هذا كتاب مثير، السبب أنه وهو يتناول قضايا نقدية مهمة، كان حريصا على أسلوب أدبي فاتن. ما أكثر أسماء المفكرين والأدباء عربا وأجانب، الذين حفل بهم الكتاب، ومقولاتهم إلا أن كل شيء يضعك في قلب اللغة الجميلة والتناول العميق لقضاياه. والمؤلف عبد الدائم السلامي شاعر وكاتب مسرح تونسي، وناقد معروف، اختار في هذا الكتاب أكثر من قضية من قضايا الأدب، لن يفي بها كلها المقال.
الكتاب من ثلاثة فصول، وكل فصل من عدة مقالات تدور حول الموضوع من جوانبه المختلفة، يلخص الكتابة بأن كل كتابة ضيقة هي كتابة متواطئة مع شرور الواقع، فالمبدع عاق لواقعه يعلن حربه على نظامية كل شيء حتى خطاب الكتابة المستقر، يجب أن يعمل على تجاوزه فيأخذ القارئ مما اعتاد عليه، ولا فرق بين القارئ والنص، فكلاهما يتلذذ بالآخر، وقراءة النص حب للنص، رغم أن القارئ أيضا عاشق خائن يتنقل من رواية إلى أخرى.
القراءة لا بد أن تكون بلا تصنيفات جاهزة، وبلا شروط. قراءة رواية يعني أن أعيش حياة لن أحاسب عليها يوم الحساب، وأن أكون قارئا يعني بالضبط أن أحب. يتنوع الحديث فننتقل إلى حديثه عن بعض الجمل الشهيرة في الروايات ودلالاتها غير المباشرة، وهذا موضوع شهير في الأدب العالمي، قرأت عنه كثيرا من قبل مثل جملة «والبقية هي الصمت» في مسرحية هاملت أو «حين وصلنا إلى كلمة أحبك لم نقرأ شيئا ذلك اليوم»، في الكوميديا الإلهية في الجزء الخاص بالجحيم، حين رأى دانتي فرانسيسكا دي ريميني وحبيبها باولو أخ زوجها، يدوران في الجحيم لا يلحقان ببعضهما، وحكت كيف أنهما كانا يقرآن قصة جوينيفر زوجة الملك آرثر مع لانسيلوت فارس المائدة المستنيرة وحين «وصلنا إلى كلمة أحبك، لم نقرأ شيئا ذلك اليوم»، أو كلمة جوتة في «آلام فيرتر»، «أصبحت السماء زرقاء كأنما غسلتها الملائكة في الليل»، وغيرها كثير.
الكاتب هنا يتحدث عن بعض الجمل العربية أكثر، ودلالتها الأوسع من متنها المباشر في الرواية، مثل جملة نجيب محفوظ «آفة حارتنا النسيان»، أو جملة الطيب صالح «إني جئتكم غازيا» في «موسم الهجرة للشمال»، أو جملة «كل شيء يحدث في الحمّام» لوحيد الطويلة في رواية «باب الليل». يتوقف عند البناء اللغوي وما تشي به كل جملة من خفايا سياسية واجتماعية، وطبعا هذه مجرد أمثلة على بحثه، وعليّ حين أقرأ مثل هذه الجمل أن أهتم بالمعاني الخفية ولماذا أخفتها.
الجملة هكذا جملتان، جملة صامتة بلا روح، لا يبقى منها إلا إطارها، وجملة جميلة غير محايدة تحفزني أن أتكلم بلسانها وأقول ما لم تعلنه إلا إيماءً لي كقارئ. أعجبني الحديث لخبرتي الكتابية، وما تعلمته عن مثل هذه الجمل فحين كتبت الجملة الافتتاحية لروايتي «البلدة الأخرى»، «انفتح باب الطائرة فرأيت الصمت»، صارت جملة شهيرة وتحدثت كثيرا، كيف أن لغة الرواية تأثرت فبدت صامتة وسط الفراغ الكبير الذي تدور فيه أحداث الرواية، ويمكن طبعا الحديث عن جمل كثيرة في الأدب العربي والعالمي، لكن الذاكرة لا تسعفني، ولا المقال، وليس عليه أن يذكر كل شيء، فهو باحث يكفيه بعض الأمثلة، وليس مسجلا لها.
الأكاديميون يقتلون الإبداع ويقدسون الثابت، وهو شكل من أشكال الوثنية، بينما الأدب طريّ يتمدد.
الحديث عن الجمل في الكتاب إشارة عربية جميلة للقارئ كيف يقرأ، وللكاتب كيف يكتب، كنت أتمنى في مقاله الخاص بالرواية والفيسبوك، أن يعود إلى أمر هذه الجمل، وكيف صارت هدفا بعيدا عن صدق النص. ويستمر السلّامي فيدخل في عدم التعارض بين مهمة الناقد الثقافية، وأن يكون الناقد أديبا ويمارس ذلك بإمتاع. يلخص النقد بأنه نوعان، الأول يتكئ صاحبه على دراساته الأكاديمية، فهو يعرف كل شيء عن النصوص، لكن لا يفهم شيئا منها، كما يقول بروست. النوع الثاني نقاد جدد اطلعوا على النظريات الغربية، فلم يقدسوها. الأكاديميون يقتلون الإبداع ويقدسون الثابت، وهو شكل من أشكال الوثنية، بينما الأدب طريّ يتمدد. الحقيقة جافة بلا عواطف، بينما حقيقة العمل الأدبي أنه بلا حقيقة، والتصنيفات والجداول التي يعتمدها الأكاديميون قاتلة للنص الأدبي، وهذا إنتاج مجتمعنا العربي الذي يخاف التخييل، فهو مجتمع قبوري، وهنا يعلن بوضوح أنه لا يدعو إلى الثورة على سلطة النقد، لكن يدعو إلى الثورة على سكونيته، وأضيف إليه أنه يمكن للنقد أن يخرج من الأعمال العربية بمذاهب أدبية جديدة، فلا تكون مرجعيتنا المذاهب الغربية من الكلاسيكية حتي الحداثة ومابعدها.
حديث مثير آخر عن الجوائز وما تفعله من اكتئاب عند البعض، لعدم فوزهم بها، إذ ضاع الحلم بالشهرة وعجز بعض الكتاب الفائزين عن تجاوز ما كتبوا، وكيف صارت الجوائز معيارا لبعض الكتاب فيما يكتبون، فصارت الرواية غشا لا تُكتب لذاتها الفنية، إنما لحلم الشهره بالجائزة. هو يرى أن الجوائز تختار ما هو أقل قيمة، لكن قوله عن إصابة بعض الفائزين بالعدوانية يمكن أن اتفق معه قليلا، ولن أحكي عن بعض ما رأيت وسمعت، لكنه أمر لا يمكن تعميمه.
أحاديث عميقة كالعادة بعد ذلك عن الإرهاب، من أجمل ما فيها قوله إن أخطر ما في الإرهاب أن له حكاية تُروى، وتغير التاريخ والجغرافيا، ويظل فيها هو الحاضر والحضور، له طاقة محو الآخر بالتخفي وطاقة سرد ذلك المحو بالإعلان والأسطرة، وهو إذ يمحو الأفراد يحول الآخرين إلى موتي بترويجه وحكاياته في «سوق الخوف». ضرروة أن يقدم المبدع تفكك بنية الإرهاب فنيا في سرديات مضادة لسردياته، وناسفة لمشروعاته الوهمية. يتحدث عن أعمال تنبأت بما سيحدث مثل رواية «لاعبون» للأمريكي دون دوليلّو، التي صدرت عام 1977 وحديث روز ماري لزوجها في الرواية أنها تستعد ومجموعة من الإرهابيين لتفجير برج التجارة العالمي، وهو ما حدث عام 2001، ثم يتحدث عن روايات عربية ظهرت في السنين الماضية، أعلنت الحرب على الإرهاب، لم تعجبه كثيرا باستثناء رواية «بيت حد» لفادي عزام. ويقدم أدلته على ذلك وهو يجمله بأنها تقريبا روايات اكتفت بوصف الإرهاب وتأثيره على حياة الفرد والأسرة والمجتمع، وهي ليست بقوة روايات السجون والعنف السياسي، وكأن الإرهاب قد نجح في إخافة الكتاب كما أن هناك ثقافة سلفية يخفيها الروائيون، وراء يافطات الحداثة وما بعدها التي يسوقونها للناس، هنا أقول إن ما رآه عيبا في روايات الإرهاب – لم اقرأ منها إلا القليل – قد يكون لحداثة الأمر بينما السجون والمعتقلات تاريخ لا ينتهي، والخبرة به أكثر ومسألة سلفية الكتاب هذه فيها نظر وربنا يستر عليه من الكتّاب.
حديث رائع بعد ذلك عن الرواية والفيسبوك، وكيف أنه ليس مرآة ليرى الناس فيها حقائقهم، وكيف لا تخشاه إلا الحكومات بعد الربيع العربي، ثم حديث عن الرواية والهجرة، وكيف وجد المهاجرون ضرورة تحويل هجرتهم إلى فن تشكيلي، أو أدب أو موسيقى، ويقدم كالعادة أمثلة أجنبية وعربية، ثم حديثا جميلا عن مكر العمران وكيف أن اجتماع الناس هو ابن المدينة وليس الصحراء، وكيف أن كل ما يبدو لزائر مدننا العربية من مظاهرالسعادة والرخاء والتحضر، ليس إلا وجها لمكر العمران، وهو وجه رسم باستعارات حتى يغطي ما في باقي الوجوه من أخطاء التعايش الاجتماعي وتشوهاته.
ثم الفصل الأخير دراسة لروايتي «النجدي» لطالب الرفاعي و»حذاء فيلليني» لوحيد الطويلة، وطبعا غيرها من الروايات في إطار رؤيته عن الحب المتبادل بين النص وقارئه. في النهاية الكتاب يستحق كثيرا من الاهتمام والمناقشات الجادة، بما فيه من جديد الأفكار وشجاعتها.
٭ روائي من مصر