حسنين كروم… الصحافي والسياسي والمُثقف

جانب مهم من حياة الكاتب الصحافي حسنين كروم، ربما لا يعرفه غير من اقتربوا منه، وتواصلوا معه عبر علاقات إنسانية واجتماعية، خارج المحيط المهني، فهو ينتمي لعائلة كبيرة من أصول عريقة، نشأت واستقرت في حي بولاق أبو العلا في القاهرة، وهو الحي الذي اشتهر في ثلاثينيات القرن الماضي بعالم الفتونة والفتوات من ذوي المروءة والشهامة وأصحاب الروح الطيبة، التواقة لمساعدة الضعفاء والمغلوب على أمرهم من عوام الناس البسطاء، ولأن تلك الصفات كانت مقرونة بسمات وصفات أولاد البلد، فقد توارثتها العائلات وتبنتها الأجيال، التي ظلت فخورة بهذا النسب.
وفي هذه الأجواء المصرية الشعبية الأصيلة، احتك الكاتب الراحل حسنين كروم بعدد من أولاد البلد، وعرف عن قرب الكثير من فتوات حي بولاق والأحياء المجاورة، فقد كان يمت بصلة قرابة وطيدة لكبراء الحي ورجاله المهمين، وكثيراً ما شاهد ألواناً من المواقف الشجاعة، التي كانت دليلاً على عمق ورسوخ الجذور الشعبية لفتوات بولاق، الذين أبدع نجيب محفوظ في تصويرهم بشكل روائي، يقترب من التشريح الاجتماعي، حيث أرخ في روايته الشهيرة “الحرافيش” لنشأة الفتونة وبداياتها، ورمز بشخصية عاشور الناجي وأولاده وأحفاده لقيمة الرجولة، وانتزاع حقوق الضعفاء من قبضة البلطجية المعتدين، مع التضمين الكامل لارتباط الفتوات بالأماكن والأحياء التاريخية القديمة، مشيراً إلى التكية كموطن وملجأ للدراويش من العارفين بالله ومريديهم وأتباعهم.
وقد أثارت حكاية المكان وأزمنة الفتوات خيال الكاتب الصحافي الراحل حسنين كروم، فشرع في كتابة القصص القصيرة، كبداية للتعبير عن هوايته الإبداعية، التي لم تكن قد تبلورت بعد، لكنه سرعان ما تحول عنها للانخراط في المجال الصحافي والانشغال بالقضايا السياسية، التي أعطاها المساحة الأوفر من اهتمامه ووقته، وبذل جهداً مُضنياً للإحاطة بتفاصيلها ودروبها وخباياها، وفي البداية كان إعجابه بحزب الوفد مدخلاً لدخول عالم السياسة والسياسيين، عبر البوابة الصحافية، حيث كان حزب الوفد هو الكيان السياسي البارز على الساحة قبل تأسيس تنظيم الضباط الأحرار والتخطيط لثورة يوليو/تموز، التي واكب قيامها نضوج الحس السياسي والوطني لدى حسنين كروم، فانتمى إليها فكرياً وثقافياً، بوصفها الثورة المنحازة لطبقة العمال والفلاحين، والداعية لإصلاحات سياسية واجتماعية كانت الجماهير تعول عليها كثيراً في تحقيق الحُلم، وإحداث التغيير المنشود آن ذاك. ورغم الانتماء لثورة يوليو وبرنامجها السياسي والاجتماعي والثقافي والتنويري، ظل الكاتب الراحل حسنين كروم على احترامه المعهود لحزب الوفد، كداعم لليبرالية والتعددية السياسية، وهي النقطة الجوهرية المضيئة في العلاقة التوافقية بينه وبين الوفديين، فلم يكن الرجل يؤمن قط بسياسة الإقصاء، لمجرد الخلاف في الرأي أو التباين في التوجه السياسي والانتماء الفكري.
وعليه فقد بات الكاتب على إكباره وتوقيره للقامات الوفدية، راكنا الخلافات السياسية بعيداً، ومُعتبراً أن المعيار الوطني في الممارسة السياسية هو الأهم، وأن الخلاف في الرأي لا يجب أن يُفسد للود قضية، وتلك منهجية فكرية تعامل كروم بموجبها مع كافة التيارات الأخرى بما فيها التيارات الدينية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، التي كان لديه بعض التحفظات على أدائها السياسي، لكنه أبداً لم يُنكر عليها دورها كجماعة لها ما لها وعليها ما عليها، وكانت في أربعينيات القرن في طليعة الحركات السياسية الدينية الناهضة، وظلت تمارس مهامها السياسية بدأب، حسب وجهة نظرها، إلى أن قامت ثورة يوليو، وحدث الصدام بينها وبين الضباط الأحرار فتغيرت معايير التعامل معها كقوة سياسية مؤثرة.
وإزاء هذا الحراك الثقافي السياسي التفاعلي، بدأت المناوشات بالكتابة والكتابة المضادة من جانب المفكرين والسياسيين والكُتاب من الجانبين، المنتمين لفكر الإخوان والمعارضين له، وبالطبع سجل حسنين كروم رأيه مكتوباً ومدوناً على صفحات الجرائد السيارة، وعدد من الكتب الصادرة في مراحل مختلفة، والتي كان أشهرها كتاب “عبد الناصر المُفترى عليه” و”صلاح نصر الأسطورة” و”المأساة والتحركات السياسية للإخوان المسلمين” و”الصامتون يكذبون”، وعلى قدر الرغبة العارمة في إثبات صحة وجهة نظرة في ما يتصل برأيه السياسي والتاريخي ومضامين القضايا الخلافية بينه وبين مناظريه، إلا أنه لم يهبط بلغة الحوار، ولم يهاجم أياً من خصومة أو يعرض به، لكنه ظل متمسكاً بنزاهة الكلمة وشرف الخلاف في الرأي، مُحتكماً للوقائع والأحداث، عامداً إلى مواجهة الرأي بالرأي، والحُجة بالحُجة بغير تورط في الرمي بالباطل أو إلقاء التهم بغير سندات أو أدلة موثقة.
لقد صادق الكاتب الراحل رموز التيارات الفكرية، بكل أطيافها بلا غضاضة، وراهن في علاقاته على أواصر الود ولم يعاد يوماً مُثقفاً لرأيه أو توجهه، بل كان حريصاً على أن يجمع في كتاباته الصحافية اليومية، بين كل وجهات النظر الصحافية والسياسية، في تناغم يُنبئ بحرفية عالية وخبرة واسعة توافرت لديه وهو صاحب القلم، عبر سنوات طويلة ألمّ فيها بدقائق المهنة وأسرارها، فصار فوق الشبهات وبمنأى عن دوائر الصراعات الصغيرة والكبيرة، ليحيا ويموت مؤمناً بالفكر والثقافة والحوار، ثابتاً على مبدأ الحرية والتنوير كمرادفين حقيقيين للارتقاء والبقاء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية