مهرجان “مينا” السينمائي في لاهاي يتحدى جائحة كورونا

صادق الطائي
حجم الخط
0

أقيم مهرجان “الشرق الأوسط وشمال افريقيا” مهرجان “مينا” السينمائي في دورته الثالثة لهذا العام تحديا لظروف جائحة كوفيد-19 التي أوقفت وأصابت كل النشاطات الفنية الثقافية بالشلل في مختلف دول العالم، لكن القائمين على “مهرجان مينا” أصروا على تقديمه هذه السنة وبدعم غير محدود من بلدية مدينة لاهاي، وقرروا أن يكون المهرجان ضمن هذه الظروف بنسخة افتراضية عبر منصات إلكترونية وفرتها بلدية مدينة لاهاي على موقعها الإلكتروني وأتاحت للجمهور مشاهدة أفلام المهرجان، ومن ثم التصويت إلكترونيا ضمن جائزة الجمهور لأفضل فيلم.

وقد شهدت أيام المهرجان الثلاثة 11-13 حزيران/يونيو الجاري عروض أفلام دورة المهرجان لهذا العام التي شملت 26 فيلما توزعت بين الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة والطويلة من عدة دول بينها، إيران، والعراق، والمغرب، والجزائر، وتونس، ولبنان، وسوريا، وفرنسا، والسنغال، والدنمارك. وقد أشار رئيس المهرجان الشاعر العراقي محمد الأمين إلى “إن دورة هذا العام من مهرجان مينا السينمائي ستحتفي كما عودناكم في الدورات السابقة بموضوع الحريات، لكننا سنسلط الضوء في هذه الدورة على موضوع الهُوّيات والأقليات، كما إننا نحتفي هذا العام بمناسبة خاصة هي مرور 75 عاما على تحرير هولندا من الاحتلال النازي، وسنركز على الحرية الشخصية والهويات بما يشمل موضوعات الجندر والجنسانية”.

دورة هذا العام من المهرجان شهدت عرض مجموعة من الأفلام المميزة فنيا، تنافست على جوائز المهرجان المتنوعة، والملفت في هذه الدورة حجم إقبال الجمهور غير المتوقع الذي مثلته الامكانات الرقمية التي وفرت إمكانية مشاهدة أفلام المهرجان أمام جمهور متنوع من مختلف دول العالم، إذ شاهد أكثر من 20.000 شخص فيلمًا واحدًا أو أكثر على قناة المهرجان عبر الإنترنت طوال أيام انعقاده الثلاثة. وقد تشكلت لجنة تحكيم المهرجان لهذا العام من ثلاثة خبراء مختصين في صناعة السينما، وهم كتاب ونقاد لهم باع طويل في النقد السينمائي، إذ ضمت لجنة التحكيم الناقد السينمائي د. صفاء الصالح، والناقد السينمائي د. الحبيب ناصري، والناقد السينمائي عرفان رشيد.

أقيم حفل ختام مهرجان مينا السينمائي في مسرح”لاك تياتر” في مدينة لاهاي الهولندية كما هو معتاد، وتم إعلان الجوائز، وقد استلم عدد من الصحافيين والكتاب والناشطين جوائز المهرجان نيابة عن صناع الأفلام الذين تعذر حضورهم بسبب أوضاع الحجر الصحي. وتوزعت الجوائز على ست فئات، بالإضافة إلى جائزة العدالة والسلام وجائزة الجمهور.

وقد فاز بجائزة الإخراج لهذه الدورة الفيلم الوثائقي الطويل من السنغال “السمكة الذهبية، السمكة الافريقية” للمخرج الفرنسي توماس غراند. الفيلم يحكي قصة قرية الصيادين “كافونتين” الواقعة جنوب السنغال على ساحل المحيط الأطلسي. ويبدأ صناع الفيلم الحكاية بجملة مفتاحية هي “كل شيء يأتي من البحر” إذ يؤكد سكان قرية كافونتين على أهمية المحيط في حياتهم حيث أصبحت قريتهم مركزًا إقليميًا للصيد غير الصناعي، ويعمل بها حوالي 15000 شخص. وتعد كافونتين واحدة من آخر مناطق الصيد التقليدية في غرب أفريقيا، وهي حيوية لسلامة الأغذية في العديد من البلدان الأفريقية. لكن تحديات شركات الصيد الصناعي وظروف العمل القاسية تعرض المنطقة لخطر الانهيار. كما يسلط الفيلم الضوء على قضايا مثل المعيشة بأسعار معقولة، والرعاية الصحية، والمساواة بين الجنسين، وإزالة الغابات، والقيمة البشرية مقابل قيمة السلع من خلال قصص الحياة الرائعة للأشخاص الذين يعيشون هناك.

أما جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل فكانت من نصيب الفيلم التونسي “الرجل الذي صار متحفا” للمخرج مروان طرابلسي. الفيلم يحكي قصة حياة الفنان التشكيلي علي عيسى (1938-2019) الذي يصف نفسه في الفيلم بقوله “أنا وحيد وصحبتي معي، أنا شاعر، فنان، أنا كل شيء ولا أحد”. خمس سنوات من الجهد بذلها المخرج مروان طرابلسي لينجز فيلمه عن الفنان علي عيسى كما هو من دون رتوش أو محسنات إضافية، وكما حكاها لنا الفنان على لسانه، من محرابه وسط الحي التونسي باردو.

جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير فاز بها فيلم “الكَنّاوي: ساجر النار” للمخرج العراقي محمد توفيق المقيم في الدنمارك، والذي يرحل بنا في فيلمه إلى مراكش ليحكي لنا قصة أغاني العبيد ومعاناتهم منذ قرون، منذ أن جلبوا من أفريقيا إلى مراكش، والكناوة باتت تمثل نمطا غنائيا معروف عالميا، يتتبع محمد توفيق في فيلمه “الكَنّاوي” شخصية أحد مغني الكَنّاوي الذي يعمل كمشعل في حمام شعبي في مراكش، ويعزف موسيقاه الفولكلورية، وينشد أغانيه بحمولتها الروحية الحزينة التي تحكي معاناة الأجداد مع رحلة العبودية وصولا إلى زمن الانعتاق.

أما جائزة أفضل فيلم روائي طويل فقد فاز بها الفيلم الإيراني “بين التلال” للمخرج محمد رضوان كيوانفر. الفيلم الذي كتبه وأخرجه محمد رضوان كيوانفر يحكي قصة “أمير” المدرس الذي يتم إرساله إلى منطقة حدودية نائية، وفي هذا المجتمع الفقير والخالي من وسائل الراحة والترفيه يتوجب عليه تعليم أطفال البدو من سكان المنطقة. الفيلم تميز بقوة وجمال مشاهده التي استطاع مدير التصوير أن يخلق منها تحفة سينمائية، قام بالتمثيل النجوم أمير شمس، إلهام جلالي.

جائزة الإخراج للفيلم لروائي الطويل تقاسمها هذا العام المخرج العراقي قتيبة الجنابي عن فيلمه “قصص العابرين” والمخرج المغربي عبدالاله الجوهري عن فيلمه “ولولة الروح”. فيلم قتيبة الجنابي يمكن تصنيفه ضمن أفلام الدوكيودراما، وهو المنهج القائم على خلط الدرامي بالتسجيلي، إذ قدم الجنابي عبر فيلمه رؤيته للعالم، الوطن، المهجر، الحنين، الثورة، المستقبل، متكئا بصورة شبه كاملة على سيرته الذاتية. أما فيلم “ولولة روح” لعبد الاله الجوهري فهو أيضا خلطة من فيلم وثائقي في جوف فيلم تاريخي، قدم فيه الجوهري مشاهد ووقائع من مغرب سبعينيات القرن الماضي، كما قدم فيه احتفاءً بغناء فن العيطة، محاولا رد الاعتبار لمرحلة تاريخية مر بها المغرب المعاصر، والسينما المغربية. قام بتمثل أدوار الفيلم سعيدة باعدي، وجيهان كمال، ومحمد الرزين، وبنعيسى الجيراري.

جائزة أفضل فيلم روائي قصير لهذا العام فاز بها الفيلم المغربي “الوشم” للمخرجة فاطمة اكلاز، الذي كتب له السيناريو عبد اللطيف نجيب. وفيلم “الوشم” يعالج ظاهرة التحرش الجنسي التي يتعرض لها الأطفال، كما يسلط الضوء على ما يتعرض له الأطفال في مجتمعاتنا من تعسف بسبب سلطة الكبار، وهو من بطولة الطفل الياس كلاز وماجدولين كلاز وعبد الاله الخطابي.

أما جائزة العدالة والسلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد ذهبت هذا العام للفيلم الإيراني “العثور على فريدة” للمخرجين الشابين آزاده موسوي وكوروش عطائي. وهو من الأفلام المهمة في الدورة، وقد تم ترشحه لتمثيل إيران في التنافس على جائزة أفضل فيلم غير ناطق بالإنكليزية في جائزة الأوسكار 2020.

يحكي الفيلم قصة فريدة، وهي هولندية في مطلع الأربعينات من عمرها، ذات أصول إيرانية، إذ ولدت في إيران عام 1976 وأودعت في أحد ملاجئ الأيتام ومجهولي النسب قرب مقام الإمام الرضا في مدينة مشهد في إيران، وقد تم تبنيها من زوجين هولنديين، وانتقلت للعيش معهم في امستردام، لتكتشف فريدة اختلافها العرقي عن زملائها مبكرا، وتتسائل عن سر هذا الاختلاف، فتضطر عائلتها المتبنية أن تخبرها بأنها متبناة، وإن أصولها تعود لقومية أو عرق من بلد آخر. خوف فريدة ومعارضة عائلتها تمنعانها لفترة طويلة من الإقدام على محاولة جادة للبحث عن جذورها عبر السفر إلى بلدها الأصلي، لكنها تتعرف عبر مدونتها على الإنترنت على إيرانيين يتعاطفون مع قصتها ويبدون استعدادهم لمساعدتها في بحثها عن عائلتها البيولوجية. وكان المخرجان الشابان آزاده موسوي وكوروش عطائي من ضمن الذين تعاونوا معها وساعداها في رحلتها إلى إيران بحثاً عن عائلتها وهويتها الحقيقية.

أما جائزة الجمهور لهذا العام فقد كانت مميزة بالرغم من الظروف الاستثنائية التي تمت بها إقامة فعاليات المهرجان، إذ صوت أكثر من ستة آلاف مشاهد من أصل 16 ألفا للفيلم الإسباني “لست أنت” للمخرج السوري الشاب مجد حنا. ووعد القائمون على مهرجان مينا السينمائي في ختامه جمهورهم بمواصلة العمل على تقديم التجارب السينمائية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمتلقي الأوروبي، والدعم الذي يستطيعون تقديمه عبر التركيز على اهتمام المؤسسات الثقافية في هولندا بشكل عام وفي مدينة لاهاي بشكل خاص.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية