القاهرة ـ «القدس العربي»: خطفت تصريحات الرئيس السيسي في كلمته أمام قادة وضباط وجنود المنطقة الغربية العسكرية في سيدي براني في محافظة مرسى مطروح المحاذية للحدود مع ليبيا، الأنظار والاهتمام، بعيدا عن خطر كورونا، وإحالة مصر ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن، والسبب تهديده الواضح بعبارته التي لا تحتمل أي تأويلات، من أن مصر ستدخل الحرب ضد تركيا وقوات حكومة فايز السراج، إذا واصلت تقدمها نحو سرت والجفرة. وقال إن هذا خط أحمر.
طوابير أمام الصيدليات وأسعار سوق الدواء السوداء تشتعل… والصحافة الورقية تعاني أمراضا مستعصية
وقال للقوات: «الجيش المصري قوي ومن أقوى جيوش المنطقة، ولكن هو جيش رشيد، جيش بيحمي مش بيهدد، جيش بيأمن مش بيعتدي، دي استراتيجيتنا، ودي عقائدنا ودي ثوابتنا، اللي ما بتتغير. أنا متأكد إننا إذا احتجنا منكم عمل وتضحيات زي ما بيتم، فيه كتير من الأنشطة يمكن محدش كتير يعرف عنها هنا في المنطقة الغربية، على كامل الحدود مع الدولة الشقيقة ليبيا. أكتر من 1200 كيلومتر بيتم تأمينها بقالنا أكتر من 7 سنوات، بالقوات الجوية والقوات الخاصة وقوات حرس الحدود وقوات كثيرة جدا».
والملاحظ أن الرئيس اعترف بما حققته قوات الوفاق من تقدم في معاركها الأخيرة، ولذلك لم يشترط عليها أن تعود إلى الخطوط التي كانت عليها قبل القتال، إنما التوقف عن الزحف نحو سرت والجفرة، وإلا فالجيش المصري بثقله الهائل والمدمر هو الذي سيقوم بضربها، مستخدما أحدث ما لديه من أسلحة، خاصة القوات الجوية والصاعقة، التي أكد الرئيس على أنها لعبت الدور الأساسي في حماية الحدود، ومهاجمة محاولات الإرهابيين التسلل، وطالبهم بالاستعداد، بما يعني أن التدخل في البداية سيكون بضربات جوية عنيفة سيتم تركيزها على أي قوات تركية، يمكن اكتشاف أماكنها، مستخدما أحدث الطائرات من طراز رافال الفرنسية، تليها أف 16، وكذلك قوات الصاعقة المحمولة جوا من الفرقة (ثلاث تسعات)، وهي أرقى الفرق، لأنها مدربة أساسا على التدخل الخارجي ضد الإرهابيين، ومزودة بأحدث الأسلحة.
ومثلما لقي النظام ترحيبا شعبيا مع التمنيات أن لا تحدث حرب، بعد أن ألقى السيسي الكرة في ملعب حركة الوفاق وتركيا، فإن هناك ارتياحا لطلب مصر من مجلس الأمن بحث أزمة سد النهضة، وبالتالي ضمان توقف إثيوبيا عن المضي في تعنتها، إلى أن ينجح المجتمع الدولي المؤيد لموقف مصر من الضغط عليها.
بعد ذلك كان الاهتمام الأكبر بخطر كورونا، وحساب أعداد المصابين الجدد، وعدد الوفيات والمتعافين واستعدادات الحكومة لها. ويليه بدء امتحانات الثانوية العامة، وسط هلع حقيقي من أولياء الأمور من الإصابة بكورونا رغم طمأنة الحكومة باتخاذ كل التدابير لحمايتهم.
أيضا لا تزال الشرطة تواصل ملاحقة سائقي سيارات الميكروباصات، الذين لا يرتدون كمامات، وتطبيق الحظر الليلي ومنع التجمعات، ومع ذلك تستمر التجمعات وإقامة الأفراح بدون كمامات، وخرقا للحظر خاصة في المناطق الشعبية.
وكذلك الاستعدادادت التدريجية لإعادة النشاط الاقتصادي مع الالتزام بالتعليمات. ومباريات كرة القدم بدون جمهور، والسماح بالسفر للمناطق السياحية بشروط مفروضة على هذه الأماكن، وتخصيص وزارة قطاع الأعمال مبلغ مليار وسبعمئة مليون جنيه، لإعادة تطوير وتجهيز فندق الكونتننتال التاريخي المطل على ميدان الأوبرا وسط القاهرة، الذي تم بناؤه منذ مئة وخمسين عاما، في خطة لتطوير القاهرة الفاطمية والخديوية. وواصلت الحكومة الإشارة إلى مئات المشروعات التي تنفذها مختلف المحافظات. وإلى ما عندنا..
الحرب في ليبيا
لم تظهر أي مقالات أو تعليقات على خطاب الرئيس بخصوص ليبيا، باستثناء قول جلال عارف في «الأخبار»: «نرجو أن تصل الرسائل، وأن يفهم الجميع أن مصير الشعوب ينبغي أن لا يخضع للحماقات أو الأوهام المستحيلة، وأن مصر حين تنحاز للسلام، فإنها تفعل ذلك عن ثقة في أنها تملك الحق، وتملك القوة، التي تحمي هذا الحق من أي عدوان. الرسائل المصرية واضحة فلا تخطئوا الحسابات».
رسالة غضب
وفي «اليوم السابع» كان رأي دندراوي الهواري: «الرسالة واضحة، وفي توقيت مهم للغاية، وتأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على أن جيش مصر أقوى جيوش المنطقة، تتفق تماما مع تقرير موقع «غلوبال فاير باور»، خلال الساعات القليلة الماضية، والتي كشف فيها عن أن الجيش المصري يحتل المركز الأول، كأقوي جيش في الشرق الأوسط، ويتفوق على الجيشين التركي والإسرائيلي. لقاء الرئيس برجال الجيش المصري في المنطقة الغربية، رسالة غضب لكل من يحاول العبث أو المساس بالأمن القومي المصري، بمفهومه الشامل، وعلى الجميع أن يعي هذه الرسائل جيدا».
خطة المواجهة
فشلت مفاوضات اللحظة الأخيرة التي دعت لها السودان، وضمت معها مصر وإثيوبيا، فرغم حدوث تقدم في المسائل الفنية، إلا أن جوهر الخلاف ظل، كما يرى عمرو الشوبكي في «المصري اليوم»، في إصرار إثيوبيا على اعتبار تحكمها في مصب النهر شأنا داخليا يخضع لسيادتها، في حين أن القانون الدولي يقول إن دول المصب (مصر والسودان وإثيوبيا) لها حقوق متساوية، ولا يحق لدولة أن تستحوذ على المياه وتضر بالدول الأخرى. وبناء عليه، يصبح الحديث عن جدوى أي مفاوضات مع إثيوبيا إضاعة للوقت، طالما ظلت غير راغبة في التمييز بين حقوق السيادة الوطنية، والشراكة مع دول أخرى في مصب نهر، وحتى لو أضرت بالمصالح المائية لبلد آخر مثل مصر، وبأمنها «الوجودي» وليس فقط القومي. لقد ترسخت لدى إثيوبيا قناعة بأنها في وضع تفاوضي أفضل، بعد توقيع مصر على اتفاق إعلان المبادئ قبل حسم الأمور الفنية، كما روّجت إثيوبيا للعالم أنها تبني من خلال رئيس وزرائها، أبي أحمد، نظاما ديمقراطيا يرغب في التنمية والتقدم، ويحتاج سد النهضة لتحقيق ذلك، كما نجحت في الحصول على تعاطف عدد من النواب الأمريكيين من أصول افريقية، بعد أن اتهمت مصر بأنها دولة استعمارية، ترغب في منع إثيوبيا من التنمية والتقدم، ومازال يتعاطف مع خطابها «الافريقي» كثير من دول القارة السمراء. تحتاج مصر إلى مواجهة خطاب الصلف الإثيوبي بخطاب مضاد يؤثر في العالم بعيدا عن مفردات الاستهلاك المحلي، خاصة أن مصر لم تمتنع عن المشاركة في أي مفاوضات منذ التوقيع على إعلان المبادئ في 2015 وحتى الآن. ستقوم إثيوبيا بملء جزئي للسد (5 مليارات متر كعب) في شهر يوليو/تموز المقبل، نظرا لعدم اكتمال الجزء الأوسط من بناء السد، وهذه السعة لن تؤثر في مصر، بقدر ما ستمثل تحديا وجرس إنذار حقيقيا، أما الخطر الحقيقي فسيكون مع بدايات العام المقبل، حين تستكمل إثيوبيا ملء السد بشكل كامل، وهو ما سيترتب عليه إدخال مصر في فقر مائي حقيقي. أمام مصر من 6 إلى 8 أشهر تضع فيها خطة مواجهة سياسية شاملة، تبدأ كما صرح وزير الخارجية بتقديم شكوى لمجلس الأمن، وإعداد حملة دولية منظمة تخاطب افريقيا وأوروبا والقوى الكبرى، لشرح عدالة الموقف المصري. أما الحديث الغريب والصادم من قبل البعض عن أن هناك مؤامرة دولية لتوريط مصر وجيشها في حرب، فهذا كلام عبثي لكن بالتأكيد مصر ستدرس كل الخيارات بدقة في قضية وجود مثل المياه.
اتفاق جزئي
ونواصل في مشكلة سد النهضة وننتقل من «المصري اليوم» إلى «الشروق» ورأي رئيس تحريرها عماد الدين حسين: «بعد أن وضحت النوايا الإثيوبية الخبيثة، وأنها تريد تعطيش وابتزاز مصر بسد النهضة، فإن إثيوبيا تسعى الآن إلى الترويج لضرورة عقد اتفاق جزئي بديلا عن الاتفاق الشامل. الخطر الحقيقي أن هناك جهات دولية بدأت الترويج لذلك، بكلام تخديري، ظاهره عدم الانجرار للحرب، وباطنه تمكين إثيوبيا من تنفيذ مخططها. علينا ألا ننسى أنه في إبريل/نيسان الماضي، عرض رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد فكرة توقيع الاتفاق الجزئي في ما يتعلق بقواعد وإجراءات الملء الأول لسد النهضة، وكانت وجهة نظره هي الملء طبقا للاتفاق الثلاثي، ثم بدء عملية بناء الثقة، بحيث يتم عقد الاتفاق الشامل والكامل خلال عامين. قول واحد وطبقا لغالبية الخبراء الذين يتابعون هذا الملف بصورة يومية بل لحظية، فإن الاتفاق الجزئي خطر كبير. من خلال متابعتي للملف، أتفق إلى حد كبير مع هذا الرأي لأسباب كثيرة، لكن أهمها أننا افترضنا حسن النية في الحكومات الإثيوبية المتعاقبة، وقدمنا لهم السبت والأحد وكل أيام الأسبوع، لكننا لم نحصل منهم على أي شيء. هدفهم الجوهري والأساسي الذي اتضح لنا بجلاء الآن أنهم يتعاملون مع النيل الأزرق باعتباره «سدا إثيوبيا خالصا»، لا يجوز لبقية البلدان المشاركة فيه والاستفادة منه، إلا بالطريقة التي تتصدق فيها إثيوبيا بما يفيض عن حاجتها. استراتيجية إثيوبيا منذ الإعلان عن بناء السد في إبريل/نيسان 2011، هو كسب واستهلاك الوقت بكل الطرق الممكنة، حتى تتمكن من إنهاء البناء ليصبح أمرا واقعا، من دون أي اتفاق يحدد قواعد الملء والتشغيل الدائم، وعدم التأثير في مصر والسودان. هذا الأمر صار واضحا، مصر بدأت تتحرك بصورة سليمة وفعالة إقليميا ودوليا، وهو الأمر الذي أربك إثيوبيا، وجعلها تفقد أعصابها وتتهم الجميع من أول البنك الدولي إلى الولايات المتحدة بأنها تحاربها، وتنحاز لمصر. موافقة مصر على اتفاق جزئي مؤقت سيعطي المشروعية للسد الإثيوبي بصورة نهائية، عدم توقيع اتفاق جزئي سيظل في كل الأحوال أقل خطرا من عدم توقيع اتفاق بالأساس، لأنه في الحالة الأخيرة، فإن موقفنا القانوني والفعلي هو عدم الاعتراف بالسد، وسيظل الموقف الإثيوبي ضد القانون الدولي وفاقدا للشرعية والمشروعية الدولية، وهذا الأمر سيعطينا الحق في التصرف بكل الطرق لحماية حقوقنا المائية».
المشوار طويل
ويواصل عماد الدين حسين كلامه في «الشروق» قائلا: «هناك تخوف يطرحه البعض، من أن عدم وجود اتفاق حتى لو جزئي، قد ينسف كل ما يمكن أن نحصل عليه في ظل ظروفنا الراهنة، وأننا قد نرتكب خطأ المفاوض العربي نفسه مع الإسرائيليين في العقود الماضية، حينما رفض كل الحلول، وكانت النتيجة أن إسرائيل تكاد تلتهم كل فلسطين، حتى لو كانت هناك وجهة نظر في هذا الشأن، فهل ستتمكن إثيوبيا في الظروف الراهنة من تنفيذ مخططها، وهو تركيع مصر بمحبس المياه الموجود في سد النهضة؟ إثيوبيا لن تغير رأيها في شهرين أو عامين أو مئتي عام، لأن ما كشفت عنه في الأسابيع الأخيرة هو جوهر تفكيرها، الذي لم تخفه في أي فترة من الفترات، لكنها نجحت في المناورة حتى تكاد تقترب من تحقيقه للأسف، وخلافا لما يتوقعه كثيرون فإن مصر ما تزال تمتلك العديد من الأوراق المهمة للحفاظ على مصالحها المائية. قد لا نكون وصلنا الآن إلى التفكير في الضغط على الزناد، وعلينا أن نلاحظ دلالات بيان مجلس الأمن القومي الأمريكي وتغريدة ديفيد مالباس رئيس البنك الدولي، الذي كان حاضرا وشاهدا على مراوغة وتعنت إثيوبيا خلال مفاوضات واشنطن التي هربت منها إثيوبيا في اللحظة الأخيرة. المشوار ما يزال طويلا وعلينا أن نفكر في تحسين أوراقنا جميعها وندرك أن الآخرين لن يتضامنوا معنا إلا إذا كان موقفنا قويا».
بيان وزارة الخارجية
ونواصل الكلام عن تطورات أزمة سد النهضة وتقدم مصر بطلب رسمي لمجلس الأمن ضد تعمد إثيوبيا الإضرار بمصالح مصر في المياه، وقد أصدرت وزارة الخارجية بيانا نددت فيه بالإجراءات الأحادية التي تتخذها إثيوبيا ونشرته معظم الصحف المصرية، وجاء فيه: «طالبت مصر بعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية قد يكون من شأنها التأثير في فرص التوصل إلى اتفاق. واستند خطاب مصر إلى مجلس الأمن إلى المادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول الأعضاء أن تنبه المجلس إلى أي أزمة من شأنها أن تهدد الأمن والسلم الدوليين. وأكدت مصر مجددا حرصها على التوصل إلى اتفاق يحقق مصالح الدول الثلاث، ولا يفتئت على أي منها وهو ما دعاها للانخراط في جولات المفاوضات المتعاقبة، بحسن نية وبإرادة سياسية مُخلِصة، وذكرت الخارجية المصرية أنه ومن هذا المنطلق ونظرا لما تمثله مياه النيل من قضية وجودية لشعب مصر، فقد طالبت مصر مجلس الأمن بالتدخل وتحمل مسؤولياته، لتجنب أي شكل من أشكال التوتر وحفظ السلم والأمن الدوليين. اتخذت هذا القرار على ضوء تعثر المفاوضات التي جرت مؤخرا حول سد النهضة، نتيجة للمواقف الإثيوبية غير الإيجابية، التي تأتي في إطار النهج المستمر في هذا الصدد على مدار عقد من المفاوضات المضنية. وأضافت أن هذا «التعنت» ظهر في العديد من جولات التفاوض الثلاثية، وكذلك المفاوضات التي عقدت في واشنطن برعاية الولايات المتحدة، ومشاركة البنك الدولي، التي أسفرت عن التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح الدول الثلاث، وقوبل بالرفض من إثيوبيا ووصولا إلى جولة المفاوضات الأخيرة، التي دعا إليها السودان، وبذل خلالها جهودا مقدرة من أجل التوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن، يراعي مصالح كافة الأطراف. وأكدت مصر على أن كافة تلك الجهود قد تعثرت بسبب «عدم توفر الإرادة السياسية لدى إثيوبيا»، وإصرارها على المضي في ملء سد النهضة بشكل أحادي بالمخالفة لاتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في 23 مارس/آذار 2015 ، الذي ينص على ضرورة اتفاق الدول الثلاث حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة ويلزم إثيوبيا بعدم إحداث ضرر جسيم لدولتي المصب».
مشكلة العشرة في المئة
ونشرت «أخبار اليوم» حديثا مع الدكتور عباس شراقي رئيس قسم الموارد الطبيعية في معهد البحوث الافريقية، وأستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة، أشار فيه إلى أن هناك مشكلة دائمة وهي الاتفاق على 90٪ والخلافات دائما حول العشرة في المئة وقال: «هناك خلافات لا تزال قائمة في ما يتعلق بالجوانب القانونية، خصوصا في إلزامية الاتفاقية وكيفية تعديلها، بالإضافة إلى آلية حل المنازعات، وعلاقة سد النهضة بالاتفاقيات السابقة. وذكر شراقي بهذا الخصوص، أن بيانا قد يصدر قريبا حول اتفاق جزئي يركز على الملء الأول والتشغيل على أن يكون هناك تواصل بين الدول الثلاث خلال الشهور المقبلة، لحسم النقاط العالقة الخاصة بكميات التصريف في السنوات العادية والجافة وإلزام التطبيق وآلية فض المنازعات. وأضاف الخبير: «هذا يذكرنا باتفاق واشنطن حيث التصريح بأننا اتفقنا على 90٪ وباقي 10٪ فقط، وكذلك في مفاوضات مبادرة حوض النيل في التسعينيات، والاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل «عنتيبي» دائما نختلف في الـ 10٪ التي لا تريد أن تُحل أبدا».
سياسة كسب الوقت
كما نشرت «أخبار اليوم» حديثا مع الدكتور هاني رسلان مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام، والخبير في الشؤون الافريقية، أشار فيه إلى أن نظام الحكم الإثيوبي يعاني مشاكل داخلية ضخمة، وأشاد بموقف السودان وقال: «إن إثيوبيا تحاول فرض سياسة الأمر الواقع من خلال كسب الوقت، والإغراق في التفاصيل، والعمل على إبعاد أوقات جلسات المفاوضات. وأشار رسلان إلى أن إثيوبيا تروج طوال الوقت أنها تسعى لاستغلال الموارد المائية لتوليد الطاقة، وتصدير الجزء الأكبر للخارج، للحصول على العملة الصعبة. مشيرا إلى أن إثيوبيا ترى في هذا السد الذهب الأبيض، ويقارنونه بالذهب الأسود «البترول» في بعض دول الخليج. وأضاف رسلان، خلال كلمته في مؤتمر المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن إثيوبيا تسعى للتنصل من قواعد القانون الدولي في الأنهار، وتحاول التأثير في باقي الدول في المحيط حولها، مشيرا إلى أن إثيوبيا أظهرت موقفها صراحة في الأونة الأخيرة، وقال رسلان بأن المشروعات الضخمة لتوليد السدود في إثيوبيا كانت تحظي بتمويل من 5 جهات، لافتا إلى أن إثيوبيا نجحت في تصوير الأزمة باعتبارها قضية تنموية. وانطلقت فعاليات المؤتمر الموسع الذي يعقده المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية بحضور الخبراء المصريين المتخصصين في سد النهضة، لتحليل أبعاد الأزمة وتداعياتها، فضلا عن مناقشة السياسات المصرية تجاه الأزمة على الأصعدة التفاوضية والفنية والإعلامية، واستكشاف الآفاق والحلول المستقبلية للأزمة. وتشارك في أعمال المؤتمر نخبة من الخبراء والباحثين في شؤون المياه والسدود، وفي الجوانب القانونية المرتبطة بعملية التفاوض بين مصر والسودان وإثيوبيا، تحت عنوان «سد النهضة: بين فرض الأمر الواقع ومتطلبات الأمن القومي المصري».
في حال الابتلاء
ما هذا الذي يحدث؟ يتساءل محمود خليل في «الوطن»: «أحد مصابي كورونا (58 عاما) ينتحر قفزا من الطابق الثالث في مقر العزل الصحي في مستشفى الحميات في قنا. شاب ينتحر شنقا بعد إصابته بكورونا وعزله في المنزل، وتدهور حالته، والسبب المباشر في إقدامه على الانتحار أساسه عجز أحد أقاربه الذين تطوعوا لإدخاله مستشفى خاصا عن القيام بالخطوة بسبب عدم وجود أماكن. وقائع عديدة يتم تداولها عن مشكلات دفن شهداء الفيروس اللعين. سيارات الإسعاف تتأخر في الوصول، فيتأخر معها إكرام المتوفى بدفنه، بعض المسؤولين عن الدفن في المقابر يرفضون إنزال المتوفى إلى حضن التراب، ويفرضون على أهله القيام بالمهمة، ويكتفون بفتح المقبرة وإغلاقها. طوابير على بعض الأجزاخانات للحصول على أدوية علاج كورونا التي شحت، وأصبح سعرها في السوق السوداء «نار»، هناك من يتحدث أيضا عن سوق نشأت لبيع بلازما المتعافين. أحاديث وأحداث المستشفيات لا تنتهي. الناس ما بين مُعزٍ أو متقبل عزاء، أو داعٍ بالشفاء، أو متوجس من الإصابة، أو مكتئب بفعل الأجواء المحيطة بالفيروس. «ليس لها من دون الله كاشفة». حيل البشر تنفد يوما بعد يوم، وكلما نفدت حيلة سقط مصابون أو متوفون جدد. حالات الموت العبثي المرتبطة بالفيروس تفرض على البشر أن يتعاملوا بدرجة أكبر من الرحمة مع بعضهم بعضا، أو في أقل القليل يرحمون أنفسهم، ويتقربون برحمة النفس أو الغير إلى الله سبحانه وتعالى، حتى يرفع عنهم البلاء والوباء، لكن النفوس المهتزة والعقول المشوشة تفعل العكس. مؤكد أنك تذكر قصة «الثلاثة والصخرة» التي تحكي كيف هبطت صخرة عظيمة على ثلاثة دخلوا كهفا يبيتون فيه، حاولوا تحريكها بكل الطرق فعجزوا، ولما عدموا الحيلة ويئسوا من النجاة، أخذ كل واحد منهم يحكي عملا صالحا فعله ابتغاء مرضاة الله ورجاء رحمته، ثم يدعو ربه بأن يفرج عنهم ما هم فيه، فكانت الصخرة تنزاح مسافة، ومع انتهاء الأخير من حكايته كانت الصخرة قد انكشفت تماما. الصخرة هنا ليست صخرة بالمعنى المادي، بل هي رمز لأي هم يجثم على صدر الإنسان ويشعر أمامه بالعجز وقلة الحيلة. والتقرب إلى الله بالرحمة والتراحم مع غيره من البشر هو السبيل المضمون لإزاحة الهم. فالراحمون يرحمهم الله. مشاهد الانبطاح الأخلاقي أمام فيروس كورونا، التي تحاصرنا في كل اتجاه ليست جديدة، فقد ظهر ما يماثلها خلال الفترات التي واجه فيها البشر أوبئة. تعرضت بغداد على سبيل المثال للعديد من الأوبئة التي كانت تسرح منها إلى الدول الإسلامية المحيطة، وساءت معها الأخلاقيات، وبعد أن وصل الوباء إلى ذروته بدأ الناس يستفيقون فأخذ الغني يعطي المال للفقير، وكان الفقير يرفض أخذ المال، لأنه يريد الطعام، والطعام غير موجود في الأسواق، بسبب شح السلع. هذه المشاهد جميعها تقول إن ابتلاءات الله تعالى تعري أسوأ ما في البشر حتى لحظة معينة، هي اللحظة التي يتنبه فيها الناس إلى حقيقة أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا أقصد هنا اللجوء بالدعاء وفقط، بل اللجوء بالامتثال لأخلاقيات الرحمة التي أوصى الله بها عباده. ربنا يكشف عنا ما نحن فيه بمراحم الطيبين من أبناء هذا الشعب. وهم كثر».
الأزمات تكشف الخلل
التأمين هو الحل هذا ما يقترحه عبد المنعم سعيد في مقاله في «المصري اليوم» يقول: «قبل سنوات، كتبت كثيرا عن حلمي بأن تصير مصر دولة طبيعية، ومن كثرة ما كتبت جمعت مقالاتي في كتاب، يعبّر، لأسباب عددتها، عن الآمال الكبرى في أن تكون مصر مثلها مثل باقي دول العالم، والمتقدمة منها على وجه الخصوص. لم أكن من المغرمين بإمكانية إعادة اختراع العجلة، ولا أن مثل ذلك مرغوب، ومادمنا واقعين في إطار الدول النامية، فإن أفضل ما نفعله هو الاقتداء بمن أقام نظما مفيدة متسقة مع نفسها، ولا تختلط فيها النظم والنظريات ووسائل التفكير والتطبيق. الأزمات عادة ما تكون كاشفة عن الخلل في ما هو قائم، أو في طريقتنا في التفكير للأمور. واحدة منها ظهرت مؤخرا مع أزمة كورونا اللعينة، التي انطبقت علينا مراحلها المختلفة، من ظهور الفيروس، وبداية الانتشار، وتصاعد الانتشار، إلى درجة تشبع الأجهزة الطبية، وبقي أن نشهد مرحلتي تراجع الأزمة والانتعاش. المرحلة الثالثة من أي أزمة، صحية أو أمنية، هي لحظة اختبار كبير لمدى القدرة على المواجهة، وكفاءة النظام في التعامل معها، وهو عادة الذي تخرج منه دروس الإصلاح والتغيير والتقدم، فيكون حصاد الأزمة، بعد أن تدخل التاريخ، نعمة. ما حدث لدينا هو أن الجهاز الطبي الحكومي واجه الأزمة بكفاءة وشجاعة كبيرتين خلال شهورها الأربعة الأولى، وبعدها بات عليه أن يقوم بتعبئة إمكانيات القطاع الخاص الصحي، لكي يشارك في المواجهة. حتى ذلك الوقت لم يكن أحد يعرف ماذا كان يفعل هذا القطاع، الذي من المعروف أنه يقوم على أسس اقتصادية، فضلا عن الخدمة الصحية، فالحقيقة هي أن الأمراض الأخري غير كورونا كانت فاعلة في الديار المصرية، ومع انشغال الأجهزة الحكومية بالأزمة الجديدة، فإن القطاع الخاص بات عليه أن يتحمل أعباء جديدة في غير كورونا من بلاء. وكما هي العادة في مصر، فإن المعلومات قليلة، فحجم القطاع الخاص الطبي ليس معروفا، كما أن عدد العمليات الجراحية التي يقوم بها وأنواع الأمراض التي يعالجها ليست من المعرفة العامة. وبشكل عام ظهر أنه من الممكن للقطاع الخاص أن يعمل من خلال تمويل «أهل الخير»، الذين يتبرعون بسخاء، لكي تعمل مستشفيات مرموقة مجانا تماما، حتى لو كانت تعمل بأساليب شائعة في المستشفيات غير المجانية. مع اللجوء إلى مستشفيات القطاع الخاص غير المجانية، ظهرت فجأة مسألة تسعير علاج الفيروس، ومعها، وبحماس شديد، الانقسام الاجتماعي بين الغني والفقير، وتلك القدرات الشيطانية للأغنياء لسرقة الفقراء والطمع والشراهة وأشياء كثيرة أخرى شريرة».
التأمين الصحي
ويواصل عبد المنعم سعيد كلامه في «المصري اليوم»: «لم نعرف أن مستشفيات القطاع الخاص، كما هو الحال في أنشطة اقتصادية أخرى، درجات، وفيها الخمس نجوم، وحتي تلك التي بدون نجوم على الإطلاق. ولأنها قطاع خاص، فإن إنشاءها وتمويلها يأتيان من مساهمين، ومن قروض، ومن أعباء إغراء أطباء وممرضين لكي يبقوا في مصر ولا يذهبوا إلى الخارج في الخليج أو أوروبا، كما حدث في المؤسسات الصحية المصرية العامة خلال الأعوام الماضية. في القطاع الخاص لا توجد خزانة عامة تمول العجز في الموازنة عندما يحدث، وإنما إما أن ترفع رأس المال، أي يدفعه المساهمون، أو يكون هناك اقتراض يستدعي أقساطا وفوائد. ما حدث أنه جري إعلان الفواتير الواقعة في شريحة أعلي المستشفيات، ولأيام انشغل الرأي العام بقضية جوهرها أن «الصحة» ليست سلعة، أو لا يصدق عليها، مثل التعليم، أنها بضاعة خاضعة لقواعد العرض والطلب. ماذا فعلت الدول الطبيعية إزاء هذه المعادلة الصعبة؟ الإجابة هي التأمين الصحي، الذي يقوم على معادلة بسيطة لاستخدام اشتراكات الأعداد الكبيرة، ولسنوات طويلة، لعلاج أعداد أقل بكثير منها، وخلال فترة زمنية محدودة، واستثمار هذه الاشتراكات في استثمارات مربحة، تكفي لعلاج أعداد كبيرة علاجا حقيقيا، وفي ظروف مريحة ملائمة لكل شرائح المجتمع. ما يريده الأغنياء ويرغبون فيه من فخامة، جزاء على ما عاشوه عملا وتعليما واستثمارا، لا يعني كثيرا بقية المجتمع المتطلع إلى الخدمة الصحية الملائمة، ومن الخبرة الشخصية في العديد من المستشفيات الأمريكية، ومؤخرا في مصر، فإن بطاقة التأمين تكفي للتعامل مع المشكلات الصحية بسلاسة ويسر. شركات التأمين في العموم، سواء للصحة أو للمعاش أو للحياة أو للأحداث المفاجئة، من أهم أساليب تجميع المدخرات القومية، واستثمارها في التنمية، بما فيها تلك المتعلقة بالصحة أو التعليم. ولحسن الحظ أنه خلال العشرية الأولى من هذا القرن، قمنا في مصر بإصلاح النظام البنكي، ونظام التأمين بشكل عام، وفي هذا الأخير ربما كان علينا بعض المراجعة ومعاودة الإصلاح مرة أخرى، فلا تنمية بلا تأمين».
إجراءات صحافية حاسمة
وإلى المشاكل والانتقادات ومنها، حالة القلق التي يعيشها العاملون في الصحف القومية ومستقبل الصحافة الورقية، الذي يزداد غموضا بسبب أزماتها المالية الهائلة، وكيفية إيجاد حلول لها، وهو ما تم فعلا، وحدثنا عنه المسؤول عن هذا الملف كرم جبر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، الذي استعرض في «أخبار اليوم» ما تم التوصل إليه كاشفا عن إجراءات حاسمة تم اتخاذها لاستعادة بدلات سفر الخارج، التي تم صرفها بدون وجه حق وقال: «لا أحب الحديث في شيء يتعلق بعملي، لكنني أقول بعض الأشياء أولا: مخطئ من يتصور أن الصحافة الورقية إلى زوال، ولكنها تعاني أمراضا مستعصية، جرى تشخيصها بدقة، والمهم أن يستمر العلاج، فالصحافة تعاني في أربعة ملفات ملحة أولها، الأصول غير المستغلة، ورسمت الهيئة الوطنية للصحافة خططا مدروسة لإعادة استغلالها، سواء في مشروعات على حدة أو مشتركة بين المؤسسات. وثانيها الديون في انتظار قرارات جريئة وحاسمة، والعمالة وتطويرها وتحديثها، وغلق أبواب العشوائية، وأخيرا الرقمنة والتحديث، وكل هذه الملفات لها تشخيص واقتراحات للعلاج، والمدى الزمني لذلك. ثانيا: تطوير وتحديث الصحافة يحتاج إلى تفعيل الاستثمار الثقافي للمواد الإعلامية والصحافية، التي تمتلكها المؤسسات لتدر عائدا واستكمال تنفيذ البوابات متعددة الوسائط، بحيث تتحول تدريجيا إلى خدمة مدفوعة، وتمتلك مؤسسات كثيرة هذه المميزات ناقشنا هذا المشروع عدة مرات، وجاءت كورونا لتعطله بعض الوقت خصوصا في مؤسسة الأهرام، التي اضطرت ظروف الاختراق من هاكرز إلى تعطيل موقع الجريدة، ونقله إلى البوابة، حتى يتم تأمينها لأن «الأهرام» ليست جريدة فقط، بل منظومة هائلة من الثروة المعرفية والخدمية، مثل فواتير الكهرباء والشهر العقاري وغيرها، وتحتاج إلى أقصى درجات التأمين والحماية ولم يتم إغلاقها تماما وإنما تخضع لدراسات تأمينية حماية لثروات أكبر مؤسسة صحافية في مصر. ثالثا: تعظيم أدوات المحاسبة والشفافية والهيئة، فتحت ملفات لم يقترب منها أحد من قبل مثل، تنظيم السفر للخارج، وضبط بدلات السفر، ووضع حد أقصى للأجور واللوائح المالية والإدارية، ورد الأموال التي تصرف بدون وجه حق، وغيرها من إجراءات حازمة كثيرة، لا يتم الإعلان عنها حماية للمؤسسات. القانون الجديد للهيئة الوطنية للصحافة يقضي على أي سلبيات، ولأول مرة يخضع رئيس مجلس الإدارة والأعضاء لمحاسبة حازمة من الجمعية العمومية، التي تُشكل من كفاءات على مستوى عال في المجالات الصحافية والمالية والاستثمارية والقانونية، ومن حقهم عزل رئيس مجلس الإدارة والمجلس، في حالة التعثر والإخلال في تنفيذ الخطط والسياسات».