ما إن هدأت عاصفة الهجوم على الممثل المصري محمد رمضان بعد نجاحه في مسلسل “البرنس” حتى تم استئناف الحرب ضده بعد الإعلان عن اعتزامه تقديم السيرة الذاتية للنجم الأسمر الكبير أحمد زكي، في مسلسل يحمل اسم “الإمبراطور” يتناول قصة حياة الفنان ومشواره الفني ليكون في مقدمة الأعمال الدرامية المُرشحة للعرض في الموسم الرمضاني المقبل.
ويأتي اختيار اسم “الإمبراطور” كعنوان للمسلسل إشارة للدور المتميز الذي لعبة الفنان الراحل أحمد زكي في فيلم “الإمبراطور” الذي جسد فيه شخصية واحد من كبار تجار المخدرات، ونجح فيه نجاحاً باهراً جعله أقرب إلى وصف الشخصية الدرامية المهمة التي تميزت بالجسارة والجرأة، وقد شارك في بطولة هذا الفيلم الذي أنتج قبل عشرين عاماً تقريباً الفنان الراحل عبد الله محمود ورغدة ومحمود حميدة، وهؤلاء قدموا أدواراً نوعية مثيرة وغير تقليدية، ما أدى إلى بقاء الفيلم في شباك التذاكر فترة طويلة وحصده أرقاماً قياسية في بورصة الإيرادات آن ذاك، ولهذا ظل عنوان الفيلم علامة مميزة يشار بها إلى البطل الرئيسي أحمد زكي دليلاً على تفرده وتفوقه وتمكنه من الأداء.
لقد اعتبر المنافسون أن تجسيد شخصية أحمد زكي وقيام محمد رمضان بالبطولة ليس إلا محاولة منه لتثبيت مفهوم أنه الأقرب من حيث الشكل والمضمون للنجم الكبير، ومن ثم فهو الأولى بحمل لقب الإمبراطور الذي ارتبط بزكي منذ أن قدم فيلمه الشهير المُسمى بنفس الاسم، وصار وحده صاحب الامتياز وحامل اللقب، وهو ما يراه البعض نوعاً من الاستحواذ وفرض المقارنة قسراً لترسيخ المفهوم لدى الجمهور بأن رمضان هو خليفة النجم الأسمر في الساحة الفنية والوريث الوحيد لعرش نجوميته بعد وفاة ابنه هيثم الذي خلت الساحة برحيله فدعا ذلك إلى الاستيلاء على تاريخ الأب وانتحال شخصيته.
وقد أتاح الكلام عن المسلسل المرتقب الفرصة لفتح السجال مجدداً حول سينما ودراما السير الذاتية، ما لها وما عليها، خاصة أن هناك مشروعا آخر مماثلا يطرح سيرة المطرب والملحن الكبير محمد فوزي الذي يعكف السيناريست مصطفى محرم حالياً على كتابة سيرته الذاتية لتكون أيضاً مسلسلاً تلفزيونياً يتناول حياته ومشواره الفني الذي بدأ مبكراً في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي وانتهى بوفاة الفنان في منتصف الستينيات وهو لا يزال في سن الشباب، وربما تساعد هذه الجزئية على خلق مساحات تراجيدية إنسانية واسعة تضفي على الحلقات أهمية خاصة، لا سيما أن فوزي يعد واحداً من المطربين والملحنين والممثلين الفارقين في الموهبة والمتميزين في المجال الإبداعي.
وفي ضوء ما تم تداوله من أحاديث حول الموضوع المذكور جرت عمليات نقد شديدة اللهجة للأعمال التي اعتنت بتقديم السير الذاتية، حيث اتجهت الأنظار إلى بعض التجارب الفاشلة من النوعيات الدرامية والسينمائية واعتبرتها مجرد استثمار لنجومية أصحابها على حساب القيمة الفنية، كونها احتوت على مبالغات ومغالطات فرضتها السياقات الفنية من دون عناية بتحري الدقة المطلوبة، كما حدث على سبيل المثال في مسلسل “العندليب” وفيلم “حليم” إذ اعترى التناول الدرامي الكثير من التشوهات المُخلة بالحقيقة والواقع، وكذلك الأمر بالنسبة لفيلم “كوكب الشرق” الذي تناول قصة حياة أم كلثوم وجاء في تزامن قريب مع المسلسل الذي أحدث تأثيراً جماهيرياً مختلفاً بعد المقارنة التلقائية التي جرت بين العملين وحُسمت لصالح المسلسل باعتباره كان الأقدر على تقديم مساحة أوسع لحياة المطربة الكبيرة واشتمل على الكثير من التفاصيل المهمة برغم أنه لم يسلم أيضاً من تصيد الأخطاء والإشارات السلبية المتصلة بالمعالجة الدرامية ونقائها المثالي الزائد عن الحد والمتجاوز لفرضيات الواقع لأي إنسان يمكن أن يُخطئ ويصيب.
ومن ناحية أخرى كانت هناك مآخذ عديدة على مسلسلات وأفلام مثل “السندريلا” و”الملك فاروق” و”أسمهان” و”تحية كاريوكا” و”أبو ضحكة جنان” و”ليلى مراد” و”جمال عبد الناصر” و”أيام السادات” و”ناصر 56″ فلم ينج أي من الأعمال من حدة النقد سواء بحق أو بغير حق، وهو ما يدل على أن اختلاف الذائقة الفنية والميول الفكرية والثقافية تؤثر بشكل كبير على درجة القناعة وتوجيه بوصلة التقييم مع أو ضد، ولهذا يكون الإجماع على العمل الفني الموثق للشخصية الشعبية أو السياسية أو التاريخية أو الثقافية من الصعوبة بمكان، إذ لا يمكن الجمع بين وجهات النظر المؤيدة والمعارضة في قالب واحد إلا بنسب قليلة قد لا ترضي كل الأطراف وتؤدي إلى التسليم بوجود عيوب حتمية في تقديم السير الذاتية، أولها عدم الحياد والخضوع الضروري لوجهات النظر والهوى الشخصي ولو ادعى أحدهم غير ذلك فهو محض استثناء لأن العبرة في القاعدة.