الرواية كبيرة جداً، في نحو 300 صفحة، وقصتان صغيرتان منفصلتان، في نحو عشرين صفحة تقريباً، لا علاقة لهما بالرواية قطّ.
قصة شخصيتين رئيستين «هدى وإلهام» وهما شابتان لبنانيتان، هاجرتا إلى الولايات المتحدة، وكان قدرهما أن تستقرا في ديترويت، وتتأقلما فيها، وتأتلفا مع محيطهما الجديد، بحيث بات لبنان وما فيه شبحاً، لا يبدو لهما إلا في الأحلام والذّكريات السود.
قصة هدى رائعة، شيقة، طالبة ثانوية في السّنة النّهائية، تفصل لسبب تافه، لا يسيء إليها، بل إلى التّقاليد السّخيفة التي تربينا عليها، مواطنين ومسؤولين، إذ عثرت هدى على كلمة لا تعرف معناها في مجلة طبية «طبيبك» الوحيدة السّائدة منذ السّتينيات في الوطن العربي، والتي تستهويّ أي مثقّف يريد أن يستفيد من العلم في حياته، الكلمة هي «العادة السّرية»، ولما كانت تعيش في مجتمع نقي منغلق، فلم يكن أحد من معارفها يعرف معنى الكلمة، فذهبت إلى أصغر المعلّمات، وأقربهن إلى نفوس الطّالبات، وسألتها عن المعنى، وبدل أن تجيبها المعلمة اكفهرت، وغضبت، ونقلت الموضوع إلى المديرة، التي «تكهربت» بدورها، وقررت طرد الطّالبة، بدل توعيتها، والإجابة على السّؤال. لكنّ خال هدى المثقّف التّقدمي ذهب إلى المدرسة، وطلب حلّاً وسطاً، وهو ألا تداوم في المدرسة على أن يسمحوا لها بالمشاركة، لإنهاء السّنة الأخيرة للدراسة الثّانوية، فأجيب إلى طلبه وتخّرجت هدى، وتزوّجت من ابن عمها، الهارب من تصفية محتومة شملت عائلته كلها، في نزاع قبلي. ليضطرا إلى الهجرة إلى الولايات المتّحدة، لا خوفاً من النزاع القبلي، بل خوفاً من فوضى الحرب الأهلية، وامتشاق عشرات المنظمات السّياسية أسلحتها، واستشراء القتل على الهويّة، وسيادة شعارات وطنية وطائفيّة ممقوتة.
ثاني أهم شخصية في الرواية هي إلهام، طالبة الثّانوية أيضاً، ابنة عائلة غنيّة مستقرة مع أخواتها ووالديها، لولا دلال أخيها، وفساده، وانحطاطه، وهو مراهق أيضاً، يكبرها بسنة أو سنتين، لكنه عن طريق المصادفة يراها عارية، فيتحرّش بها، ثم يغتصبها، فيفقدها صفاء عيشها، ويبدّد حياتها الآمنة، يقلبها إلى جحيم. وفي حالة كهذه تكون الأمّ عادة، حامية لابنتها المضطهدة، لكنّ هذه الأمّ وقفت إلى جانب الابن، وتركته سادراً في غيه، وهدّدت إلهام، إن هي لم تخضع لأخيها، وأخذت ترشدها كيف تتجنّب الحمل، وتؤمّلها بمساعدتها على الهجرة إلى أمريكا حال نجاحها في الامتحان. في اليوم الأول لوصول هدى إلى ديترويت، تتعرف إلى جارتها في المبنى نفسه «إلهام»، وتنجذب الواحدة نحو الأخرى، فتتصارحان، وتتعاونان، وتحسّان بالسّعادة في حياتهما الجديدة معاً. وتشعران بأنهما تسيران في آفاق تطور ما كانتا لتراياها في وطنهما لبنان. هنا تلعب المصادفة لعبة طبيب يداوي الجروح مهما تعقّدت، إذ تظهر الشخصية الثالثة «ثانوية» لكنّها مهمّة. شخصية شفيق. يصفه الكاتب بوسامة فائقة، وبذكاء عالٍ أيضاً، لكنه منعزل عن المجتمع، لأنّه لا يحسّ بميل إلى الفتيات، وحين تتقرّب منه إلهام في الجامعة تنجذب إليه بشدّة، وتخاله فتى أحلامها الذي قذفته المصادفات ليداوي جروحها، لكنّه عندما يصارحها بمثليته، تنصدم، ولأنّها عقلانيّة، لا تصدّ عنه، بل تتجاوب معه، تفكّر في حلٍ لمشكلته، وتراه خير من يمكن أن يعيش معها، لذلك تتزوّجه، وتنجب منه، وتزداد احتراماً له حينما يترك لها الخيار، إن تتعرّف على غيره إن شاءت، مقابل أن تتركه يعيش حياته خارج البيت مع صديقه، الذي يسكن غير بعيد في مدينة ديترويت، لكنّها لم تستطع أن تتعرف على أيّ شخص يمكن أن يحرّك عواطفها المعطوبة وغريزتها الموؤدة، مكتفية بسعادة يؤمنها لها عيش رغيد في ظلّ الأمان الوارف في البيئة الأمريكيّة، فالحياة مملوءة بالآمال، وهي تعوض المتفائل بفرص شتى بدل الضّائعة.
خَلق الكاتب شخصية هدى قوية، فاعلة، مثيرة، مؤثرة، اذ استطاعت أن تقنعنا بتصرفاتها وسلوكها خيراً أو شراً، سديداً أو منحرفاً، لكنّها عندما تمردت على واقعها واختارت عشيقاً يختلف عن زوجها، بكلّ شيء، لم تعطنا سبباً يبرّر هذه الخيانة. زوجها محبّ لها، متجاوب معها، سهل رؤوف طيّب، لم نقرأ في الرّواية كلّها كلمة واحدة تحطّ من قدره، وهو إلى جانب ذلك يخضع لها خضوعاً شديداً، ويشغف فيها إلى حد الجنون، ويلتزم بما يحميها ويصونها، لكنّها حين رأت هيثم أوّل مرة «شعرت بارتجافة خفيفة تهزّ كيانها، وتعجزها عن الحفاظ على هدوئها.
هنا تلعب المصادفة لعبة طبيب يداوي الجروح مهما تعقّدت، إذ تظهر الشخصية الثالثة «ثانوية» لكنّها مهمّة. شخصية شفيق. يصفه الكاتب بوسامة فائقة، وبذكاء عالٍ أيضاً، لكنه منعزل عن المجتمع، لأنّه لا يحسّ بميل إلى الفتيات.
أحسّت بأنّها غير قادرة على التّوقف عن التّحديق مباشرة إلى عينيه، أو محادثته إلخ» بضربة ريشة خفيفة اختلطت ألوان اللوحة، فاختفت القيم، والأخلاق، وانهارت المبادئ، فهربت من عينه وذهبت الى البيت، ونزعت ملابسها، وأخذت مرش ماء ساخن، ثم بكت، لامت نفسها، لكنّها صارحت إلهام صديقتها، بأنها التقت من زعزعها من الداخل، وقلب كيانها رأساً على عقب، بدون ان يتفوه بكلمة سوى اسمه، وأنها ارتبكت وتلعثمت، وكاد يغمى عليها عندما نظرت إلى وجهه، الذي لم ترَ أجمل منه في حياتها، ووقفت مدهوشة تحدّق في عينيه. وبعد نحو عقدين على زواجها تشعر بالحب، كمراهقة، وتبدأ بالاهتمام بنفسها، وبينما كان زوجها يقضي وقته بالعمل والكدح لتهيئة لوازم الرفاهية لها ولأولادهما. أخذت هدى تقضي وقتها بين أحضان العشيق الوسيم، وتغازله: «أنا هون لأني بحبك أولّا، ولأنه من حقي إنه مارس حريتي، هيدا جسمي، هيدي أنا، وأنا هلأ بكل جوارحي، وكل مشاعري إلك. وحين قبل شفتيها أحست وكأنها تحلق في فضاء من اللذة. استسلمت له. أسبلت يديها، قبل أن تلامس زنده، ذابت، لم تعد تحّس إلا بحرارة شفتيه تكويها، في مختلف أنحاء جسدها المتلهف والمتفتح للحبّ.
لم تكتف بهذا، بل قررت أن تمتهن القوادة، أخذت تخطط أيضاً لتعريف إلهام برجل يطفئ ظمأ جسدها البكر، بعد جريمة الأخ المدلل الفاسد، وقصور الزوج المثلي، لكنها وفي غمار التّخطيط لذلك تلقت فجيعة لم تكن تتوقّعها، فقد تلقت نداءً من الشرطة، أن أصغر أبنائها «ربيع» قتل برصاصة طائشة، انطلقت منه، حينما كان يتدرب بقيادة أبي محمود، الذي ألّف منه ومن أقرانه المتحمسين للثّورة الإيرانيّة فصيلاً يتدرب لنجدة الإمام المهدي.
الشخصية الفاعلة «الكارزمية»
نجح المؤلف في تقديم هدى شخصية كارزمية، مؤثرة، مع امرأة أخرى «مزنة» تفعل ما تريد، بشجاعة وتحدٍ للمجتمع، وهي تعرف أنّها ستقتل إن كٌشفت خيانتها لزوجها، كما جرت العادة في الوطن «لبنان» وبخاصة في عين التوت، قريتها، فقد كتب عن سر آخر، غريب جداً، حيث رأت مزنة وعايشت «نساء تحدّين الواقع، فلم يستسلمن له، ولم يقبلن النّصيب المقسوم، لا بل المفروض عليهن باسم العفة والسترة والسمعة. لم يقبلن قدراً ليس بالضّرورة محتوماً، أردن للحياة أن يكون لها طعم آخر….، فكل بنات عين التوت عرفن تلك القصص المثيرة و»الشجاعة!» في آن، فقررت بدون تردد أنها ستكون من تلك القلة. أخبروا مزنة بأن تستعد، لحفلة زواجها من ابن عمها، لكنّها تحبّ آخر، تعرفت عليه قبل أكثر من شهرين. فماذا تفعل؟ كانت في طريقها للرجوع عند الغروب من المزرعة، عندما رأت يداً تؤشر لها، فاقتربت، ورأت رجلاً جريحاً، في أسفل بطنه، يضغط على الجرح، ليوقف سيل الدماء، فتوسل بها ان تناوله جرعة ماء. وغادر بعد أن أخبرها بأنه مطارد، وسيلجأ إلى الجبل كي لا يلقى عليه القبض. وبعد مدة جاء سليماً وبيده غصن نبتة عطر، رداً للمعروف، وشكرها، وعرف منها أنها مخطوبة لابن عمها، فأخذت منه الغصن، فأثنى على جمالها بإعجاب انتشت له، فأخبرته أنّها مخطوبة لابن عمها، وأن عمرها ست عشرة سنة، فقال لها إنه يكبرها بعشر سنين، وأنه أحبّها من أول نظرة. لكنه لا يستطيع الزواج منها، لأنه مطارد وسيرفض أهلها، تزويجه، كما سترفض كل عائلة عندها بنت صالحة للزواج، ووعدها بأنه سيختفي من حياتها، لكنها قالت له جملة مستقبليّة واعدة، لم يكن يتوقعها منها: «لا تتسرع، الزواج شيء والحب شيء ثان، أنظر إلى هذا البيت، هنا سأعيش مع ابن عمي، في المزرعة».
فرح محسن ووعدها أن يزورها ثانية، وحقق وعده فعاد مساءً بعد أيام فارشدته إلى التصرف السليم: «أنظر، هذا شباك بيتي، تعال بعد منتصف الليل». انتظر محسن تحت الشباك حتى سمعه ينفتح، فقفز هو وبندقيته بسرعة إلى الداخل، لم تضيّع أيَ وقت، تعرّت أمامه فارتبك، ثم وضع بندقيته جانباً واندس معها في الفراش حالاً، ثم نزع ملابسه وهو تحت الغطاء. ويبدو ان المؤلف تأثر بالأفلام الأمريكية، التي تتبّل أي قصة ببهار الجنس، فهو يصف لنا الطريقة كلّ مرة يلتقي فيها حبيبان، واستمرت علاقتهما تزداد عطاء وتوحشاً، فانسلت في إحدى المرات زفراتها التي لم تستطع حبسها، لتنطلق بعدها بصرخة مدويّة متكرّرة، لم تنته إلّا بوقع أقدام قادمة، فحمل محسن ملابسه وقفز من الشباك، وعندما فتحت عينيها رأت ابن العم يستفسر عن سبب الصّراخ. ولم يكن الصّراخ وحده مثيراً، بل كان كل شيء فيها يصرخ كاشفاً واقعها النشاز: شعرها، ملابسها، فراشها المبعثر، وفي الأساس خرسها وعدم إجابتها لزوجها، لكنها قالت له بعد أن هدأ، وبوقاحة: أيّ صريخ تقصد؟ ثم رفضت أن يأتيها بالماء. ورفضت كذلك أن يتبادلا في الغرف، لأنه شكّ فيها، وعندما زارها أبوها بعد أن شرح له زوجها عمق ارتيابه في ما جرى، نصحها أبوها أن تبخّر الغرفة، وتضع فيها نسخة من القرآن لطرد الكوابيس، ثم تذهب مع الزوج إلى الشيخ حسن إمام عين التوت. ويبدو أن الأب يعرف الشيخ حسن، فزاره قبل أن يرى ابنته وزوجها، واتفق كلاهما على رأي واحد، فعندما ذهبت مع زوجها وأبيها لزيارته في اليوم التّالي، بادرهم إنه يعرف لماذا هم هنا، وأن مزنة ضحية لشيخ من شيوخ الجن، لكن الجنيّ غير مؤذ، ثم نظر إلى زوجها وقال له: اعتنِ بها لأنها تحبّك، وهي طاهرة وخلوقة، ثم طلب منهم أن ينفرد بمزنة، وقال لها إن محسن يحبّك، فلا تخشي شيئاً، ومن هذا الليلة نامي مع زوجك، فإذا غفى أيقضيه بصرخة قويّة، حتى يطلب منك أن ينفصل في غرفة وحده ينام فيها، وأخبريني إن ضايقك في المستقبل. وهكذا أصبح الطّريق سالكاً لمحسن كلّ ليلة، كما أصبح أبوها ورجل الدين، قوادين شرعيين، وبات الدّين دستوراً للخيانة الزوجيّة، وقناعاً محكما للشيخ يخفي قوادته فيه، وهكذا نجح العزير في رسم شخصيات تعيش خيانة متنوعة، في بلادنا يرفضها حتى الغرب المتحرر، إن لم تكن باتفاق علني.
لقد تركتني هذه الرواية أمام تساؤلات كثيرة، أيمكن أن تقع أحداث مثل هذه الرواية بين نقيضين في غاية تطرف شديد، فالثانوية تفصل طالبة لمجرد سؤال بريء، بينما يعلم الأب ابنته كيف تخدع زوجها، ويشجعها على الخيانة، ويلقى مساعدة من رجل دين، يخفي فساده في عمامته؟
٭ كاتب عراقي