الحديث إلى الغرباء

حين يتحاور طرفان أو أكثر لا بد للمحاورة من أن تنجحَ، ونجاحها ليس مضمونا أبدا، لأن من المحاورات ما يؤول إلى اللبس والغموض وعدم الفهم، فتفشل المحاورة. نحن ننجز في اليوم عشرات المحاورات وتنجح محاوراتنا، وحتى إن فشلت أعدنا بناء الكلام بشكل يجعلنا نفهم مقاصدنا، ونبلغ ما أردنا تبليغه. حين تنجح المحاورات لا نفرح كثيرا، وحين تفشل لا نحزن، لكننا نعطل التواصل ونعيد بناء الكلام من جديد.
وحتى تنجح المحاورات لابد حسب بول غرايس، من أن يوجد تعاون بين المتخاطبين. فليس إنجاح التحاور مهمة طرف واحد هو المتكلم، بل هو مهمة طرفي المحاورة أو أطرافها. ويتألف التعاون وهو مبدأ عند غرايس من أربعة أحكام: الأول هو حكم الكم، ويتمثل في أن المتخاطبين ينبغي ألا يقدّما إلا المعلومات الضرورية، فكمية المعلومات المفيدة المقدمة في المحاورة هي ركنٌ أساسي في بناء التعاون لإتمام المحاورة. حين تسألني ونحن نتحدث عن الساعة فعليّ أنْ أجيب: إنها السابعة أو التاسعة وأضيف الدقائق.. لكن حين أقول إن الساعة في ساعتي يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، رغم أني اشتريتها من دار تبيع الماركات العالمية، فأنا أقدم كما من المعلومات غير مفيد في سياق المحاورة الحالية. وعندئذ لن أتعاون كثيرا لإنجاز محاورة ناجحة. في هذا الإطار فإن المهذارين هم نوع من المحاورين غير المتعاونين، لأنهم يكسرون حكمَ الكم بالإفراط في تقديم المعلومات، لكن المقلين أيضا قد يكونون محاورين غير متعاونين، إن هم سكتوا عن كم ضروري من المعلومات تقضيه هذه المحاورة أو تلك.
الحُكْمُ الثاني هو الكيف والمقصود به نوعية المعلومات، ويختزل المبدأ في الأمر التالي: «لا تقل ما تعتقد أنه كاذب». ولا يعني ذلك أن تقول الحق، بل أن تقول ما يتطابق مع مجريات الأمور المتحدث فيها، بقطع النظر عما إذا كنت تصدق القول أو تكذب. حين أسألك لماذا ضربت الصبي؟ وتجيبني لأنه سبني فهذا الجواب منسجم من ناحية الصدق مع السؤال، أما إن قلت لأنه جميل، فذلك يكسر حكم الكيف. فالجمال ليس سببا لإيقاع الضرب بمن اتصف به.
الحكمُ الثالث هو حكم العلاقة أو المناسبة. على المحاور في كل محاورة أن يربط كلامه بكلام غيره، فلو سألني محاوري كم عمرك؟ فإن المناسبة لسؤاله تقتضي أن أذكر سنين، أو أقول هرمت، أو مازلتُ شابا أو غيرها من الإجابات الملائمة للسؤال؛ لكن أن أجيب بأني أفنيت عمري في عدّ النجوم، أو أن أجيب بقولي: إن خطبتك لا تقبل بي زوجا.. فإني عندها سأكسر الرابط بين السؤال والجواب. والمدرسة تعاقب في هذا السياق كل من يخرج عن الموضوع.

الحُكْمُ الثاني هو الكيف والمقصود به نوعية المعلومات، ويختزل المبدأ في الأمر التالي: «لا تقل ما تعتقد أنه كاذب». ولا يعني ذلك أن تقول الحق، بل أن تقول ما يتطابق مع مجريات الأمور المتحدث فيها، بقطع النظر عما إذا كنت تصدق القول أو تكذب.

الحُكم الرابع هو الطريقة، ويلخصها غرايس بالصيغة التالية: إبنِ ما تقوله بالطريقة الأوضح والأكثر إيجازا والأكثر ترتيبا. في سؤال من سألني: أين غبت أمس؟ أجيب: ركبت القطار وقصدت مدينة ساحلية وقضيت اليوم في السباحة. في هذا الجواب أقدم العناصر بطريقة منظمة. لكن لو أجبت مثلا: ركبت إلى الشاطئ. فقد يعني جملة من الأشياء من بينها أني ركبت زورقا حتى وصلت الشاطئ، أو أني ركبت ناقلة بحرية حملتني عبر البحر إلى مدينة أخرى، وغير ذلك من الأفكار التي يمكن أن يقتضيها هذا القول. في حكم الطريقة، فإن الذين يتحدثون بشكل غامض أو ملغز، والذين لا يرتبون أفكارهم ويعرضونها مشوشة لأسباب طارئة، أو ثابتة، هم الذين يكسرون مبدأ التعاون في بناء المحادثات. في بعض الأحيان يكون ذلك اختيارا، ورغبة في الإلغاز أو اللعب على أكثر من حبل، لأسباب في نفس صاحبها، قد تكون سياسية أو عقدية وقد تكون فرارا مما يمكن أن توقع فيه صراحة الخطاب.
نحن نتحدث يوميا، لكننا في بعض الأحيان نكسر مبدأ من هذه المبادئ أو أكثر، وحين نكسره فإننا نبذل جهدا ذهنيا أكثر كي نفهم. ليست كل المحاورات اليومية التي نجريها في ما بيننا فعالة، كأقصى ما تكون الفعالية، ولا ناجعة كأقصى ما تكون النجاعة، فليس كل من يحدثوننا يتحدثون إلينا باستعمال الكم المناسب من الكلام ولا القدر الملائم من الصدق ولا عندهم من الضبط ما يجعل جوابهم مناسبا لأسئلتنا، ولا أقوالهم منظمة منضّدة وخالية من اللبس والتعمية والإلغاز.
المحادثات التي يتحدث فيها غريب إلى غريب عن الطقس، أو عن غلاء الأسعار هي أكثر المحادثات مثالية من جهة الالتزام المثالي بالأحكام الأربعة المذكورة. قدرنا أننا حين نتحدث إلى الغرباء أو العابرين، نكون أوضح مما نتحدث إلى غيرهم. نحن نفهم في المحاورات العابرة مع الغرباء ما يقولون عن الطقس وعن غلاء الأسعار، لا لأن هذه المواضيع عامة وواضحة، بل لأن غربتنا التي بيننا وبين الغرباء تدفعنا إلى أن نكسرها بخلق أرضية لغوية مشتركة، وبتعاون بناء في التفاهم. أنت لا تعرف متى يبدأ حديثك إلى غريب، يمكن أن تبدأه أنت، ويمكن أن يبدأه الغريب. لنتفق في تحديد هذا الغريب الافتراضي. هو ليس غريبا تماما فهو يشاركك الإنسانية، وإن شئت المواطنة والرقعة الجغرافية، ويمكن أن يشاركك الجنس، أو يخالفك، لكنه سيشاركك اللسان الذي به ستتحدثان. الغريب هو في هذه الحالة شخص من غير معارفك، لكن ألم يكن كل شخص من معارفك قد بدأ غريبا، في وقت ما دار بينكما الكلام وحدث التعارف؟
في الطائرة تقول مجاورتي في الكرسي: أخيرا ركبنا.. تقول ذلك بعد أن تأخرت الطائرة وقتا كبيرا، أو بعد أن علق السفر لمدة طويلة.. هي تقول ما يدور في خلدي وخلد كل المسافرين تقريبا. هي لا تسألني إنها تدعوني إلى مواصلة الحوار معها في هذا الموضوع وفي غيره، لكن حتى أبدأ المحاورة عليّ أن أراعي شرط العلاقة أو المناسبة، قبل بقية الشروط الأخرى. عليّ أن أتحدث عن تأخرنا الذي طال وعن أسبابه.. سأقول مثلا: أخيرا فُرِجتْ.. هل سأكون موجزا ساعتها مستجيبا لشرط الكم؟ طبعا أنا لست موجزا بهذا، أنا مطنب لأنني أعدت الفكرة نفسها، ولكن دور الإعادة كان لحسن تأسيس الحديث بالربط مع كلامها. أنا أتعاون معها لأثبت أني أفكر مثلها، وإن كنت أبني فكرتي بعبارة أخرى تنقل الركوب في الطائرة من مجرد حدث إلى فك لأزمة. أنا طورت الفكرة وقلت صراحة ما ورَد ضمنا في كلامها. ستسألني عن المدة التي قضيتها محتجزا في هذا البلد، قبل أن تصبح للطائرات أجنحة.. سأجيبها بكل وضوح مطبقا حكم الطريقة، الوضوح ههنا لا يُنجح المحاورة وحسب، ولا يبني أواصر التعاون فيها، بل هو يقود المحاورة إلى ما بعدها، إلى محادثات أطول وإلى نوايا المحاورة. سيمضي الكلام واضحا بكل شروطه، التي وضعها غرايس في مبدأ التعاون، وسنكون أنا والغريبة قد أنجزنا محاورة طرازية تحتكم إلى مبادئ التعاون التحاوري المذكورة..
ربما أصبحت المسافرة صديقتي، وربما التقينا وتكلمنا في الشعر والسحر والفن والجمال والعشق والسياسة.. سننجز محاورات تكسر الأحكام التي ذكرناها، وكلما كسرنا في المحاورات تلكم الأحكام، خرجنا عن رتابة الغريب واقتربنا أكثر.. وربما ابتعدنا وكل ذلك بالتعاون على التحاور والتعاون على كسر قواعد التحاور.. يوما ما، ستقول لي هذه الصديقة التي ربما أصبحت صديقة : لم أعد أفهمك…
في زمان آخر، وفي طائرة أخرى، تقول مجاورتي في الكرسي: أخيرا، ركبنا.. أتساءل بيني وبين نفسي: هل أجيبها وأتعاون معها على إنجاز محاورة أولى بين غريبين؟ سأنظر إلى عمري وأنظر إلى عينيها وأفكر في الكلام أو في الصمت.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية