في الشرعيّة

من الصعوبة بمكان أن يخلو أيّ فكر سياسي في كلّ تاريخ الدول والشعوب، من طرح مفهوم الشرعيّة أو المشروعيّة. وعند اليونان مثلا وتحديدا في مدوّنتهم الفلسفيّة التي تظلّ هي المرجع، فإنّ هذا المفهوم هو الذي يبني فكرة العدل عند أفلاطون. وعلى أسّ منه يقيم أرسطو الفرق بين الملَكيّة وحكومة النبلاء والديمقراطيّة، وصولا إلى لوك الذي يعترض على مشروعيّة “الحقّ الإلهي” للملوك؛ وما إلى ذلك من مسائل تتعلّق بالحكم والخلافة كما هو الشأن في تاريخ الإسلام على اختلاف الأمكنة والأزمنة، أو ما صاغه القاضي الماوردي (974م ـ 1058 م) في مصنّفه الشهير “الأحكام السلطانيّة”، وهو الذي وضع نظريّة السنّة في الخلافة وفصّل القول فيها.

وحتّى لا يحجزني الاستطراد عمّا أنا فيه، فإنّ الشرعيّة مفهوم أساسيّ لا غنى عنه، لفهم التنظيم السياسي في المجتمعات الحديثة، والإقرار الشرعي بصحّة السلطة أو بتثبيتها. ويقول أهل الاختصاص إنّ نظريّة ماكس فيبر القائمة على فكرة “النماذج الثلاثة”، تعتبر اليوم كلاسيكيّة، بالرغم من كونها البذرة التي نمّاها الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة؛ من أجل تصنيف شتّى الظواهر التي تشمل الشرعيّة التقليديّة والمعقولة والكاريزماتيكيّة القائمة على شخصيّة بارزة تستهوي الجماهير. بل إنّ أثر هذه “التيبولوجيا” أو “النموذجيّة” أو “التصنيفيّة” على قلق الترجمة، قائم في جلّ النظريّات التي تعنى بالشرعيّة خلال العقود الأخيرة، وما يتعلّق بالنماذج البشريّة منظورا إليها من حيث العلاقات بين الطبائع العضويّة والذهنيّة وواقعها المعقّد. ومع ذلك يقرّ الباحثون أنّ نظريّة فيبر، إذا نحن رمنا تحيينها أو تحديثها أو نقلها من القوّة إلى الفعل؛ واجهتنا صعوبة الأخذ بنموذجين منها هما الشرعيّة التقليديّة والشرعيّة الكاريزماتيكيّة.

إنّ نظريّة فيبر في الشرعيّة لم تعد مناسبة ولا هي تفي بالمرام، لفهم مجتمعات اليوم، بما فيها تلك المتقدّمة جّدا، أو التي توطّئ سبيل التقدّم. ومثلما يعاني الليبيّون من “العصبيّة القبليّة” على “مشروعيّتها”؛ وقد عشت في ليبيا حوالي ثلاث سنوات حيث درّست الفرنسيّة في مصراتة، ورأيت ذلك بأمّ عيني؛ يعاني التونسيّون من “العصبيّة الجهويّة” على “مشروعيّتها” وما نجم عنها من تفاوت مريع بين الجهات؛ وكنت نشرت مقالا في هذا الموضوع في “القدس العربي”. وهذا ما يجعل ديمقراطيّاتنا وشرعيّتها عرضة لارتباك غير يسير، ومفاجآت غير سارّة في المحطّات الانتخابيّة؛ إذ نباغت بفوز أعداء الديمقراطيّة من “أقصى اليمين” و”أقصى اليسار” من أصحاب الأنساق الإطلاقيّة أو الدغمائيّة. وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنّان كلّ الظنّ أن لا تلاقيا؛ و”يتحالف” هؤلاء في النيل من تجربة لا نزال نحلم في تونس بأن تجري على منوال الديمقراطيّات العريقة، والانتقال السلس للسلطة والحكم، أو أن تنقذ جارتنا ليبيا من براثن “العصبيّة” و”إمارات الاستيلاء”.

وعلى رأي المستعرب هاملتون جب فإنّه لا نظريّة من دون وقائع تاريخيّة؛ وليس تأويل المصادر سوى تسويغ “بَعديّ” لوقائع تاريخيّة سابقة قد يكون أقرّها إجماع ما. ونعرف من التاريخ مثلا أنّ عمل محمود الغزنوي (971م ـ 1030م) الذي أقام “شرعيّته” في غزنة وخراسان، لم يكن بدعا في تاريخ الإسلام. وليس القصد من التمثّل به الإشادة بفتوحاته وغزواته ونصرته للآداب والفنون، وإنّما الإشارة إلى أنّ “إمارة الاستيلاء” التي عشنا على وقعها في سوريا وفي العراق مع “داعش” كانت موجودة طوال تاريخنا، ويكفي أن أذكر اعتراف هارون الرشيد بتوارث الإمارة في بني الأغلب في القيروان وفي إفريقيّة (تونس).

وقد استطاعت “عبقريّة الجماعة السنيّة” بعبارة جب، أن تبتكر نوعا من “الكونكوردا” أي المعاهدة أو الميثاق أو عقد التعاون المتبادل؛ حيث يقرّ الخليفة بشرعيّة العامل أو الوالي في ضبط شؤون السياسة والإدارة المدنيّة؛ ويعترف هذا في المقابل بسيادة الخليفة وبحقّه في إدارة الشؤون الدينيّة وتوجيهها. ولو كان في المقال فسحة، لفصّلت القول في موقف/ مواقف الماوردي وأسلافه من علماء المسلمين، في معضلة شرعيّة “إمارة الاستيلاء” وصحّتها القانونيّة، وفي منح حكّام الولايات البعيدة النائية بعض الامتيازات دون تحيّف حقوق الخليفة وهيبة الخلافة، حيث “الضرورة تسقط ما أعوز من شروط المكنة” بعبارة الماوردي أو قوله بالضرورة والاضطرار كلّما كان هناك خوف من الإضرار بالمصالح العامّة: “إنّ ما خيف انتشاره من المصالح العامّة، تخفّف شروطه عن شروط المصالح الخاصّة”.

وربّما في سياق كهذا تصلح نظريّة فيبر في تفسير مثل هذه الظواهر الطارئة، وفهم الشرعيّة في ماضي البشر القريب والأبعد؛ بل فهم “البطانة الوجدانيّة” أو “التجاذب الوجداني” الذي يحكم خطاب هؤلاء حيث تمتزج في ذات الواحد منهم مشاعر الحبّ والكراهيّة إزاء الموضوع نفسه. وفي ما عدا ذلك فإنّ نظريّته لا تأخذ بالحسبان طريقة تنظّم المجتمع في أحزاب سياسيّة، وفي “فرق” إيديولوجيّة. وهي التي حلّت في قليل أو كثير من المجتمعات محلّ الاعتقادات الدينيّة الراسخة التي ميّزت الأجيال السابقة أو حجبت عنها؛ على ضرورة تنسيب هذا الحكم في ظلّ عودة “المكبوت” الديني كما نلاحظ في أمريكا، وعند الشعبويّين في أوروبا أو عندنا نحن العرب. بل تحوّل هذا “المكبوت” عند طوائف غير قليلة إلى أبدال يقاس عليها، وموازين تحدّ ما يعدّونه “شططا” ديمقراطيّا.

وصحيح أنّ البشر ليسوا نتاج أنفسهم فحسب وإنّما هم أيضا نتاج ماضيهم؛ لكنّ الماضي في نظرنا هو غيره في نظر أسلافنا، إذ ليس بيننا وبينه ما نسمّيه “حجاب المعاصرة”؛ بل هو في جانب منه محصّلة حاضرنا، وأمسّ به رحما. وفضلا عمّا تقدّم فإنّه لا شأن لنظريّة فيبر بدخول وسائل الإعلام في النسيج أو المكوّن الاجتماعي، وبالتواصل وهو اليوم كلّيّ الوجود، بل كلّيّ القدرة؛ ممّا يجعل الشرعيّة قابلة للاختراق، أو هي “عود كبريت” يمكن أن تطفئه ريح الوافد الإعلامي العاتية. ولعلّ ما يضاعف من الريبة في صلاحيّة هذه النظريّة، إغفالها “لامبالاة” نسبة من الموطنين بالشأن السياسي، ممّا يفسّر ضعف الإقبال على صناديق الاقتراع في مجتمعاتنا وفي مجتمعات الديمقراطيّات العريقة.

ومع ذلك نسمع في هذه الديمقراطيّات، من يدعو إلى تصدير الديمقراطيّة وهي أساس شرعيّة الحكم، إلى الدول النامية؛ حتى وإن كانت لا توفي بشروطها أو هي لا تستجيب لها اجتماعيّا واقتصاديّا وثقافيّا، سواء في مستوى الجماهير أو النخب. وقد يكون البعض صادقا في هذه الدعوة، ولكنّ البعض ممّن نعرف احتقارهم للأعراف والتقاليد والرأي العام والأخلاق الشائعة، يصدرون في هذه الدعوة عن نوع من “الكلبيّة” أو عن وقاحة وصلافة لا تخفيان؛ على نحو ما نرى في “صفقة ترامب” التي تضفي شرعيّة على احتلال الضفّة الغربيّة وغور الأردن. ومهما يكن فإنّ الديمقراطيّة ليست بنبتة أو شجرة حتى تنقل وتغرس في مكان آخر؛ أو هي “تُزدرع” كما يقول لسان العرب. ودعوة مثل هذه غير واقعيّة، وفي ربع الدول المستقلّة الممثّلة في الأمم المتّحدة، لا معنى عند أكثر الناس، لمفهوم الشرعيّة السياسيّة، وهم الذين تستبدّ بهم الحاجة إلى الغذاء والقوت، على نحو ليس سويّا دائما؛ ويعتقدون أنّ وضعهم قدر لا رادّ له.

كيف نفهم الشرعيّة؟ عادة ما يشتغل الفكر على أساس من النقائض حيث قضيّة تعارض أخرى أو دعواها، إمّا بالتضادّ، أو إمّا بالتناقض؛ فيمكن في سياق كهذا أن ننحّي “اللاشرعيّة” وهي الضعيفة دوليّا، ونبقي الأقوى أي “الشرعيّة” التي نثق أنّ أمورها تسير على أصول من المنطق والتعليل أو ما نسمّيه “الاعتراف الدولي” أو “الشرعيّة الدوليّة” وهذه تشمل للأسف دولا مارقة وأنظمة استبداديّة. غير أنّ الواقع ليس بهذه البساطة، وهو يتّسع لأشكال من الشرعيّة يمكن ترتيبها افتراضيّا من الأقصى إلى الأدنى، أي من الموافقة الجماهيريّة العريضة إلى القبول المتحفّظ أو المحتشم، فالرفض طبقا للأصول الواجبة كلّما تعلّق الأمر بأنظمة تقوم على إكراه الناس وإجبارهم بالقوّة على طاعتها والانصياع لها.

وها هنا يمكن الكلام على اللاشرعيّة. يقول جون لانز (1926ـ 2013): “من حيث الجوهر ليس هناك نظام شرعيّ بمطلق الحقّ، أو إلى الأبد؛ لكن هناك على الأرجح أنظمة لا شرعيّة تقوم حصرا وقصرا على الإرغام”.

والشعوب لا تعترف تماما بسلطة رجالات السياسة أو الذين هم في الحكم، فثمّة طبقات وفئات خاملة أو هي لامبالية، وأقلّيات عرقيّة أو ثقافيّة متمرّدة، وأفراد سلميّون، وإرهابيّون مسلّحون… فالشرعيّة ليست محلّ إجماع ولا هي بالأبديّة. عام 1945 انهزمت اليابان ونزعت شرعيّة الامبراطوريّة، وبعد خمسة أشهر صرّح الامبراطور بعضلة لسانه “أنا آدميّ ولست إلها”. وقبلت الحكومة اليابانيّة نصّ الدستور الذي حرّره الجنرال ماك آرثر، وأصبح الامبراطور بموجبه “رمز الدولة ووحدة الشعب”. وفي هذه الحقبة نفسها، تنصّل الإيطاليّون بواسطة الاستفتاء من الملكيّة، وتنازل الملك عن العرش. وفي أوروبّا الشرقيّة، وما بالعهد من قدم، انهارت أربع ملكيّات، في رومانيا وبلغاريا واليونان ويوغسلافيا. وأمّا الذين احتفظوا بعروشهم، فقد تخلّوا عن أيّ دور سياسيّ، ورضوا بأن يكونوا رموز دولهم. وبعيدا عن أوروبا، كان هناك حتى عام 1920 اثنان وثلاثون نظاما ملكيّا، اضمحلّ منها اثنان وعشرون، إمّا نتيجة ثورة شعبيّة أو انقلاب عسكري.

* كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية