تامار رابينيان، عميلة للموساد من أصل إيراني تصل إلى طهران في مهمّة تخريبيّة تستهدف اختراق وتعطيل نظام الدّفاع الجويّ الإيراني بهدف السماح للطائرات الإسرائيليّة بتدمير المفاعل النووي الرئيس في البلاد، قبل أن تنكشف مهمتها فتتوارى في العاصمة مستعيدة شيئاً فشيئاً جُذورها الفارسيّة، وتقع في هوى شاب من المعارضة الإيرانيّة المدعومة من الولايات المتحدّة.
هذا هو المولود الدّرامي الإسرائيلي الجديد طهران، الذّي بُثّت الحلقة الأولى منه الإثنين الماضي على القناة الحادية عشرة تلفزيون (كان) العبراني، ليضاف إلى سلسلة من أعمال دّراما الجاسوسيّة، التي درجت شركات الإنتاج العبريّة على تقديمها متلاحقة في السنوات الأخيرة بدعم مباشر من المؤسسة الأمنية الإسرائيليّة بأجنحتها المختلفة، سواء المستوحاة من عمليّات حقيقيّة للموساد الإسرائيلي والـ»شين بيت» أو تلك المتخيّلة.
«طهران» حاز على تقريظ النقّاد المحليين في دولة الاحتلال – أقلّه الحلقات الثلاث الأولى، التي شاهدوها عشيّة إطلاق المسلسل (الأسبوعيّ) والذي رأوا فيه تطوراً نوعيّاً في صوغ الحكاية مقارنة بسذاجة ومباشرة ظاهرة غلبت على الأعمال المثيلة السابقة لا سيّما أخرها الموسم الثالث من (فوضى) لذات كاتبي سيناريو «طهران» موشي زوندر وأومري شينهار.
كما اتفق معظمهم على مدح أداء الممثلة اليهوديّة نيف سلطان وقدرتها التحدّث بالفارسيّة بطلاقة، (إلى جانب معظم مقدّمي الأدوار الإيرانيّة – وهم معارضون للحكومة الإيرانيّة مقيمون في الخارج ).
لكن ما يقوله النّقاد المحليّون في الكيان شيء، والحقيقة شيء آخر. فالعمل برمتّه منتج بروبوباغندا دعائيّ خالص، لا يخرج من دائرة الحرب الثقافيّة – السايكولوجيّة الموجهة أولاً نحو الجمهور العبري بكل مآزقه قبل الآخرين، وقائم على ذات المكونات التي صارت ممّلة إلى حد كبير وتفترض مُسبقاً جهل المشاهد بالواقع وبالتاريخ معاً: ثنائيّة الأخيار الإسرائيليين مقابل الأشرار (الفلسطينيين، أو العرب والآن الإيرانيين)، والانتصار المحسوم للعبراني على الأعداء، كما تأليه البطل العبراني وتشويه إنسانيّة الآخرين، وقلب الوقائع والحقائق لمنح الكيان العبري تفوقاً أخلاقيّاً وانتصاراً مادّياً – ولو وهميّاً – يرضي غرور شعب الله المختار ويوقع الوهن في قلوب أعدائه.
«أبل تي في بلس» آخر الملتحقين بالمنصّة
بالطبع فإن لكل أمة منتجيها الأيديولوجيّين الذين يتخصصون في بيع مواطنيهم سرديّات اجتماعيّة وثقافيّة وتاريخيّة تخدم أغراض الطبقة الحاكمة وتكرّس الهويّة الجمعيّة المشتركة بين المواطنين. ويغرق الشرق الأوسط كلّه بألوان متناقضة من البضائع الأيديولوجيّة تأريخاً، وأعمالاً دراميّة وأخباراً كاذبة وسرديّات استخباريّة تمجّد طرفاً وتحقّر من مكانة الآخرين، ولذا فإن «الإسرائيلي» لا يلام على مشاركته الكثيفة في إعداد هذه المائدة المسمومة. لكن خطورتها إنسانياً متأتيّة من ذلك التشبيك الوثيق بين منتجات الدعايّة الإسرائيلية الفجّة ومنصات (الستيريمنغ) الأمريكيّة ذات الحضور المعولم العابر للقارات.
فالأخيرة بحكم هيمنتها المطلقة، أصبحت تمتلك مفاتيح الوصول المؤثر إلى عقول مليارات البشر عبر العالم من خلال صيغة البث على الإنترنت، التي كسرت خلال العقد الماضي احتكار التليفزيونات والسينما بأشكالها التقليديّة على المنتجات البصريّة، وأصبحت – بمجموعها أو «نيتفليكس» وأخواتها كما يَسِمُها البعض – بديلاً عصريّاً زهيد التكلفة لا غنى عنه للإنسان المعاصر. وقد دأبت هذه المنصات في السنوات الخمس الأخيرة على الاستثمار بكثافة في شراء وإنتاج وعرض إنتاجات الدّراما الإسرائيليّة المسيّسة وتوفيرها لقاعدة جمهورها العالمي العريض وفي عدة لغات، وهو أمر يعني ببساطة أن هذه المنصّات ليست في النهاية سوى مخازن إنتاجات مؤدلجة منحازة سياسياً ومفعمة بالإهانة لشعوب دون أخرى، ومسوّقة فجّة للبروباغاندا وإن كان الجديد فيها أن المستهلك – المتلقي ينبغي له أن يدفع اشتراكاً شهرياً ليشتري حق مشاهدة هذه البضاعة الفاسدة.
شركة «أبل تي في بلس» هي آخر الملتحقين بركاب اللعبة المؤدلجة، والتي وإن وصلت إلى منصات الستريمنغ الأمريكيّة متأخرة – مقارنة مع إتش بي أو ونيتفليكس مثلاً – إلا أنّها فرضت وجودها بسرعة كلاعب أساس من خلال تقديم إنتاجات حصريّة كبرى، والاستفادة من سهولة استقطاب مستعملي هواتفها الذكيّة عبر العالم.
وقد أعلنت الشركة منتصف هذا الشهر بأنها اشترت حقوق «طهران» الجديد خارج الكيان، وأنها ستعرضه قريباً على جمهورها الممتد عبر 135 بلداً حول العالم، مما عدّه الإسرائيليون مكسباً وتراكماً لرأس المال الثقافي – السياسي، ناهيك عن ملايين الدولارات، التي ستعود على ماكينة الإعلام العبريّة لا سيّما خدمة تليفزيون كان – منتج المسلسل – التي لا يتجاوز عمرها التشغيليّ ثلاث سنوات.
تراكم للانتصارات الدراميّة: إسرائيل تعالج نفسها؟
مشروع إسرائيل بنقل بندقية حروبها العسكريّة والاستخباراتيّة من كتِفِ الواقع إلى كتِفِ الدراما التلفزيونيّة – بالتشبيك مع منصات الستريمنغ الأمريكيّة الصديقة – حيث تسجيل الانتصارات الوهميّة لا يكلّف استثمارات في معدات عسكريّة متطّورة أو سيلاً من صناديق جثث القتلى المعدّة للدفن يخدم بالضرورة الأهداف الاستراتيجيّة للكيان العبري. فهو على المستوى المحليّ مَصْهَرُ تكوين أيديولوجي فاعل للإسرائيليين المتعددي الأصول والمنابت والثقافات بحكم التكوين الملفّق، وعلى المستوى الإقليمي سلاح حرب ثقافيّة (ناعمة) تفرض على سكان المنطقة التشبّع بثقافة الغرباء وتعوّد فكرة تفوقهم المزعوم، وعلى المستوى العالمي بناء رأي عام دولي الطابع يقبل السرديّة الإسرائيليّة ورؤيتها الأحاديّة للصراع في الشرق الأوسط كجزء من المكوّن الثقافيّ للشعوب خارج نطاق الاشتباك، ناهيك بالطبع عن الربط ثقافيّاً وعقائدياً مع الأجيال الجديدة من يهود الولايات المتحدة وأوروبا الذين يفقدون بشكل متزايد اهتمامهم بالأساطير التقليديّة للصهيونيّة العالميّة.
الواقع أن هذا المشروع تحديداً، والعناية التي تمنح له على مختلف الصعد داخل الكيان والدّعم المفتوح الذي يتلقاه من قبل الأدوات الثقافيّة للحليف الأمريكيّ ليست أعراض صحّة وقوّة وجبروت، بل هي – ما وراء النظرة الأولى -دليل سقم وتأزّم وعقدة وجود أبديّة تنخر بالعقل الإسرائيليّ كل الوقت.
فمجرّد حاجة العبراني لتنظيم هذا المجهود الأيديولوجي الضخم تكشف عن محاولة للتظاهر بالقوّة والتماسك في وقت فقدت هذه القاعدة الاستيطانيّة الغربيّة المزروعة في قلب الشرق كل قيمة استراتيجيّة لها وأصبحت في حساب المنطق البارد عبئاً عسكريّاً وماليّاً وثقافيّاً دائم النزف، لا سيّما وأن آخر الانتصارات العسكريّة المبهرة للكيان (1967) – بكل ملابساتها ومسرحياتها – مرّت عليه أكثر من خمسة عقود الآن ويكاد يخرج نهائيّاً من ذاكرة الشعوب لينتقل بالكليّة إلى أوراق الكتب وشرائط الأفلام الوثائقيّة.
وفي السيّاق ذاته يبدو الإنتاج الدراميّ الإسرائيلي برمّته شديد الفجاجة باجتراره لسرديّة سقيمة منحازة لا إنسانيّة مفعمة بالمبالغات الأسطوريّة الطابع وبكثير احتقار للآخرين على نحو لم يعد ليقنع الأجيال الجديدة التي – وعلى خلاف الأجيال السابقة – تتوفر على مصادر عدّة للمعلومة والترفيه وليست مضطرة بالضرورة لازدراد المنتج المتصهين، وهو أمر ينطبق على الإسرائيليين أنفسهم، كما يهود الخارج قبل أن ينطبق على الشعوب الأخرى.
وليس قليلاً حقيقة أن مسلسل «فوضى» وبقيّة الأعمال العبريّة المماثلة تجد لها صدى حصراً في مجموعات وشعوب تعيش بارانويا كراهيّة الآخر وتصاعد الفاشيّات الجديدة، كما لدى العنصريين الهندوس (ضد الكشميريين مثلاً) والعنصريين الأمريكيين (ضد الأقليّات الملونّة والمهاجرين)، فيما لا تكاد تعبأ بها معظم المجموعات الثقافيّة الأخرى، بل ولقيت انتقادات شديدة من بعض أطياف المجتمع الإسرائيليّ ذاته.
الكيان العبرانيّ غارق لأذنيه في وحل أزمته الوجوديّة، والدّراما التي يسوقها للعالم عبر الأمريكيين عن انتصاراته المزعومة من الضفة الغربيّة إلى السودان ومن القاهرة إلى دمشق ومن غزّة إلى طهران دليل ضعف بنيوي لا فائض قوّة مهما تظاهر الإسرائيليون بعكس ذلك.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن