آلام في المعدة. عرق بارد. قلبي في حلقي.. كلنا قد جربنا بشكل أو بآخر هذه الأحاسيس الجسمانية وخبرتنا الذاتية بالعواطف أي الشعور. فهل الأحاسيس الجسمانية تُثار بالعواطف، أو على العكس هي التي تثير العواطف؟ وقد أثار هذا السؤال جدلا استغرق أجيالا، ولم نحصل بعدُ على إجابة واضحة حتى الآن هذا ما يقوله دافيد ساندر في كتابه «سطوة العواطف» الذي ترجمه طلعت مطر، وصدر عن دار رؤية للنشر والتوزيع. في سطوة العواطف، يطرح دافيد ساندر عدة أسئلة منها: هل العواطف على وشك أن يُنظر إليها على أنها ليست وظيفة ثانوية بل أساسية في الطبيعة الإنسانية؟ وكيف يمكن أن يكون شكل العالم بدون عواطف؟ وكم عدد العواطف التي لدينا؟ وهل هناك عواطف خفية أكثر من الأخرى؟ وهل نستطيع أن نرسم هرما مقلوبا للعواطف؟ وهل تتميز بعض العواطف بمكانة خاصة؟ وهل توجد عواطف ثابتة وعامة قائمة على أساس بيولوجي موجودة في كل البشر على اختلاف ثقافتهم وألوانهم؟ وهل الكلمات المتقاربة المدلول، كالخوف والهلع والذعر والرعب تعكس عواطف مختلفة؟ أو تنتمي إلى سيناريوهات مختلفة؟
نقيض للعقلانية
في مقدمته يقول عادل مصطفى، إن هذا الكتاب يضطلع بدراسة العواطف «الانفعالات» من جميع جوانبها، والأساس النيوروبيولوجي لهذه الوظيفة السيكولوجية الأساسية، مسترشدا في ذلك بالتطورات الحديثة في تقنيات تصوير الدماغ، التي أتاحت لنا ما لم يكن متاحا للأجيال السابقة، ما مكّن من دراسة الاستجابات الجسمانية أثناء حدوث العواطف، ووضع اليد على كيفية عملها، والمناطق الدماغية التي تقوم بهذا العمل، وقد أثمرت هذه الدراسات نتائج شائقة ستدهش القارئ، وتأخذ بلُبّه وتُغيّر فيه ثوابت ذهنية عتيدة عن العواطف، دَرَج عليها ولم يفكر يوما في وضعها على محك النقد، وأول هذه الثوابت أن العواطف تعوق العقل، وتحيد به عن جادته، وأن تنحية العواطف شرط العمل العقلي السديد. أما المؤلف دافيد ساندر فيقول في مقدمته، إنه رغم أن العواطف تلعب دورا محوريّا في وجودنا، إلا أن دراستها بطريقة علمية، قد أُهْمل زمنا طويلا، غير أن الوضع قد تغيّر الآن، إذ أصبحت العواطف وتداعياتها محل ملاحظة ومقارنة، وتحليل في مجالات كثيرة، كعلم النفس والعلوم العصبية والفلسفة، وتتزايد أعداد الباحثين والعلماء في هذه المجالات، ممن يتحمسون للولوج في عالم العواطف ودراستها. وكما يذكر المؤلف يتطلع اليوم الطب النفسي وعلم النفس الأكلينيكي إلى النظريات المتعلقة بالعواطف لدراسة دورها في العديد من الحالات المرضية، كالقلق والاكتئاب، أو الاضطرابات النمائية كالتوحد. وقد بدأ علماء النفس والعلوم العصبية بدراسة البناء الوظيفي للعمليات العاطفية والمناطق أو الدوائر الدماغية المرتبطة بها. كذلك يذكر المؤلف أنه نُظر إلى العواطف، ولزمن طويل، على أنها نقيض للعقلانية، غير أن تحليل الروابط بين العقل والعواطف يشير إلى أن العواطف لا تتصدر فقط بعض أشكال المعقولية، بل هي نفسها تعتبر عاقلة. وهناك أيضا، وفق ما ذكر ساندر، فئة جديدة من النظريات التي تتجه إلى دراسة العمليات المعرفية، التي تؤدي إلى إثارة العواطف، وتركز هذه النظريات على الآليات العقلية المعرفية، التي تؤدي إلى إثارة العواطف وتطورها حتى تصبح شعورا معينا، كالخوف أو الخجل، أو السعادة.
يقول المؤلف إن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلنا نقدر الفن هو مقدرته على إثارة العواطف، التي تختلف باختلاف العمل الفني. كما أن العواطف التي يثيرها فينا الخيال غالبا ما تكون مصحوبة بالتقييم والأحكام.
ساندر يقول أيضا إن العواطف، رغم كونها ذاتية خالصة، إلا أنها يمكن دراستها دراسة علمية في ظل تطور طرق البحث كثيرا، بسبب التطور في تقنيات تصوير المخ منذ تسعينيات القرن العشرين، بحيث أعطت الانطباع بأنه يمكن جعل الذاتي موضوعيّا. هنا يذكر المؤلف أن أرسطو وديكارت رأيا، ومعهما حديثا علماء النفس التطوريون، أنه توجد مجموعة محدودة من العواطف الأساسية هي، الفرح والحزن والخوف والغضب والامتعاض. غير أن اختلافا في الرأي ظهر حول ما إذا كانت عواطف أخرى كالدهشة والرغبة والاحتقار والخجل، هي أيضا جزء من العواطف الأساسية. مرة أخرى يتساءل ساندر قائلا، أين نقف الآن في ما يتعلق بتقسيم العواطف؟ ويجيب أن هناك اتفاقا على أن مجموعة العواطف الأساسية، وهي الغضب والسرور والحزن والخوف والاشمئزاز، موجودة في كل الجنس البشري، مضيفا أن طبيعة العواطف يبدو أنها تعتمد على متوالية من التقييمات المعرفية للمثيرات المحيطة، وهذه التقييمات تعتمد على خبراتنا، والخلفية الثقافية التي نشأنا فيها. إلى جانب هذا يؤكد المؤلف أن مفهوم الذكاء العاطفي يمثل تقدما مهمّا في فهــــم العلــــاقة بين العقل والعاطفة، وقد اعتبر المذهب الرواقي عند الإغريق والرومان القدماء، أن العواطف متهورة ولا يمكن التنبؤ بها، ولذا فهي لا تصلح للاستعانة بها في التفكير المنطقي.
الفن يثير العواطف
ونتيجة لأحد الأبحاث تم تعريف الذكاء العاطفي على أنه مجموعة من المهارات في التعرف على العواطف والتحكم فيها، التي يمكن أن تُستخدم مع أو ضد المجتمع. المؤلف يؤكد أيضا على أن قوة الاقتران العاطفي بين الفعل غير الأخلاقي، والمشاعر السلبية التي تنتج عنها عواطف مركبة، من الممكن أن تعزز قدرة الجنس البشري على البقاء، وتساعد على الترابط الاجتماعي. وفي ما يخص فهم العواطف في الطفولة المبكرة، يقول المؤلف إن الصغار ليسوا قادرين فقط على الإحساس بآلام الآخرين، لكن الدراسات على السلوك المواسي، أثبتت أن هؤلاء الصغار يستجيبون لكثير من علامات الضيق عند الآخرين، بسلوك يتصف بالمواساة، إذ يتصرفون بطريقة توحي بأنهم يحاولون التخفيف عنهم. وإضافة إلى هذا يؤكد المؤلف أن الأشخاص الذين لا يكترثون بآلام الآخرين، أو خوفهم، أو حزنهم يجدون صعوبة في اندماجهم اجتماعيّا. دافيد ساندر يتساءل أيضا عن كيفية التوفيق بين أحاسيسنا هي شكل من الوعي بالذات من ناحية، وحقيقة أن عواطفنا من ناحية أخرى يمكن أن تكون مُضللة؟ خاصة أنها تشوش على الانتباه والإدراك وتؤثر في قراراتنا وفي أفعالنا، وتكون مسؤولة في بعض الأحيان عن اضطرابات الشخصية. كما يؤكد أن العواطف قد تضعنا في مواقف صعبة، إلا أن تجارب كثيرة أظهرت أنها شكل من الحدوس الجسدية، وأنها تلعب دورا مهمّا في التنظيم العقلاني لتصرفاتنا، من المهم أن نبلوها ونفهمها، لكن ينبغي التأكيد على ألا نترك أمرها للعقل المحض. في أحد فصول الكتاب ينقل ساندر مقولة لبليز باسكال يقول فيها إنه لا شيء أكثر مرارة على الإنسان من أن يكون في حالة خمول تام، بلا شغف ولا عمل ولا دراسة ولا تسلية ولا تحولات.هنا سوف يشعر ببؤسه وانعدام قيمته، وعدم كفاءته، واعتماديته، وضعفه وخوائه. وسوف يشعر من أعماق قلبه بالضجر والحزن والكآبة والضيق والاضطراب.
في موضع آخر يقول المؤلف إن أحد الأسباب الرئيسية التي تجعلنا نقدر الفن هو مقدرته على إثارة العواطف، التي تختلف باختلاف العمل الفني. كما أن العواطف التي يثيرها فينا الخيال غالبا ما تكون مصحوبة بالتقييم والأحكام. في سطوة العواطف يقول ساندر كذلك إن الفلسفة الغربية والتعاليم الدينية، أثرت بشكل ملحوظ في فهمنا للعاطفة، إذ كان يُنظر لها على أنها مرض الروح والعقل، كما أن العلم رأى أن دراسة المشاعر بطريقة دقيقة هو شيء غير ممكن، خاصة أن العواطف عبارة عن ظواهر عقلية معقدة وغامضة، ومكثفة وتستعصي أحيانا على الوصف، أو التفسير.
ويرى دافيد ســــاندر في سطوة العواطف، أن الثورة العلمية في دراسة الوجدان، كانت لها تأثيرات على مجالات علمية عديدة، وعلى نواحٍ شتى في المجتمع.
٭ شاعر ومترجم مصري