث تغيير ملموس في هوليوود، فهو أول فيلم عن تجربة الجنود السود في حرب فيتنام، التي تناولتها هوليوود في العديد من أفلامها طوال العقود الخمسة الأخيرة مثل «القيامة الآن» و«فصيلة» و«فول ميتال جاكيت» و«ولد في الرابع من يوليو»، وكان أبطالها دائماً من البيض، مع أن نسبة الجنود السود بلغت ثلاثة وعشرين في المئة في ذروة تلك الحرب عام 1965.
كما أن تحديات الجنود السود كانت تختلف عن تحديات الجنود البيض، فهم كانوا يضحون بحياتهم من أجل نظام يمارس التمييز العنصري ضدهم في الجيش ويقمع أهلهم في الوطن، حيث كانوا يناضلون من أجل المساواة.
لهذا كانت الإذاعة الفيتنامية تحاول تحريضهم ضد الولايات المتحدة وتحثهم على العودة إلى بلدهم ودعم شعبهم في نضاله ضد النظام العنصري، بدلاً من المشاركة في حرب أمريكية عنصرية ضد شعب آخر.
حتى بعد اغتيال زعيمهم مارتين لوثر كينغ عام 1968، الذي أثار غضبهم، وأصابهم بالإحباط، لم يستجيبوا لدعاية الفيتناميين.
«لأن تلك كانت الوظيفة التي كانوا هناك للقيام بها، وهي أن يحاربوا»، يقول بطل الفيلم، ديلروي ليندو. «لو فكرت بالأمر تجد أنه زج بهم في وضع انفصامي للغاية. أفترض أنهم كانوا يعرفون في صميمهم أن ما قالته الإذاعة الفيتنامية كان صحيحاً. لكن كان هناك عمل يجب القيام به محبة للوطن. وذلك ربما أدّى إلى قدر كبير من مداواة الذات في فيتنام ليخدّر المرء نفسه كي لا يضطر إلى التفكير بوضوح في واقع معاشه».
ذالك الواقع عاشه الجنود السود خلال خدمتهم في كل حروب الولايات المتحدة، منذ حرب الاستقلال، عندما كانوا عبيداً، ومرورا بالحرب الأهلية وحروب الهنود الحمر وحرب المكسيك، والحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الكورية. فكانوا دائماً يواجهون التمييز العنصري وممارسات التعذيب في الجيش ويمنعون من الاحتفال بالانتصارات مع الجنود البيض ويتعرضون للاعتداء والقتل من قبل الحركات العنصرية بعد عودتهم من الحرب. ومع ذلك تطوع الكثير منهم للخدمة في حرب فيتنام، رغم مناهضة زعيمهم مارتين لوثر كينغ لها ورفض بطلهم الملاكم محمد علي الخدمة فيها، معللا أن دينه الإسلامي لا يسمح له بقتل من لم يعتد عليه.
«في البداية كانوا يخدمون في الجيش آملين أن ينالوا حريتهم»، يعلق لي، الذي كان في الرابعة من العمر عندما اشتعلت حرب فيتنام. «ولاحقاً فعلوا ذلك ليحصلوا على حقوقهم الكاملة كمواطنين أمريكيين. لقد شعر الكثير من الجنود السود أن محاربتهم من أجل هذه البلاد ستثبت لأمريكا أنهم أمريكيون وأنهم يستحقون، كغيرهم، أن ينالوا حقوقهم. ولكن الوضع لا يزال كما كان عليه. أنا شخصيا كنت سأرفض الخدمة في فيتنام».
مع أن تضحيات الجنود السود فاقت تضحيات الجنود البيض في جميع الحروب الأمريكية إلا أنهم لم يمنحوا مناصب قيادية وكانوا يخدمون في فرق خاصة بهم منفصلة عن فرق الجنود البيض، تحت قيادة ضباط من البيض، حتى بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أعلن الرئيس ترومان عن إلغاء الفصل العنصري في الجيش الأمريكي. لكن ذلك لم يغير كثيراً على أرض الواقع، ففي حرب فيتنام، التي وصلت نسبة ضحاياهم فيها خمسة وعشرين في المئة، لم يصل إلا خمسة في المئة منهم إلى رتبة ضابط. وقد انعكس ذلك التمييز العنصري أيضا في المجتمع الذي عادوا إليه بعد الحرب.
«جنود فيتنام، مثل شخصيتي بول، يعودون إلى مجتمع يرفضهم ويستمر بمعاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة»، يوضح ديلروي. «أنت ذهبت وقدمت مساهمة محبة بالوطن، ثم تعود لكي تبرح ضربا وتواجه الازدراء بك ورفضك. ذلك يخلق إحساسا بالحرمان وشعوراً بأنك لست جزءا من المجتمع وأنه لا قيمة تذكر لك».

تضحيات السود أكبر من البيض في أمريكا

حالة اليأس والإحباط التي أصابت الجنود السود، دفعت بعضهم مثل بول، المريض بداء اضطراب ما بعد الصدمة، إلى تبني خيارات يائسة، كدعم دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، رغم أن الكثير من الأمريكيين السود يعتبرونه عنصريا.
«يتعلق الأمر بالخيانات والخسائر التي تكبدها بول والتي تكللت بشعور عميق بالانسلاخ والحرمان»، يفسر ديلروي. «لذا عندما جاء هذا الشخص (ترامب) وقال، يمكنني أن أحسن الوضع، كان على بول أن يصدق ذلك، ولهذا السبب صوّت له عام 2016».
لكن بجانب الظلم والتمييز العنصري، هناك أيضا الكثير من النجاحات اللامعة في مجتمع السود. فواحد من جنودهم الذين شاركوا في حرب فيتنام، وهو كولين باول، ارتقى أعلى مراتب الجيش الأمريكي عندما تولى قيادته عام 1989، ثم منصب وزير الدفاع عام 2000 في فترة رئاسة جورج بوش الابن الأولى. بينما شغل الرئيس باراك أوباما منصب قائد القوات الأمريكية الأعلى لمدة ثمانية أعوام خلال فترتي رئاسته.
يعزو ديلروي تلك الإزدواجية إلى تطور الحياة والإنسانية ونضال الأفارقة مع تقدم الزمن. «نحن كأفارقة جزء من مسيرة الحياة. وصول كولين باول وباراك أوباما الى القمة في ميادين عملهما كان نتيجة الطبيعة التي يتعذر كبتها والطبيعة البشرية للسكان المتحدرين من أصل أفريقي، التي تجعلنا نتقدم ونعيش وننضج ونتطور حتى في مواجهة الانتهاكات التي واجهناها عبر التاريخ».
لكن لي ليس راضيا عن التقدم الذي حققه أبناء مجتمعه، ويصر على مواصلة النضال. «كان لدينا رئيس أمريكي سود لمدة ثمانية أعوام، ولقد دفنا للتو أخانا فلويد البارحة. هذا مد وجزر. خطوة إلى الأمام وخطوتان الى الوراء».
كان من المقرر أن يقام العرض الأول للفيلم في مهرجان كانّ السينمائي هذا العام وأن يترأس لي لجنة التحكيم، ليصبح أول أسود يحقق ذلك. ورغم أن تفشي وباء كورونا تسبب في إلغاء المهرجان وتأجيل إنجاز لي إلى العام المقبل، إلا أن مقتل جورج فلويد على يد شرطي أبيض الشهر الماضي، جعل الفيلم محط اهتمام الإعلام والجماهير على حد سواء. وذلك لأنه يستحضر أحداثا من تاريخ الولايات المتحدة القريب تعكس حاضرها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية