ما الذي حملته أول زيارة لقيس سعيّد إلى فرنسا؟

آدم جابر
حجم الخط
1

باريس منحت تونس مساعدة مالية بقيمة 350 مليون يورو

باريس-“القدس العربي”: رغم أن الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد، كان قد لمّح خلال حملته الانتخابية إلى أن سياسته الخارجية ستركّز على الدول العربية، جاعلاً من القضية الفلسطينة في قلب خطاباتها، إلا أن العلاقات مع فرنسا، المستعمر السابق والشريك الاقتصادي الأول، سُرعان ما فرضت نفسها ضمن أولويات ساكن قرطاج الجديد، كما هو الحال مع جميع أسلافه. وتجسد ذلك في زيارة العمل والصداقة التي قام بها قيس سعيّد إلى باريس يومي الثاني والعشرين والثالث والعشرين من شهر حزيران/يونيو الجاري، لتكون بذلك ثالث محطاته الخارجية منذ وصوله إلى سدة الحكم في تونس في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أي بعد الزيارة الخاطفة التي قادته إلى سلطنة عمان لتقديم واجب العزاء في وفاة السلطان قابوس، ثم بعد ذلك إلى الجزائر، في زيارة عمل وصداقة كان قد وعد بها مراراً وتكرارا خلال حملته الانتخابية.

وزيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى باريس بداية الأسبوع، بدعوة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، تعد الأولى له إلى فرنسا بشكل خاص والبلدان الغربية عموماً، منذ أن تولى مهامه على رأس الدولة التونسية في تشرين الأول/اكتوبر الماضي. والحقيقة أن السعي إلى ربط توقيت هذه الزيارة بوضع تونس وفرنسا الاقتصادي والاجتماعي ووضع رئيسي البلدين من شأنه أن يساعد كثيرا، من جهة في بلورة صورة عن الطريقة التي يمكن من خلالها توظيف الزيارة لمنح العلاقات الثنائية دفعة جديدة. ومن جهة أخرى، فإن مواقف تونس وباريس حيال بعض الملفات الإقليمية الساخنة، ولاسيما الملف الليبي، تسمح بإعطاء فكرة حول ما إذا كان تقارب هذه المواقف أو تباينها يخدم مساعي تعزيز التعاون التونسي-الفرنسي، في مجال العلاقات الثنائية، ولكن أيضا في يتعلق  بالتنسيق الدبلوماسي والسياسي بشأن عدد من الملفات الإقليمية والعالمية الساخنة.

المطالب الاجتماعية

ففرنسا الغارقة في البحث عن مخرج اقتصادي للأزمة الخانقة الناجمة عن التفشي الكبير لوباء كورونا وقيود الحجر الصحي التي فرضت فيها خلالها نحو شهرين، ما زالت أيضاً لم تتخلص بعدُ من الصورة التي نقلتها حركة “السترات الصفر” عام 2019 عن تعامل طبقتها السياسية مع مشاكل شرائح من المجتمع ليسوا جميعهم من العاطلين، ولكنهم اهتدوا إلى أن ظروفهم المعيشية تسوء بوتيرة متسارعة.

أما بالنسبة لتونس، فزيارة رئيسها قيس سعيد الأولى إلى باريس، أتت في ظل سياق اجتماعي صعب كانت معالمه قد تشكلت حتى قبل بداية أزمة وباء كورونا، حيث ثمة شرائح كثيرة داخل المجتمع التونسي ترى أن أوضاعها قد ساءت بشكل غير مسبوق في ظل عدم اهتمام الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد بهمومها اليومية.

ورغم أن هذه الشرائح تقر عموماً بأن الصفحة التي فتحتها ثورة الياسمين في تاريخ تونس تبدو مضيئة في مجال حرية الرأي والتعبير، إلا أنها ترى أن حقوقها الاجتماعية ما تزال مهمشة، في ظل اهتمام الأحزاب السياسية بمواضيع ومسائل بعيدة كل البعد عن مشاكل الناس اليومية.

وأيضاً، جاءت زيارة قيس سعيد إلى فرنسا وسط ظرف اجتماعي وسياسي دقيق جدا تمر به تونس. فالاحتجاجات التي شهدها مؤخراً جنوب البلاد وبالتحديد ولاية تطاوين،  تعتبر من ناحية، صدى غير جيد لرسالة دأب الرئيس التونسي على تَكرارها خلال وبعد حملته الانتخابية، ومفادها أن إشراك الشباب ضرورة قصوى. ويسعى هؤلاء الشباب الذين احتجوا في ولاية تطاوين إلى تذكير الدولة التونسية بأنها لم توف بالتزامات كانت قد تعهدت بها عام 2017 لتشغيلهم (أي قبل عامين من صول قيس سعيد إلى السلطة). ومن ناحية أخرى، بدأ التصدع يتسرب إلى الائتلاف الحاكم في تونس، ما يثير  المخاوف من الدخول في فترة عدم استقرار سياسي قد تكون له عواقب وخيمة.

وفعلاً، قدم الرئيس التونسي إلى فرنسا، آملاً في الحصول على مساعدات مالية تخصص أساسا للتنمية في المناطق الداخلية. وبالتالي، يمكن القول إنه لم يخب أمله؛ إذ أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده قررت منح تونس مساعدة مالية بقيمة 350 مليون يورو، في إطار التزامات كانت باريس قد قطعتها على نفسها تجاه تونس في وقت سابق وتقضي بمنحها مساعدات في شكل هبات وقروض بقيمة مليار وسبع مئة مليون يورو خلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2022. كما التزمت فرنسا بمساعدة تونس على إصلاح منظومتها الصحية من خلال عدة مشاريع، منها مشروع المدينة الصحية في مدينة القيروان. وكذلك، المساهمة في إطلاق خط سريع للسكك الحديدية يربط شمال تونس بجنوبها.

بين الحاضر والماضي

وإذا كان الجدل حول الجرائم التي ارتكبتها البلدان الغربية خلال فترة استعمارها لعدد من البلدان الجنوبية قد احتد مؤخراً في العديد من مناطق العالم على خلفية وفاة جورج فلويد المواطن الأمريكي ذي البشرة السوداء اختناقاً تحت ركبة شرطي أبيض؛ فإن هذا الجدل ليس بالجديد بالنسبة إلى فرنسا ومستعمراتها السابقة، وقد سبق له أن عاد إلى الواجهة خلال الحملة الرئاسية الأخيرة التي أتت بإيمانويل كرئيس لفرنسا. هذا الأخير، صرّح في شباط/فبراير عام 2017 خلال حملته الانتخابية أن الاستعمار “جريمة” مشدداً على ذلك في رسالة موجهة أساسا إلى الجزائريين. لكنه سرعان ما اضطر إلى التراجع عن هذا الموقف، بسبب الجدل الذي أثاره وسيل الانتقادات التي وُجهت إليه من عدة أطراف، بما في ذلك حزب اليمين المتطرف وبعض أولئك الذين ما يزالون يَحنون إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية.

وقبل أن يزور الرئيس التونسي قيس سعيد باريس ببضعة أيام، طَرح حزب ائتلاف الكرامة في تونس مذكرة على مجلس النواب تطالب فرنسا بالاعتذار إلى الشعب التونسي عن الجرائم التي ارتكبتها بحقه إبان حقبة الاستعمار 1881-1956 وبتقديم تعويضات عن الأضرار الناجمة عن هذه الجرائم. ولكن مشروع المذكرة هذا، أجهض انطلاقا من قناعة لدى عدد كبير من النواب في البرلمان التونسي من أنه من ليس من مصلحة تونس الذهاب أبعد بشأن هذا الجدل، لأن فرنسا تبقى شريكها الاقتصادي الأساسي ولأن أكبر جالية تونسية في المهجر تعيش في فرنسا (نحو 800 ألف شخص) ولأن غالبية المهاجرين التونسيين المقيمين في فرنسا يحملون أيضا الجنسية الفرنسية. وقد دافع الرئيس التونسي قيس سعيد بشكل أو بآخر عن هذا الطرح في المقابلات التي خص بها وسائل إعلام فرنسية منها صحيفة “لوموند” وقناة “فرانس 24”.

الفخ الليبي

علاوة على العلاقات الثنائية بين باريس وتونس، فإن زيارة الرئيس التونسي إلى باريس وإن كانت تأتي في إطار الدبلوماسية التقليدية التونسية، كما يوضح الكاتب والباحث الأكاديمي عادل اللطيفي لـ”القدس العربي” لكنها جاءت في وقت يفرض فيه الملف الليبي نفسه كأبرز الملفات سخونة بالنسبة للدبلوماسية التونسية الراهنة.

وبقدر ما نجح الرئيس التونسي قيس سعيد في الظهور بمظهر الحريص على تعزيز العلاقات الثنائية بين تونس وباريس، بقدر ما فوجئ العديد من المتابعين بقدرته على اتخاذ موقف مهم جدا من الأزمة الليبية، التي كانت في قلب محادثاته مع مضيفه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ففرنسا، تتابع عن كثب الأصوات الكثيرة التي تعالت في تونس والتي يأخذ بعض أصحابها على الرئيس التونسي عدم قدرته على تجسيد دبلوماسية تونسية نشطة، على عكس ما كان عليه الأمر خلال فترة سلفه الراحل الباجي قايد السبسي أو حتى ما قبل الثورة التونسية في عام 2011.

 ويعتبر بعض السياسيين والنواب (تتهم مجموعة منهم بالموالات لدولة الإمارات العربية المتحدة) أن الرئيس قيس سعيد أفسح بشكل كبير المجال أمام راشد الغنوشي رئيس مجلس النواب وزعيم حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي، للوقوف موقفاً منحازاً إلى حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها من الأمم المتحدة والمدعومة من قبل تركيا التي غير دعمها هذا موازين القوى على الأرض.

ويرى معارضو الغنوشي أن موقفه لا يأخذ في الحسبان مصلحة تونس، التي تقضي بضرورة الحفاظ على موقف يقوم على الحياد من جميع أطراف الأزمة الليبية الداخلية. “فتونس محرجة الآن ولا يمكنها أن تكتفي بمجرد صوت محايد وتعترف بالشرعية” يقول عادل اللطيفي.

والواقع، أن الرئيس التونسي أتى إلى باريس وهو يعلم أيضا أن فرنسا تقف موقفين حيال الأزمة الليبية: الأول، معلن وهو دعم حكومة فائز السراج في طرابلس باعتبار أنها تحظى باعتراف الأمم المتحدة. أما الثاني، فهو غير معلن رسميا ويتمثل في دعم المشير خليفة حفتر والذي كشفته تدريجياً معطيات ميدانية منذ عام 2016 كما تحدثت عن ذلك عدة تقارير صحافية، والتي لم تفوت الإشارة إلى اصطفاف فرنسا إلى جانب القاهرة في دعم حفتر، من دوافع اقتصادية، باعتبار أن مصر تعدّ شريكاً مهماً لها في المنطقة المتوسطية.

لكن العديد من المراقبين يَرَوْن أن “ضربة المعلم” التي استطاع الرئيس التونسي قيس سعيّد توجيهها إلى من يأخذون عليه عدم “مهنيته” الدبلوماسية وعدم القدرة على قيادة دبلوماسية تونسية نشطة، تمثلت في تأكيده،  أمام الرئيس الفرنسي ولدى وسائل الإعلام الفرنسية، أن حكومة السراج هي الحكومة الشرعية في ليبيا ولكن هذه الشرعية “مؤقتة” لأن الشرعية الحقيقية- بحسبه – هي تلك التي يمنحها الشعب الليبي لهذا الطرف الليبي أو ذاك من خلال انتخابات شفافة ونزيهة تمهد لفتح صفحة جديدة يشارك الليبيون لا غيرهم في كتابتها.

ويتفق مراقبون ومحللون سياسيون على أن  زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد الأولى إلى باريس، سمحت فعلاً بمنح العلاقات التونسية-الفرنسية الجديدة انطلاقة جيدة بالنسبة إلى مصالح كلا البلدين. كما أن سعيد استغل- وفق بعضهم- أيضاً هذه الزيارة لتوجيه رسالة إلى البلدان الغربية بأنه “شخصية مستقلة وأنه ليس دمية في يد هذا الحزب أو ذلك في تونس”.

ا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية