«في كهف الجنون تبدأ الحكاية» للعمانية زوينة الكلباني: تحري عوالم الإنفصال النفسي في الثقافة الشعبية

تعد ظاهرة الجنون بأشكالها المتعددة واحدة من التفسيرات الحديثة للثقافة الإنسانية المعاصرة، بناء على عدة مفاهيم مثل، البحث عن المسكوت عنه في الظاهرة، وسلوكيات التعامل مع الظاهرة الكاشفة لطريقة أداء العقل تجاه هذا السلوك الإنساني، وهو ما استفاض به ميشيل فوكو في كتابته: «الجنون في العصر الكلاسيكي». فعلى مدى أربعة قرون اشتغل فيلسوف ما بعد الحداثة يحفر في تاريخ التصورات والأفكار وتحولاتها إلى أن وصلت إلى ما وصلت عليه في عصر الحداثة، يقيم وينتقد ويشكك ليهز عرش الميتافيزيقيا الغربية، كما فعل سلفه ومن أثر عليه تأثيرا بالغ المدى نيتشه. وهو ما نجده مدارا لرواية الكاتبة العمانية د. زوينة الكلباني «في كهف الجنون تبدأ الحكاية» بأسلوبها الكتابي الشاعري والكتابة الموقعة، انطلقت تبحث في عالم الجنون والهامش والنبذ من منظور إنساني عالمي اصطبغ بالنزعة المحلية العمانية مكانا وفكرا وثقافة شعبية.
فكرة الجنون والنبذ في الرواية تنقسم الى عدد من أنواع الجنون، لعلنا نقارب بعضا منها، التي تحدث عنها فوكو وهي الجنون المرضي، والجنون الأسطوري المرتبط بالأساطير والسحر والشعوذة. فمن مظاهر الجنون المرضي هو مرض أب السارد العقلي المتدرج بعد فقدانه لزوجته روز الإيرلندية بعد هجرها له، حاول معرفة مكانها وعندما أخفق ذهب إلى عالم من الانفصال النفسي والاضطراب ليعبر عن حالة الفقد: «أنفق والده ماله بحثا عنها وعن آدم، وفي كل مرة يعود إلى نهاية الحلم، وكأن نصال الدنيا قد كسرت بين ضلوعه، امتصه الذبول، وحالفه النحول، يعيش بينهم كالغريب». (ص11) متفاوتا بحالات جنونه المتعددة وصولا إلى الانتحار.
يتضح لنا نوع من الاغتراب عن البيئة والمحيط، أثر على شخصية الوالد وانسجامه وتعايشه مع المكان ويعوض هذا من خلال الشرب، فالخمرة هنا معادل نسيان مؤقت، لا يلبث أن يستفيق ويأتي على الطاقة النفسية المتبقية عنده. ولكن هذه الحالات النفسية القلقة كانت تتطلب جنونا مثبتا بصيغة رسمية من المؤسسة، كي يفلت من العقاب بعد إلقائه عبوة ناسفة على السفارة البريطانية. ما جعله عرضة لتهمة الإرهاب والانتماء لـ»القاعدة»: «دوما المجنون منفلت من العقاب ومن عين الرقيب والجلاد، وحده الجنون الذي يستطيع تجاوز الحدود التي يوهم الآخر بوجودها». (12-13)
وكانت نهاية مسيرة هذه الحياة المعذبة والمتحولة بين العقل والجنون قرار الانتحار «قرر إنهاء حياته بطلقة من مسدس». لينهي سلسلة طويلة من العذابات اللامتناهية بسبب الانحراف عن الصواب المجتمعي الذي كان الجد هو الوريث الشرعي له والحارس المدافع عنه بشراسة، نتجت عنها مأساة هذه الأسرة المكونة من الجد والزوجين والابنين فارس بشكله الدميم، كما تستهل الكاتبة روايتها ببراعة تجذب فيها المتلقي بقولها:
«إن التاريخ يخبئ، لكل من يولد بشع الوجه، قبيح المنظر ولا سحر له يذكر له، نهاية محزنة تدعو إلى الرثاء». (9) وآدم ذلك الكائن الغريب والمشوه في بدانته ورأسه المائل على كتفيه من فرط ضخامته، وكأنهما، بعيني المؤلف الضمني وسارده، انتاج طبيعي لزواج هجيني غير مكتوب له النجاح والإنتاج الخصب، فالتقاء الشرق والغرب أنتج هجنة مشوهة غير متصالحة، بعيدة عن خصوبة الفضاء الثالث المقترح من هومي بابا.
جنون الأب يكشف أن الكاتبة حاولت استقصاء ظاهرة الجنون بأشكالها المتعددة الاجبارية والاختيارية، وما قد يعتبره الناس جنونا أيضا مثل، مرضى الداون، الذين تشوههم تصورات المجتمع بنظرتها الدونية لهم. أما الجنون الاختياري فهو قرار فارس الدخول في متاهة الكهف وفصوله المظلمة بالجنون والدمار الإنساني. ففارس الفتى المعذب بين هويتين شرقية وغربية، وطفولة قاسية على يد الجد الحازم شديد الصرامة والبأس، قرر أن يبدأ صفحة جديدة استعاد فيها ثقته بذاته بدخوله كهف الجنون، بعد أن دخل الجامعة واكتشف انه مرغوب فيه اجتماعيا، بخلاف ما كان الجد يقول له، وزملاؤه في المدرسة، ومرآته الداخلية التي تريه قبح الشكل وجمال الروح المرهفة الإحساس، الباحثة في سلسلة تطوير الذات كي تصل لمرحلة الامتلاء المعرفي المتقارب نحو الكمال.
عوالم الرواية مقسمة بين الواقعي والخيالي، الأسطوري والطبيعي، ولقد كان بحث التخرج لكل من فارس وشهاب وصالح المدخل السردي الأمثل الذي توسلت به الكاتبة للدخول إلى الكهف وعالم الجنون. الذي ينفتح على استدعاء قصص المجانين والسحرة والمشعوذين الكثيرة والممتلئة بالتاريخ العالمي، ففكرة التوظيف بحد ذاتها ليست جديدة، ولكن وضعها بالسياق المحلي العماني هو الجديد، واكتشافها الأخير في محصلة التجربة هو الجديد في الموضوع. فأطياف ألف ليلة وليلة موجودة بقوة في الرواية، كما العدد من قصص الخيال العلمي في الغرب تتقاطع في بنية الحكاية الداخلية، مثل مثيرات الخوف والفزع والرعب، بوصفها سمات سرد الرعب المخيف، طاغية على التجربة. كما ان علاقة الحب التي جمعت بين فارس وميديا هي علاقة متكررة عالميا، في مثل هذه السرديات، ولا أعلم هل هذا لأن العاطفة جزء أساسي في الحياة، أم لأننا اعتدنا على ضرورة وجود الحب في سردياتنا، أم هذا يعود لأدائية تعاملنا مع ثيمة الحب كضرورة أساسية، أو لأنها مرتبطة بعملية التشويق التي تدعو القارئ الذي هو، بطبعه، عاطفي أن يكمل النص.
باكتشافات متعددة يخرج فارس ناجيا ومكتشفا الخداع الذي تقوم به هذه العوالم الخارقة التي تشكل نوعا من الجنون، ويكتشف تطور نظرة هذه الكائنات للحياة وتعاطيها مع مستجدات العصر، كما يعري العلم الذي اتخذ من الكهف مادة للتجارب العلمية في صناعة الجينات المعدلة وراثيا، ما يدفع للمساءلة الأخلاقية لدور العلم والعلماء، ويقودنا أيضا إلى فكرة مؤداها أن غياب التعقل قد يودي بالإنسانية إلى شكل من أشكال الجنون، لا يقل خطرا عن سفينة الحمقى، وغيرها من التصورات القامعة للإنسانية تحت مسميات مختلفة. وهي بهذا تقترن جزئيا بالنظرة العلمية للجنون التي قدمها فوكو، الذي تخيلنا أن الكاتبة تمثلتها، ولكنها انفردت برؤية مغايرة لها لهذا العالم، فلم أر عمقا في تفسير تصرفات الحمقى لظاهرة العقل، لذا أزعم ان التوظيف لفوكو كان جزئيا من خلال الاقتباس في بداية الرواية، وفكرة الجنون المرتبطة بحالة الأب، أما ما حدث بكهف الجنون فأنا لم أجده مرتبطا بشكل عميق ومتجذر بما تحدث عن فوكو، بقدر ارتباطه بسرديات مشابهة له في التاريخ مختلفة عنها في صبغة العصر والزمان.
ما أود ان أثيره هنا هو الإشارة إلى أهمية استفادة الأديب من الإبستمولوجيا في النص الأدبي، فما قامت به الأديبة هو التعاطي مع ظاهرة الجنون بناء على وعي تنظيري على الأقل بهذه الظاهرة، وهو ما أراه حقيقة ينقص العديد من الكتابات السردية الخليجية، حيث يقوم الكاتب الخليجي بسرده معتمدا في أحيانا كثيرة على قدراته المحدودة في تحليل الشخصيات، وما دامت الرواية هي فن الشخصية بامتياز فهذا يتطلب من الأديب الاطلاع المعرفي على عدة مقاربات تمكن الأديب من قراءة الشخصية اجتماعيا ونفسيا، لذا التوسل بالأداة المعرفية لتحليل الشخصية الأدبية هو حق صفة الأدب على الأديب، والتوصيف الانطباعي والأدائي للظواهر الثقافية لا يليق بمن يسمي نفسه أديبا. في خضم هذه البيئات المعرفية والمناخات الثقافية المتعددة، فمن حق القارئ الحديث الذي تقدم له إنتاجات إبداعية عالمية متفوقة أن يقرأ نصا عربيا محليا منبعثا من دراية وتمكن فيما يقدم لقارئ عربي قد يكون عالما بحيثيات الموضوع أكثر من الأديب نفسه، ولكنه بحاجة أيضا لقراءتها، وهي مقدمة وفق رؤية ناضجة مستندة الى تفسيرات معقولة في الحياة. من هنا نجد تصنيف رواية عميقة ورؤية عميقة تندرج على من يكتب ويحلل بناء على خبرته بالتيارات الفكرية والمعرفية، ورؤية سطحية وبسيطة على من يكتفي بالطبقة الأولى من الكتابة السردية بوصف الظواهر الاجتماعية والشخصيات بناء على ما يشاهده، أو ما يتخيله خياله المخفف من الرؤى العميقة للحياة.
ولنعود لتحليل أثر التجربة على حياة فارس، إذ نجد المنبوذ يخرج من التجربة مكتشفا منابع القوة بذاته، وماضيا إلى الأمام يسوق نجاحات متوالية، بالإضافة إلى قيم وأخلاقيات تترسخ بذاته، مثل إشراكه رفاقه بالرحلة رغم عدم ذهابهم، فتؤكد قيمة النبل وحضور الجمال الروحي بشخصيته رغم غياب جمال الشكل؛ ولنتذكر «أحدب نوتردام» هنا كعلامة دالة مستدعاة هنا لقبح الشكل وجمال الروح. وبعد التجربة أيضا يعثر فارس في المرحلة الثالثة في حياته على أمه وأخيه ويزورهما، فيكون هذا ثالث حدث مهم في الرواية وفي سيرة الشخصية الرئيسية يتحقق حلمه في العثور على النصف المفقود في حياته، ويتمكن من الاستماع إلى النصف الآخر من الحكاية، أو لنقل المغيب عن حكاية الجد، فيكتشف حقيقة غياب أمه، وتستقر مشاعره تجاهها، كما يتخلص من عقدة القبح والنبذ. يقرر البقاء بعدها لفترة معينة ملوحا بضرورة العودة إلى الوطن، ليعكس قوة انتمائه للوطن وردة فعله السلبية على الهجنة الناتجة عن زواج أبيه من أمه الإيرلندية والمشاكل الأسرية الناشئة عن ذلك.
بلغة حميمية وأسلوب أدبي متقن أسلوبية الاختيار، عبرت الكاتبة عن عالم الشعور الباطني للشخصيات، واحتفظت باقتصاد ذكي جيدا على دور اللغة الأدبي المكثفة والموحية في نقل التصورات والمشاعر، من دون إفراط يخل بالسرد، ومثلما كانت تختصر بلغتها الأدبية كانت تقلل من الاستطراد في الوصف، حتى لا يمل القارئ من الرواية، وهذا ما اتضح في تقسيماتها لأحداث الحكاية الأساسية وأجزائها والفضاء الكتابي الذي امتدت فيه الرواية. زوينة الكلباني اسم عماني واعد وحاضر بقوة في المشهد السردي الخليجي، اعتنت بمبنى ومتن نصها الإبداعي بشكل لافت للنظر يدعونا الى النظر إلى تجربتها كنموذج إبداعي شبابي يستحق الاحتفاء به.

زوينه الكلباني، «في كهف الجنون تبدأ الحكاية»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان ـ 2012

٭ كاتب كويتية

سعاد العنزي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية