عندما تكتب وسائل الإعلام بصورة جافة عن “بدء استئناف المحادثات” هذا الأسبوع، سواء دار الحديث عن اتفاقات سلام أو حل الأزمة في سوريا أو محادثات لجنة الضم، فالقصد هو رمز متفق عليه: ما زال الاختلاف في المواقف عميقاً، والفجوة كبيرة، واحتمال التوصل إلى حل متفق عليه معدوم. يسري هذا التقرير في هذا الأسبوع على تلك المحادثات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول سد النهضة الذي تقيمه إثيوبيا على النيل الأزرق، وهو سد يعتبر بالنسبة لمصر تهديداً أمنياً وطنياً، وتهديداً وجودياً.
اندلع النزاع بين مصر وإثيوبيا في 2011 عندما قررت إثيوبيا بناء السد ووضع حجر الأساس له. توقعت مصر بخوف في حينه من أن السد الذي تكلفته 5 مليارات دولار سيسرق منها النصيب التاريخي الذي يبلغ 55 مليار متر مكعب من المياه تحصل عليها من النيل الذي يمر من إثيوبيا إلى السودان وهناك يتحد مع النيل الأبيض ويواصل الطريق على طول مصر.
منذ ذلك الحين، حاولت الأطراف إجراء نقاشات، غير ناجحة، من أجل التوصل إلى تسوية حول توزيع المياه. وقد طرحت في النقاشات أيضاً تهديدات بهجوم عسكري مصري على إثيوبيا إذا لم تتوقف عن بناء السد. وعند استكمال نحو 70 في المئة من أعمال بناء السد، وقبل انتهاء إقامته، ازدادت ضغوط ومخاوف مصر التي جندت إلى جانبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي وافق على التوسط بين الطرفين بصفته خبيراً معروفاً في “فن عقد الصفقات”.
في شباط الماضي، صدر صوت ضعيف من واشنطن على هيئة وزير المالية ستيف ملوتشن، الذي أعلن بأن الطرفين قد توصلا إلى اتفاق حول المرحلة الأولى لملء السد. غضبت إثيوبيا من الإعلان لأنه -حسب رأيها- لم يتم التوصل إلى أي اتفاق، في حين أن واشنطن تهددها بعدم التجرؤ على ملء حوض السد قبل التوصل إلى اتفاق. هذا التهديد اعتبر وبجدية من قبل إثيوبيا موقفاً أحادي الجانب من قبل الولايات المتحدة المؤيد لمصر. وهي تطلب التوصل إلى اتفاق على المراحل القادمة وعلى توزيع المياه فيما بعد.
مصر تطلب أن يستمر ملء السد خلال 12 – 20 سنة. وإثيوبيا مصممة على أن يتم ملء السد خلال 5 – 7 سنوات، وإلا فلن تستطيع توفير كمية الكهرباء التي تحتاجها والتي سيزودها بها السد. إثيوبيا تقول إن مياه النيل الأزرق تقع تحت سيادتها، ولا يمكن لأي طرف أن يملي عليها كيفية استغلالها. ومصر تطلب أن توافق إثيوبيا على المناقشة والموافقة على الطريقة التي توزع فيها المياه في سنوات الجفاف وفي حالة حدوث جفاف لبضع سنوات متواصلة. وما زالت الخيارات الثلاثة التي وضعت على طاولة النقاش حول توزيع المياه غير مقبولة على جميع الأطراف، وما زالت المسافة بين المواقف كبيرة.
مسألة السد هي الموضوع الرئيسي الذي تركز عليه مصر وبحق. حياة عشرات ملايين الناس الذين يعيشون ويرتزقون على طول النيل مرتبطة بتوفير كمية المياه الضرورية لمزروعاتهم والشرب والصناعة. الأهمية المقدرة للأضرار التي ستلحق بمصر نتيجة تقليص كمية المياه هي أن مصر قد تفقد 1.8 مليون فدان، وحدة قياس عثمانية، من الأراضي الزراعية من بين 8.5 مليون فدان مفلوحة الآن. وستضطر مصر التي تستورد الآن نحو 50 في المئة من إجمالي منتجات الحبوب إلى زيادة الاستيراد بصورة كبيرة، والدفع بالعملة الصعبة من احتياطي العملة الصعبة لديها. إضافة إلى ذلك، فإن حصة المياه المتوسطة للمواطن التي تبلغ الآن 600 متر مكعب في السنة، ستنخفض إلى مستوى ستعتبر فيه مصر دولة تعاني من فقر المياه. وتخشى مصر أيضاً من أن 1.2 مليون مكان عمل في الزراعة ستختفي. وستقفز نسبة البطالة إلى مستوى خطير. أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي لمواطني مصر بأنه لن تنقصهم المياه، وأن الحكومة ستستثمر في منشآت التحلية، لكن هذه المنشآت التي ستعمل على مصادر طاقة تقليدية ستكلف أكثر من ثمن المياه، التي هي الآن ثمينة بنحو 300 في المئة مما كانت عليه في 2014.
للرئيس السيسي أيضاً عدد من المشاكل الفورية على جدول الأعمال. المشكلة الأولى هي تقليص الضرر الذي تسبب به وباء كورونا، الذي -حسب تقدير رجال اقتصاد في مصرت ألحق بالدولة خسارة 6.5 مليار دولار حتى الآن. وقلص توقع النمو إلى 4 في المئة مقابل نمو 5.9 في 2019. وزادت نسبة البطالة وأضافت عدة ملايين من المواطنين إلى دائرة البطالة.
قبل تفشي كورونا، ظهرت مصر كمن وضعت قدمها على مسار النمو السليم. وقد حظيت بالثناء الكبير من مؤسسات دولية على الإصلاحات التي قامت بها منذ 2016؛ مشاريع ضخمة، جزء منها زائد ومبذر، خلقت آلاف أماكن العمل الجديدة؛ فائض العملة الصعبة لديها بلغ مستوى معقولاً؛ وللمرة الأولى، أنشأت مصر صندوق استثمار وطنياً هدفه الاستثمار في الصناعة والبنى التحتية، وبهذا تشجع المستثمرين الأجانب أيضاً.
بفضل المقاربة الإيجابية تجاه مصر، فقد نجحت في الحصول على قرض طوارئ بمبلغ 2.77 مليار دولار من صندوق النقد الدولي لمواجهة وباء كورونا، وفي هذا الشهر وقعت على اتفاق آخر لقرض يبلغ 5.5 مليار دولار. ولكن هذه مبالغ ستضطر مصر إلى سدادها، وستحمل على الدين القومي لها الآخذ في الزيادة وستأتي على حساب ميزانيات التطوير وستطيل الطريق نحو الوصول إلى النمو.
بقلم: تسفي برئيل