فيلم «سامبا»: هل يستحق الحلم الفرنسي كل هذه المجازفة من المهاجرين؟

حجم الخط
3

توليدانو والنقاش مع عمر سي بعد نجاح ساحق لفيلمهم «انتوشابل» الذي حقق شهرة عالمية، وأعلى مشاهدة وصلت لاكثر من 51 مليون متفرج حول العالم، لكننا هنا في فيلم «سامبا» مع شخصية مختلفة ليست قريبة من عمر سي، هي صعبة لقلة الحوار في فيلم كوميدي درامي يحكي صراع مهاجر افريقي يقيم في باريس يعمل بغسل الصحون، لا يملك اوراق اقامة رسمية، بعد عشر سنوات تمسك به الشرطة يتم ايداعه معسكر الترحيل ثم تأتي جمعية تهتم به، هنا يتعرف على (أليس) التي تعمل بالجمعية كمتطوعة، منذ النظرة الاولى ترتبك أليس، ثم تتطور العلاقة في ما بعد، حيث تعمل لمساعدته، يصارع (سامبا) من اجل عدم ترحيله، يتعرف على اصدقاء تتطور علاقته مع أليس، في جو مشحون بالتوتر والقلق تكون قصة حب رومانسية، يكشف الفيلم حالة المهاجرين بدون اوراق اقامة، فيلم يمكن وصفه بالدرامي الاجتماعي الكوميدي العاطفي، لا تهمنا كثيرا القصة، لكننا سنحاول الوقوف عند بعض الجماليات والغوص مع المضمون الفكري والرسائل التي حاول الفيلم ايصالها لعدد من الاطراف.
من ناحية الشكل كانت هناك مخاوف عديدة لدى عمر سي الفنان الكوميدي، فهو هنا امام شخصية ليست ثرثارة. الفيلم هنا ليس تكملة ولا جزءا ثانيا من فيلم «انتوشابل»، القصة هنا مختلفة تماما، الشخصية مختلفة عليه ان يخلق انطباعا مختلفا كونها مغامرة جديدة لا توجد بها العناصر الموجودة في فيلم «انتوشابل» هنا تم الزج بالشخصية في حالة صعبة مركبة، لكن خبرة الممثل عمر سي نجحت في رسم الشخصية، جعلها مقنعة فقدمت لنا سامبا وليس شخصا آخر، تناول بعض النقاد الفيلم بانه اقل جودة من فيلم «انتوشابل»، وذكر احدهم ان خللا واضحا بالسيناريو، وان الممثل طاهر رحيم الذي يظهر لاول مرة لم يكن مقنعا، والشخصية التي قام بها كانت ضعيفة البناء، وكذلك قصة الحب التي ربطت بين سامبا وأليس، قامت بالدور الفنانة شارلوت جينزبور، هذه العلاقة من وجهة نظر البعض ينقصها الكثير لتكون مقنعة وديناميكية، الفنانة شارلوت جينزبور كان لديها تخوف كبير من الوقوف مع عمر سي، لكنها بعد تصوير الفيلم كانت راضية تماما عن دورها.
بغض النظر عن هذه الانتقادات الا اننا نرى ان الفيلم حمل الكثير من العناصر الجمالية شكلا ومضمونا. التنوع في الحوار خلق كوكتيلا وايقاعا موسيقيا رائعا، في مقر الجمعية التي تهتم بالمهاجرين بدون اقامة والتهديد بالطرد من فرنسا، نستمع اليهم يحكون مقتطفات من مآسيهم بلغتهم الاصلية، نستمع للعربي والايطالي والاسباني والروسي، حتى اولئك ممن يتكلمون الفرنسية لهم لكنتهم الخاصة، كذلك سامبا له لكنة خاصة يتحدث بعبارات صغيرة جدا في بعض المواقع، كأنه يبذل جهدا لإيصال فكرته ومشاعرة عندما يتحدث مع أليس، هذا التنوع كانت له دلالالته، اضافة انه خلق مناخا كوميديا، لكن الهدف لم يكن السخرية من المهاجرين، فهذا التلعثم والبحث عمن يفهمهم، ففي بعض المواقف تكون المتطوعات عاجزات عن فهم الشخص يبحثن عن مترجم، يكون الشخص منفعلا يشكو كيف قبضت عليه الشرطة او ان مركز الاقامة رفض منحه اوراق الاقامة، فالفيلم هنا يكشف حالات عديدة، لكن القصد ان هناك مشكلة اتصال بين هؤلاء والجهات الرسمية، اي ان احدا لا يفهمهم وهم ايضا لا يفهمون الجهات الرسمية، هذه النقطة الحساسة ضغط عليها الفيلم في اكثر من مناسبة، لعله يوجه عدة رسائل للجهات الرسمية بضرورة فهم هؤلاء وايجاد قنوات للتواصل معهم والتعامل بشكل انساني، فهؤلاء يصرخون وينفعلون، نرى الشخص منهم يتحدث بيديه وتعابير وجهه المنفعل وجسده كله، لكننا نعجز في بعض الاحيان عن فهمه نحس بمأساته، نعم نجح الفيلم في توصيل هذا الاحساس.
هناك ايضا تنوع في الوجوه، فنحن نعيش مع شخصيات من اعراق وجنسيات مختلفة، لكل واحد منهم قصة تصلح ان تكون فيلما بحد ذاتها، كما يوجد تنوع بالنماذج.. شخصيات شابة لها احلامها، وشخصيات كبيرة في السن، شخصيات نسائية ورجالية، هؤلاء جميعا يجمعهم الفيلم في حفلة رقص، فالرقص هنا دلالة للاندماج والتقارب الانساني باعتباره لغة عالمية انسانية، سامبا لا يعرف الرقص كونه تعود على حياة مرهقة، فهو يعمل معظم الوقت ليرسل لاهله المال، ليس لديه وقت لعقد علاقات، كذلك خوفه من الشرطة لا تجعله يغامر بالذهاب للمرقص مثلا، فهو بدائرة ضيقة محصور مضطرب نفسيا يعيش خائفا مطاردا عليه ان يتقمص دور الشخص العادي الذي يملك اوراق اقامة، هو يغير اسمه عدة مرات لا يمتلك هوية ويعجز ان يظهر هويته الحقيقية، نحن اذن في مجتمع مضطرب افراده مصابون بانفصام الشخصية، كذلك أليس، رغم انها تعمل ولها مركزها المرموق، الا ان عجلة الحياة احرقتها، اصيبت بالقلق والارق واصبح النوم مستحيلا وصعبا، لذلك تتوقف عن العمل وتتطوع بهذه الجمعية كجزء من العلاج النفسي، لكن ذلك يزيدها توترا وقلقا بسبب عشرات القصص والمآسي التي تسمعها كل يوم.
يأتي سامبا ترتبط معه بعلاقة تتطور بالتدريج، عالمان مختلفان، عالم سامبا صاحب الاحلام البسيطة القادم من قرية بالسنغال ليست له ثقافة واسعة لا يعرف الرقص، وامامه أليس الفرنسية بما تعنيه فرنسا من ثقافة، وكذا من ارهاق واضطراب فهي منهكة كل ما تريده النوم بسلام، علاقتها مع سامبا تجعلها تحرز انتصارا على تلك الادوية الكثيرة التي تبتلعها، نحن هنا ايضا امام دلالات قوية ورسائل يمكننا فهمها، ففرنسا كبلد ثقافي وحضاري واقتصادي عليها فهم الجميع واستيعابهم، وخلق قنوات الاتصال بدون النظر لجنسية او شكل او لون الآخر، كون فرنسا بلد الثورة الفرنسية وشعارها الاخاء والمساوة والحرية.. من العار ان تتخلى عن هذه الشعارات وتنزلق للتيارات العنصرية. خروج مثل هذا الفيلم بهذا التوقيت في ظل هذه الظروف السياسية، حيث يتقدم تيار اليمين المتطرف يحلم بالسلطة يعلن بوقاحة انه سينظف البلد من غير الفرنسيين، كون الهجرة والسماح للمهاجرين بالعمل ونيل الحقوق يضعف الاقتصاد ويخلق المشاكل. يوجه الفيلم رسالة للجمهور العريض قد تصل بسهولة وتكون مفيدة، فالمطلوب من كل فرنسي ان يحدث مراجعة فكرية عميقة بداخله، كون الشعارات العنصرية عارا ان تجد من يسمعها هنا في فرنسا الحرية والإخاء والمساوة، هو الفن اذن يقوم بدوره الانساني في الاقناع، كون الساسة للاسف الشديد مصابون بفقر فكري وروحي، لا احد يسمعهم او يأبه بهم، تطارد بعضهم اتهامات وفضائح مالية واخلاقية، هنا الفن ببساطته، رغم الثوب الكوميدي للفيلم الا انه يحاول ارسال رسائل متعددة للمواطن البسيط العادي يحضه على الاحساس والشعور بمثل هذه القضايا، وان الانصات للعنصرية يعني ان تفقد فرنسا القيم الانسانية والحضارية.
هناك رسائل مهمة جدا يحاول الفيلم ايصالها للمهاجرين، فالمجازفة والمغامرة وركوب البحار والمحيطات من اجل الوصول الى جنة عدن هذا الامر يجب التفكير فيه جيدا، لم تعد فرنسا أو دول الغرب الحلم الفردوسي، فهي لديها مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وليس بوسعها استيعاب اكثر، اذن عليهم التفكير قبل خوض مثل هذه المغامرة التي قد تنقلب لكابوس مرعب، كان لهؤلاء مساحة كبيرة للبوح والحديث عن حكاياتهم، لكنه يدعوهم للمراجعة، فمثلا عودة عم سامبا لبلده بعد غربة اكثر من خمسة وعشرين عاما يجد نفسه بحجرة صغيرة ليس لديه زوجة او صديقة، وحيدا محصورا في هذه المساحة الصغيرة جدا يقرر العودة لقريته في السنغال، فمن الافضل ان يقضي شيخوخته في ارضه وبين اهله، افضل من هذا السجن الصغير، الفيلم يدعو امثال هذا بمراجعة انفسهم، والنظر للحقيقة والواقع فلا فائدة للغربة ان كانت سجنا وجحيما.
لعل من ايجابيات الفيلم انه عرض لنا نماذج ايجابية، سامبا مثلا كان يعمل، وعندما يتم الافراج عنه من معسكر الترحيل يعود للبحث عن عمل، نرى اصدقاءه ايضا يعملون في مهن شاقة، اي ان الفيلم ابتعد عن عرض النماذج السيئة والسلوكيات غير الحضارية، الفيلم متعاطف لحد كبير مع هذه الفئة، نحن هنا مع سامبا شخصية درامية تراجيدية، لكنها تلبس ثوبا كوميديا تغوص بنا بعمق لقضايا اجتماعية متعددة الرسائل الفكرية والفلسفية.
لنأخذ مثالا اخر عندما ينفعل سامبا وهو يتحدث الى أليس بالجمعية عن مشكلة طول الاجراءات، عليه ان ينتظر ملفه سنة كاملة بالقضاء، وخلال هذه الفترة تنصحة بعدم لفت نظر الشرطة كون الامساك به يعني ترحيله الى خارج فرنسا، عليه الابتعاد عن محطات المترو وعدم ارتكاب مخالفات، ينفعل بشدة هي ايضا تنفعل بشدة تقول انها ضجرت ولا تتحمل كل هذه الحكايات، وان لها مشاكلها ايضا وان عنده مشكلة في الماء الساخن، بعد اخذ استراحة يمزح معها ثم يحتضنها يذهب معها هو وصديقه الى المنزل، الصديق يصلح مشكلة الماء الساخن يحضه على البقاء معها، يعود سامبا نعيش مشهدا رومانسيا رائعا، هي تريد التدليك لرقبتها يقترب منها لم نشاهد هنا رجلا شبقا جنسيا، كان سامبا رومانسيا، وهي تذوب عاطفيا ننتظر ان يكون حدثا جنسيا لكن الماء الساخن يتسرب من المواسير هذا يفسد ما كنا نتوقعه، هنا نخرج بعدة امور لعلها ان أليس رغم انها سيدة بورجوازية جميلة ولديها الامكانيات المادية الا ان هناك نقص في حياتها، فالماء الساخن هو دلالة للنقص العاطفي، هي لم تمارس الجنس منذ فترة لا تتذكرها، تعيش وحيدة اي ان هناك غربة داخلية وغربة مع الغير داخل المجتمع الفرنسي نفسه، هنا ايضا كان مشهدا رومانسيا عرض التقارب والتلامس الجسدي بين أليس وسامبا، وتدفق الماء الساخن دلالة واضحة للحب الداخلي، تأخير الفعل الجنسي كان افضل حتى لا يكون مجرد حدث استهلاكي مادي، تأخر الى ان تأكد كل واحد منهما من مشاعره الداخلية، نرى سامبا يعجز عن التعبير عما في دواخله هي ايضا تبدو مضطربة غير مندفعة خجولة لكنها ستتخلص من خجلها ويكون اللقاء الجنسي مدعوما بلمسة روحية، اي ليس مجرد حدث وفعل مادي.
لعل اهم مشهد يجب التوقف عنده وتأمله هو ذاك المشهد عندما يهرب سامبا وصديقه من الشرطة، يعتليان سطح احد البيوت حفاة بدون احذية، هنا نرى الجسد يهتز إلى حد الرجفة، هذه الرجفة الجسدية لسامبا وصديقة فوق هذه السطوح والسقوف نرى خلفهما برج ايفل، نقف امام مشهد سينمائي خالص يظل في الذاكرة فهذه الرجفة والاهتزاز الجسدي تعبير عن الرجفة والخوف الداخلي، هذا من اصدق المشاهد واجملها في الفيلم، ولا يمكن نسيانه، كنا لاحظنا سامبا يخاف من الاماكن العالية، صديقة يرقص لفتيات ويستعرض جسده كأنه على خشبة رقص، الفتيات يرقصن معه بينهما لوح زجاجي، هنا ايضا تعبير عن طبيعة المجتمع الاستهلاكي هذا الشاب يزعم انه برازيلي يتحدث يرقص نجده شجاعا للتقرب للمحامية زميلة أليس بالجمعية يغريها وفعلا تستجيب في الاخير له، اخيرا نكتشف انه مهاجر جزائري يتقمص دور البرازيلي كونه اسهل للحصول على عمل وصداقات، المطلوب من سامبا ايضا احداث تغييرات بالشكل، لبس بذلة انيقة وحمل مجلة حتى لا يشك فيه احد، كل مرة يحمل اسما جديدا وبطاقة جديدة حتى انه ينسى احيانا اسمه الاول، هذه التغييرات بالشكل والاسم والمهنة كان لها اثر داخلي، لكن سامبا ظل كما هو البسيط. في نهاية الفيلم يقرر السفر والعودة لوطنه تأتي أليس معها بطاقة اقامة صديقه الافريقي الذي سقط في النهر بعد صراع، مع سامبا يستجيب سامبا لنداء صديقته ينزل من الحافلة ثم نراه يعمل بمطعم داخل مركز كبير للشرطة يسأله احدهم عن اسمه الاول يكاد يتلعثم ثم يرد، ينتهي الفيلم بخروج سامبا وسيره في احد الشوارع بدون ان يكون خائفا او مطاردا.
أليس لم تظهر في اللقطة الأخيرة للفيلم مع سامبا لكننا نشاهدها وهي تحضر اجتماعا بمقر عملها الذي تركته، وكانت خائقة من العودة، سامبا منحها الشجاعة اعطاها فانلة رياضية يتفاءل بها، هذا الشيء الصغير له قيمة روحية ونفسية جعلت أليس واثقة من نفسها، هذه المرأة البورجوازية ذات المركز المرموق التي عانت من الأرق وعدم النوم من الاضطراب الداخلي والحرمان الجنسي، كانت بحاجة لعنصر روحي.. لقيمة.. لقداسة تعيد لها السعادة، كانت كل هذه العناصر في هذا الشاب الافريقي المهاجر سامبا، فهو هنا بالفيلم يحوي كل هذه المعاني والدلالات حتى نكتشفه ونحس فيه، كان ضروريا ان يواجه ويتعرف على أليس كي تكتشفه لنا، الفيلم جدير بالمشاهدة يجعلك تضحك من اعماقك، هذا الثوب الكوميدي لا يمنعه ان يجعلك ترتجف من الداخل مع هذه الشخصيات المرتبكة الحالمة بالسعادة والاستقرار.

٭ سينمائي يمني مقيم في فرنسا

حميد عقبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية