لندن – “القدس العربي”: حقق مدرب ريال مدريد زين الدين زيدان، الهدف المنشود بعد استئناف النشاط الكروي في إسبانيا، بجمع العلامة كاملة في أول أربع مواجهات، وتقديم نسخة أكثر إقناعا وجدية مما كان عليها في مبارياته الأخيرة قبل توقف الجائحة الإجباري، والأهم من هذا وذاك، استعادة صدارة الليغا ولو بأفضلية المواجهات المباشرة عن الغريم الكتالوني برشلونة، بعد هدية إشبيلية الثمينة في الأسبوع الـ30، بعرقلة ليونيل ميسي وأصدقائه في موقعة “رامون سانشيز بيثخوان”، التي انتهت على نتيجة البياض، وبالتبعية فتحت المجال لعودة زيزو وكتيبته للصدارة، إلى أن يقرروا مصيرهم، إما بإظهار وإثبات قدرتهم على الاحتفاظ بمكانهم حتى إطلاق صافرة نهاية الموسم، أو التنازل عنه ومن ثم العودة إلى فصول الأمس القريب الباردة، كما خسر أمام ريال بيتيس في الأسبوع التالي لفوزه على البلو غرانا في كلاسيكو “سانتياغو بيرنابيو”.
ماذا تغير في ريال مدريد؟
في تحليل بعنوان “ماذا يحتاج زيدان وسيتيين لحسم الصراع على لقب الليغا؟”، كنا قد توقفنا كثيرا عند العوامل الفارقة، أو بالأحرى متغيرات ما بعد توقف كورونا، التي من شأنها أن ترجح كفة مدرب على الآخر في ما تبقى من الموسم. وكان واضحا حتى هذه اللحظة، قبل لقاء إسبانيول والملكي اليوم، أن الأمور جرت كما خطط لها المدرب الفرنسي، باستخدام ولا أروع للكاريزما المعروفة عنه، ليصيب عصفورين بحجر واحد، الأول بإحكام سيطرته على غرفة خلع الملابس، لمنع حدوث أي تراخي في الربع الأخير والأهم في الموسم، والثاني للاستفادة بشكل حقيقي وملموس من كل المتاحين في القائمة. وتجلى ذلك، في قتال وشراسة اللاعبين داخل المستطيل الأخضر، كرسالة واضحة لنوايا الميرينغي لإنهاء هيمنة البارسا على اللقب في العشرين سنة الأخيرة بالذات، وبالنظر إلى الروح القتالية التي هبطت على راموس وباقي الأصدقاء في أول 4 مباريات بعد التوقف الطويل، سنجد أنها لم تسقط كهدية من السماء، بل لعبقرية وتوفيق زيدان في عملية “المداورة”، كأكثر مدرب منح الفرصة لأكبر عدد من اللاعبين بعد استئناف النشاط، رغم أنه في المباريات الأولى، كان بالكاد يجري ثلاثة تغييرات، ولم يستخدم ميزة التغييرات الخمسة إلا في سهرة الأربعاء أمام بلباو، التي انتهت بهدفي فينسيسوس جونيور ولوحة سيرخيو راموس الإبداعية، وكان ذلك، بهدف إراحة اللاعبين في آخر 20 دقيقة، في ما يُعرف بالمصطلح الكروي الدارج “لعب اقتصادي”، لتوفير طاقتهم لفترة “الروزنامة” المضغوطة، التي سيخوض خلالها الفريق مباراتين في غضون 62 ساعة، أمام خيتافي في الدربي العاصمي المصغر في آخر ساعات الخميس، ثم زيارة “سان ماميس” للاصطدام بمضيفه الباسكي أتلتيك بلباو ظهر الأحد في المرحلة الـ34.
المرونة التكتيكية
الشيء الملاحظ في مباريات الريال الأخيرة، أن الفريق يقدم نكهة مختلفة داخل المستطيل الأخضر، ليس ذاك الفريق المتقلب، الذي فقد ثقة المشجعين بعد رحيل الجلاد كريستيانو رونالدو، وكما أشرنا، الفضل الأول يرجع لزيزو، الذي نجح وبامتياز في تجويع نجوم “لا ديسما” مرة أخرى، بعد حالة الهبوط الجماعي التي أصابت قدامى اللاعبين لتأثرهم من تخمة البطولات، وفعل ذلك، بتهديدهم بشكل لطيف، على غرار ما فعله مع الشاب الأوروغواني فيدريكو فالفيردي، بإعطائه فرصة العمر، لتنفجر موهبته بجوار البرازيلي كاسيميرو، وذلك على حساب لوكا مودريتش في بعض الأوقات والألماني توني كروس في أوقات أخرى، ونفس الأمر فعله مع مارسيلو، بإعطاء دقائق أكثر لمواطنه الفرنسي فيرلاند ميندي، حتى فينيسيوس جونيور، استخدمه كورقة ضغط على جناح يهتز مستواه، ويُحسب لزيدان، أنه لم ينقلب على المراهق البرازيلي، حتى في أتعس لحظاته، عندما كان يتفنن في إهدار الفرص السهلة في بعض الأوقات الحاسمة، ليجني ثمار صبره على الجوهرة البرازيلية، بالنسخة المبشرة التي يبدو عليها اللاعب، بعدما تأكد من ثقة مدربه، وإلا لما صنع الفارق في اختبار “أنويتا” المعقد. وفي المباراة التالية، تلقى المكافأة الفورية، بما فعله زيدان، بتغيير أسلوبه المفضل 4-3-3 إلى 4-2-3-1، بالاعتماد على قائد الكروات بجانب فالفيردي كمحوري ارتكاز لتعويض غياب كاسيميرو الموقوف لتراكم البطاقات الصفراء، وأمامهم الثلاثي إيدين هازارد، وغاريث بيل وفينسيسوس ثم كريم بنزيما في مركز رأس الحربة، وحسنا فعل صاحب الـ20 عاما، بتهديد وإزعاج بلا توقف للدفاع، ما أعطى إيحاء لكل من شاهد المباراة، وكأن وصول الملكي لشباك مايوركا مجرد مسألة وقت، وهو ما فعله لاعب سانتوس السابق، بتسجيل هدف أخذ زمام المبادرة، بنفس الطريقة، التي كان يهدر بها عشرات الفرص في الماضي غير البعيد، وهذه نتيجة الثقة وصبر زيدان، بجانب ذلك، تحرر اللاعب من الضغوط الجماهيرية، ويظهر ذلك بوضوح، في الأريحية التي يلعب بها وأسلوبه البريء في الاحتفال، على عكس وضعه عندما كان يلعب أمام جماهير النادي، حيث كان ينفجر من البكاء بعد كل هدف، وهذا في حد ذاته، أحد أهم مكاسب زيدان والريال في فترة ما بعد كورونا، ومن العوامل التي ساهمت في الانتفاضة الأخيرة، ومع استمراره في التطور، سيكون مشروع “غالاكتيكو” في غضون عامين أو ثلاثة على أقصى تقدير.
انتفاضة الرجال المخلصين
كان زيزو في أمس الحاجة لدعم ومساعدة رجاله الكبار المخلصين، ليتخلص الفريق من عيوبه في فترة ما قبل كورونا، بما في ذلك، صداع تذبذب الأداء الجماعي والنتائج من مباراة لأخرى، وهو ما لمسه في جُل المؤثرين، خصوصا المدافعين والمهاجمين، والإشارة إلى ثنائي قلب الدفاع رافاييل فاران والقائد سيرخيو راموس، ولاعبه المفضل بنزيما، لتأثيرهم الكبير في نتائج الفريق في المباريات الماضية، ويظهر ذلك بوضوح، في الصورة المبهرة التي يبدو عليها القائد الأندلسي منذ العودة من توقف كورونا، والأمر لا يقتصر على دوره الأساسي، الذي يؤديه باقتدار لحماية الحارس تيبو كورتوا، بل أيضا في الغلة التهديفية، بتسجيل ثلاثة أهداف من أصل عشرة أهداف سجلها الفريق قبل زيارة “باور 8” مساء اليوم، 30% من إجمالي الأهداف، ومنهم هدفه السينمائي في مايوركا، الذي أزاح به رونالد كومان من على صدارة هدافي المدافعين التاريخيين لليغا بـ68 هدفا، ونفس الأمر ينطبق على ذي الأصول الجزائرية، بتوقيعه هو الآخر على ثلاثة أهداف، مع مستوى أقل ما يقال عنه “جيد جدا”، ليرفع رصيده لـ17 هدفا، على بعد 5 أهداف من كبير الهدافين ميسي، على النقيض تماما، من الصورة النمطية والانطباع المأخوذ عنه حتى فترة قصيرة، كمهاجم منحوس أو محظوظ، المهم أي شيء بعيدا عن المصطلحات الرنانة المعروفة عن رؤوس الحربة مثل “قناص” أو “هداف”، إلا أنه في الآونة الأخيرة، بدأ يرد وبكل عنف على المشككين، كما صنع الفارق في اللقاء الأصعب أمام خفافيش الميستايا، بتسجيل هدفين، منهم هدف عالمي سيبقى في الذاكرة فترة طويلة، وما ساعده على ذلك، إيجاد الجودة التي تساعده على اللعب بهذه الأريحية، متمثلة في عودة إيدين هازارد وماركو أسينسيو، وكأن الإدارة جلبت لزيزو صفقتين بملايين طائلة خصيصا للربع الأخير للموسم، وهو ما أشعل المنافسة بين الجميع، وساهم بشكل مباشر في انفجار طاقة فينيسيوس، لخوفه على مكانه ومستقبله عموما في النادي بعد عودة من هم أكثر خبرة منه، بجانب جيش المنافسين في نفس المركز، منهم رودريغو غوس وغاريث بيل وماريانو دياز ولوكاس فاسكيز وبدرجة أقل لوكا يوفيتش، وهذا جعل الريال أكثر تنوعا وشراسة في الشق الهجومي عما كان قبل التوقف، وكأنه تخلص من صداع “عقم المهاجمين”، الذي كان الحلقة الأضعف، بعد الانتهاء من جُل مشاكل الدفاع والوسط حتى بداية مارس/ آذار، كما كانت وما زالت تعكس لغة الأرقام، باستقباله 21 هدفا في 31 مباراة، وهو رقم يحدث للمرة الأولى هذا القرن وللمرة الثانية منذ 32 عاما، وهذا يظهر مدى تأثير ودور الدفاع في صمود الريال في صراعه مع البارسا على اللقب، ما يعني، أنه مع استمرار الوضع الحالي كما هو عليه، فبنسبة كبيرة، سيحقق زيدان الهدف الرئيسي المطلوب هذا الموسم، بإعادة الليغا إلى النادي.
لغز برشلونة
في الوقت الذي تحول فيه ريال مدريد إلى وحش كاسر يهزم منافسيه الواحد تلو الآخر بكل سهولة وأريحية، من دون استنفاد طاقة اللاعبين وبتناوب أكثر من رائع، هناك في المعسكر الآخر، الأمور تبدو وكأنها لا تسير على ما يرام، باستثناء البداية الجيدة أمام مايوركا، باكتساحه برباعية لا هوادة في أول مباراة بعد التوقف، لكن بعدها، عادت النسخة المحبطة، التي لا تختلف كثيرا عن حقبة عدو الجماهير ارنيستو فالفيردي، رغم أن الإدارة جاءت بكيكي سيتيين، ليعيد مدرسة “تيكي تاكا”، لكن على أرض الواقع، قدم الفريق صورة غير مبشرة لقدرته على مواصلة الصراع مع الريال، أو بمعنى أدق، أعطى إيحاء لمشجعيه بأنه قابل للتفريط في نقاط أخرى بعد ضياع أول نقطتين في قلعة الأندلس، وذلك لعدم وجود جديد للطريقة التي يجمع بها الفريق نقاطه في السنوات القليلة الماضية، بلحظة خارقة من ليونيل ميسي، وفي الخلف ينوب الحارس تير شتيغن عن المدافعين بتصديات لا تصدق. أما بالنظر إلى الأسماء التي يعول عليها المدرب ومن قبل المشجعين، كأنطوان غريزمان أو لويس سواريز وآخرين، فشلوا في صناعة الفارق بدون حلول ليو. بالنسبة للفرنسي غريزمان، فما زال يعيش في واد والفريق بأكمله في واد آخر، وأحيانا لتوظيفه الخاطئ من قبل المدرب، بالاعتماد عليه في مركز الجناح الأيمن أو الأيسر، بعيدا عن مركزه المفضل في السنوات الماضية، كمهاجم وهمي في العمق بجانب رأس الحربة الصريح، وإلى الآن يمكن القول، أنه خيب آمال المشجعين، بظهوره بصورة مختلفة تماما عما كانت في مخيلتهم عند رؤيته بجانب السفاح والبرغوث. والأمر الصادم الجديد، أن سواريز، يبصم على مباريات للنسيان، تظهر في رعونته وأنانيته أمام المرمى. حتى الوسط، ما زال تقليديا بالطريقة المكشوفة، بالتركيز على وضع الكرة بين قدمي ميسي في آخر 25 متراً في الملعب، من دون البحث عن حلول أخرى. الاستثناء كان المراهق ريكي بويج الذي ظهر تأثيره بعد مشاركته كبديل على حساب آرثور في الشوط الثاني أمام بلباو، ومثله فاتي الذي يؤدي بشكل جيد كلما أتيحت الفرصة، والأمر يرجع لتقدم البعض في العمر مثل سيرخيو بوسكيتس وإيفان راكيتيتش، بجانب غياب عملة اللاعب الخلاق، القادر على ربط الوسط بالهجوم، وباستطاعته إيجاد حلول بالتحرك بين الخطوط والاحتفاظ بالكرة وتمريرها بدقة سواء في العمل أو على الأطراف، الدور الذي كان يقوم الأسطورة تشافي هيرنانديز والرسام أندريس إنييستا، لهذا، يبدو برشلونة وكأنه بلا حلول كلما واجه القلائل المنظمين دفاعيا، إلا إذا جاءت الانفراجة بقرار فردي من ميسي، وهذا الأمر، بدأ يؤثر على تركيزه، كما شاهدناه يثور ويخرج عن النص أمام إشبيلية وبلباو، تارة بإسقاط لاعب أرضا على مرأى ومسمع الجميع، بمن فيهم حكم الفيديو، ولقطة أخرى دهس فيها قدم اللاعب الباسكي، والأمر المثير، أن في المرتين لم يعاقبه الحكم ولو ببطاقة صفراء، ضمن قرارات حكام الليغا التي أثارت جدلا على نطاق واسع، كهدف سوسييداد الملغي في مرمى تيبو كوروتوا، وهدف كريم بنزيما في المباراة ذاتها.
يوليو الحاسم
بصرف النظر عن قرارات حكام الليغا ومدى تأثيرها على الصراع المشتعل بين الكبيرين، فالطريقة التي عبر بها كيكي سيتيين وفريقه في الاختبارات المتوسطة والصعبة الأولى، تحتاج مراجعة فورية، وإلا ستصدق توقعات قائد الدفاع جيرار بيكيه، الذي لوح برفع الراية البيضاء، لإدراكه صعوبة المهمة، في حال استمر الأداء الروتيني كما هو عليه في المباريات الفاصلة على اللقب، وستكون البداية بعد 48 ساعة من الآن، باستقبال أتلتيكو مدريد في “كامب نو”، في القمة التي ستظهر جدية البارسا من عدمها في الاحتفاظ بلقبه المفضل للموسم الثالث على التوالي، وبعدها سيحل ضيفا على ملعب “لا سيراميكا” لمواجهة فياريال في نفس يوم زيارة الريال لقلعة “سان ماميس”، ما يعني أن بداية يوليو / تموز، ستكون حاسمة على اللقب بنسبة تزيد على 80%، كما كان يطلق على أبريل / نيسان شهر الحسم، وذلك لصعوبة حدوث مفاجآت غير متبقية في الجولات الأربع الأخيرة، التي سيواجه خلالها البارسا كلاً من إسبانيول وأوساسونا على ملعبه وبلد الوليد وديبورتيفو ألافيس في الخارج، وبالنسبة للميرينغي سيستضيف ديبورتيفو ألافيس وفياريال وغرناطة وليغانيس خارج قواعده، وهي مؤشرات تظهر أفضلية الريال لسهولة مبارياته مقارنة مع الكتالان، بجانب تماسك الفريق الأبيض أكثر من غريمه الأزلي. لكن في عالم كرة القدم، قد تتبدل الأوضاع أسرع مما نتخيل، وفي وجود ميسي حتى وإن لم يكن في أفضل حالاته لتأثره بضغط المباريات المتواصلة، ستبقى فرص برشلونة قائمة إلى أن يُحسم الصراع بشكل رسمي، فهل يا ترى سيستمر ريال مدريد بنفس الزخم الى النهاية؟ أم ستعود لعبة الكراسي الموسيقية ويذهب في النهاية لمن يستحقه من الكبيرين؟ دعونا ننتظر ونستمتع بالجولتين الحاسمتين القادمتين.