بنغازي – «القدس العربي»: أكد المواطن «ن .ع» من مدينة بنغازي في اتصال هاتفي مع «القدس العربي» مقتل قريبه الشيخ محمد الزهاوي أمير تنظيم «أنصار الشريعة» في مدينة بنغازي ودفنه في مدينة سرت. وكان الزهاوي خاض في الأشهر الأخيرة معارك ضارية ضد قوات الجيش الليبي المكلفة من رئاسة الأركان أسفرت في حينها – قبل أن يستعيد الجيش زمام المبادرة بالهجوم – عن سيطرة مجلس شورى بنغازي «تنظيم الشريعة والدروع «على معظم ثكنات الجيش، ما دفع الزهاوي إلى الظهور في عديد الصور والفيديوهات أمام المعسكرات التي سيطر عليها، رفقة وسام بن حميد آمر درع 1 وهو من قادة الثوار الميدانيين ليكون ذلك مؤشراً على تحالف جديد بين تنظيم «أنصار الشريعة» (متشددين إسلاميين) والدروع المقاتلين من الثوار.
وكانت أنباء تواردت في الفترة الأخيرة أكدت مقتل الشيخ الزهاوي في مواجهات مع قوات الجيش الليبي في محيط منـــطقة بنــينة التي شهدت معارك طاحنة بين الجــانبــين أدت إلى نزوح جميع سكان المنطقة إضافة إلى تدمير المطار المدني الوحيد الواقع في قلب المنطقة.
ولم تستطع هذه الأخبار أن تصمد وقتاً طويلاً بعد أخبار أخرى عززها عدم ظهور الزهاوي منذ فترة طويلة أكدت مقتل الشيخ ليس على يد قوات عملية الكرامة بقيادة اللواء خليفة حفتر، إنما على يد من هم أقرب إليه في الرؤية والتوجه ومن كان كثيرون يحسبونه عليهم ومن تنظيمهم. وهو تنظيم «مجلس شورى شباب درنة» المتشدد دينيا والذي يسيطر على واحدة من أكبر المدن الليبية ويمنع بقوة السلاح أي وجود عسكري أو شرطي يمثل الحكومة الليبية ويمنع الناس من ممارسة أي عملية سياسية. وقد أعلن درنة إمارة إسلامية وأعلن مبايعته لعبد القادر البغدادي أمير ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية.
منح الشيخ الزهاوي ظهره مطمئناً لحلفائه التقليديين من المتشددين الإسلاميين في مدينة درنة، عدّهم ذخراً وسنداً له وجنوداً في خندق واحد ضد قوات «الطاغوت حفتر» الذي كان يتوقع أن يقتل على أيديهم لو قدر له الموت.
لم يتوقع الشيخ الذي بدأ حياته عازفاً على الإيقاع في الفرق الشعبية والذي تحول فيما بعد إلى «أمير « تنظيم متشدد لا يمكن أن تتعزز إمارته إلا بقطع رؤوس جنود وضباط الطاغوت . وتكفير الدولة الليبية علانية و إنكار للديمقراطية باعتبارها رجساً من عمل الشيطان ورفض القوانين الوضعية باعتبارها تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية .
لم يتوقع أمير «أنصار الشريعة» في بنغازي أن يكون قتله بالطريقة نفسها التي يطبقها تنظيمه على الجنود والضباط من الجيش الليبي وأجهزة الأمن والشرطة. لم يتوقع الزهاوي وهو في ذروة نشوته بطرد قوات «الطاغوت حفتر» أن يكون مصيره الذبح وفصل رأسه عن جسده تماماً بالآلية نفسها وربما بالمبرر نفسه الذي صوّغ له ذبح العشرات ممن يحاربون مع قوات الجيش الليبي.
وتقول الأنباء الأخيرة المعززة من أكثر من طرف أن وفداً من «كتيبة البتار» التابعة لتنظيم «مجلس شورى شباب درنة « شرق ليبيا 400 كم شرق مدينة بنغازي قد التقى الشيخ محمد الزهاوي في مزرعة في منطقة القوارشة المدخل الغربي التي يسيطر عليها تنظيم أنصار الشريعة بقيادة الشيخ وعرض عليه مبايعة أمير تنظيم الدولة الإسلامية أبوبكر البغدادي الذي أعلن خلافة إسلامية في الموصل، لكنه رفض تلك المبايعة فقرروا إقامة الحد عليه «حد الردة» وقطع رأسه. وتقول مصادر مقربة من الزهاوي أنه قابل الموقف بصلابة ورباطة جأش وطلب منهم أن يصلي ركعتين فرفضوا قائلين له إنك مرتد وصلاتك غير مقبولة. ولم يقم التنظيم حتى صياغة هذا التقرير بنعي الشيخ الزهاوي رسميا وإن كانت أنباء تواردت عن تكليف خليفة له يدعى البرناوي في إمارة التنظيم.
ويرى مراقبون أن مقتل أمير «أنصار الشريعة» في بنغازي كان بمثابة ضربة قاصمة للتنظيم انعكست على نتائج المواجهات العسكرية على الأرض بعد أن سجّل قبل شهر واحد مجلس شورى ثوار بنغازي انتصارات نوعية على قوات الجيش الليبي .
وفي سياق قراءة واقع المواجهات الطاحنة التي تشهدها مدينة بنغازي فإن واحدا من قادة الدروع بل من مؤسسيها هو وسام بن حميد قد غاب هو أيضاً عن ساحة المعارك منذ توارد الأنباء عن مقتل الشيخ محمد الزهاوي ونعني قائد قوات درع ليبيا 1 وهو أكبر الدروع المسلحة المعادية لقوات الجيش الليبي.
وتواردت أنباء من مصادر موثوقة عن وجود وسام في إحد مستشفيات أسطنبول لتلقي العلاج بعد إصابته المباشرة في مواجهات عسكرية.
إن عودة سريعة بالمشهد الليبي إلى ثلاث سنوات خلت ستظهر كم تطورت المواقف بشكل حاد، وتبدلت التحالفات وتغيرت التقويمات. فـ «أنصار الشريعة» كان تنظيماً يشار له بالبنان ويقدر سكان المدينة عناصره بل ويحثونهم على حماية المؤسسات الحيوية والذود عنها كونهم يتميزون بالخلق والالتزام ويقيم لهم المجرمون ألف حساب. كان تنظيم «أنصار الشريعة» في مدينة بنغازي مرتبطاً بأعمال الخير ومكافحة السحر والمعالجة المجانية والعلاج بالحجامة ومنح رقيات ضد الحسد.
وكان العشرات من سكان المدينة يحتشدون عند عيادة الأنصار أي «أنصار الشريعة» ليتلقوا الكشف المجاني والعلاج بالقرآن الكريم.
وكانت الدولة الليبية تطلب منهم رسمياً أن يقوموا بحماية المستشفيات والمرافق الحكومية كونهم الأكثر دربة والتزاما. وكان أميرهم الشيخ الزهاوي يستقبل استقبال الفاتحين في ساحة المحكمة كأحد أبرز قادة ثورة 17 شباط/فبراير. كان التلفزيون الرسمي يفسح لهم الساعات الطوال لعرض أفكارهم وتوجهاتهم. لكنهم اليوم صاروا إرهابيين مطاردين من قوات الجيش تهدم بيوتهم وتحرق ممتلكاتهم.
ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لمنتسبي الدروع وقادتهم، فقد كانوا هم ثوار الجبهات ومن خاض المعارك الشرسة فكانت المدينة تستقبلهم بالورود وتطوق أعناقهم بالأوسمة والأنواط. وقامت الحكومة الليبية السابقة بمنحهم 900 مليون دينار بواقع راتب شهري لكل عنصر يصل إلى ألف دينار ليبي. في الوقت الذي كان منتسبو الجيش الليبي يعانون من تأخير مرتباتهم وضعفها في حالة صرفها مقارنةً بمرتبات منتسبي الدروع .
تبدلت الحال وصار منتسبو الدروع خارجين على الشرعية والقانون متحالفين مع المتشددين دينيا بعد أن وضع البرلمان الليبي الجميع في سلة واحدة واتهمهم بالإرهاب ولم يستطع تحييدهم ما دفعهم وربما عن غير قناعة الى التحالف مع التيار الإسلامي المتشدد في مواجهة قوات اللواء خليفة حفتر التي أضحت تشكل خطرا عليهم جميعا.أضحى منتسبو الدروع هم أيضا ملاحقين ومطاردين كونهم تحولوا بتحول المشهد الدراماتيكي في ليبيا إلى خارجين عن القانون يواجهون الجيش الشرعي وبالتالي صار التدافع من أولياء الدم الذين يتهمونهم بنقل أبنائهم للثأر منهم وتهديم منازلهم وقتلهم وسط عائلاتهم .
هذه قراءة للواقع العسكري والتحالفات في الشرق الليبي، بعيداً عن مشهدية أخرى في غرب البلاد لا تقل تعقيدا وتشابكاً عما يجري في شرقها.
وتبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تطور الصراع المسلح في ليبيا وبالتالي المسار الديمقراطي برمته بل ان المسار الوطني كله سيكون على محك تاريخي غير مسبوق.