لبنان ينزلق نحو الدولة الفاشلة
حملت الأخبار يومي 3 و 4 تموز/يوليو انتحار أربعة لبنانيين خلال 24 ساعة. واحد ألقى بنفسه من شرفة منزله والبقية أطلقوا النار على أنفسهم بسبب الأوضاع الاقتصادية والغلاء الفاحش الذي وضع الكثيرين أمام حالات من اليأس والإحباط بحيث أصبح الموت هو الشفاء، وهل هناك أبلغ من أن يكون الموت أمنية على رأي أبي الطيب “وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا”.
أمام هذه الأوضاع أصدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليه، بيانا الجمعة يحذر الحكومة اللبنانية من تفاقم الأزمة الاقتصادية بعد أن فقد الكثيرون وظائفهم ومصادر عيشهم. ودعت الحكومة والأطراف السياسية والقطاع المالي إلى العمل معا لضمان حماية الأكثر عوزا والأشد ضعفا “قبل فوات الأوان”. وأكدت المفوضة أنه لم يعد باستطاعة اللبنانيين الضعفاء، بالإضافة إلى الفئات من غير اللبنانيين، مثل اللاجئين والعمال المهاجرين، تأمين احتياجاتهم الأساسية.
المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، يان كوبيش، أشار هو الآخر إلى تفاقم معاناة اللبنانيين بسبب غياب رؤية موحدة وجهد حقيقي لمواجهة الانهيار. وقال “لا تراهنوا على أن صبر اللبنانيين بلا حدود، يكفيهم ما يعانونه من غياب تام للإصلاح بداية من قطاع الكهرباء ومرورا بغياب الرؤية الموحدة والجهد الحقيقي لمواجهة الانهيار ووصولا لبؤسهم المتزايد”.
عمق الأزمة الاقتصادية
لبنان الآن يمر بأسوأ أزمة اقتصاديّة منذ انتهاء الحرب الأهليّة عام 1990 دفع بمئات الألوف أن يطلقوا حراكا جماهيريا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019 موجها أساسا ضد النخبة السياسية الحاكمة والمتهمة بالفساد. لقد تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية في السوق السوداء نحو 80 في المئة من قيمتها. وأعلنت السلطات الحكومية الثلاثاء الماضي رفع سعر الخبز المدعوم جزئيا بنسبة 33 في المئة، كما ألغى الجيش استخدام اللحوم كليا من الوجبات التي تقدم للعسكريين بالخدمة لخفض النفقات. أغلِقت آلاف الشركات وأصبح انقطاع الكهرباء شيئا طبيعيا. وتقدّر الحكومة أنه منذ نيسان/أبريل 2020 أصبح 75 في المئة من السكان بحاجة إلى المساعدات. كما أدّى الانكماش الاقتصادي الحاد الذي تفاقم بسبب جائحة كوفيد-19 إلى أن يفقد واحد من بين كل ثلاثة لبنانيين وظيفته. ومن بين أكثر الفئات ضعفا، هناك نحو 1.7 مليون لاجئ و250000 عامل مهاجر. لقد فقد الكثير من العمّال المهاجرين وظائفهم أو أنهم لا يتقاضون أجورهم، وينامون في العراء غير قادرين على تحمل تكلفة الرعاية الصحية ولم يعد بإمكانهم إرسال التحويلات المالية إلى أسرهم في بلادهم.
أزمة لبنان الدائمة
كان اللبنانيون يفاخرون بأن قوة لبنان في ضعفه. لبنان لم يطمح أن يكون قوة عسكرية بل راهن على قوة التركيبة الفريدة التي بني على أساسها. فمن جهة تم تركيب لبنان بأياد فرنسية على أساس طائفي، ومن جهة أخرى يلتزم بنظام ديمقراطي الأفضل في وطن عربي يحكمه ملوك وأمراء ورؤساء لا يرحلون عن الكراسي إلا بالموت أو السجن أو القتل. في لبنان فقط كان يمكنك أن ترى رئيسا يدخل ويخرج ويعود للحياة الطبيعية ويأتي غيره ويخرج بعد سبع سنوات. لكن هذه الديمقراطية مرتهنة لعائلات لبنان الكبرى التي تتوراث المناصب والامتيازات والمواقع الاجتماعية. هذه التوليفة الغريبة التي يمكن أن يطلق عليها ديمقراطية الطوائف، حافظت لفترة نصف قرن تقريبا على لبنان. في هذه الفترة ازدهر الأدب والفن والموسيقى والحياة السياسية في أهم الجامعات والمعاهد العليا. وأصبحت الجامعة الأمريكية مركزا للتنوير وصناعة القيادات والأيديولوجيات، وأصبحت بيروت مركزا رئيسيا في بلدان الشرق العربي تقدم نماذج عدة للعالم أولها نموذج “التعايش” وثانيها نموذج الصحافة الحرة والمتطورة وثالثها نموذج الإبداع الفني والفكري والثقافي.
لكن ما كان لتلك الخلطة الغريبة من الديمقراطية والطائفية أن تستمر خاصة مع وجود عوامل خارجية تغذي كافة الاتجاهات. الفلسطينيون أصبحوا عاملا فاعلا في المعادلة اللبنانية بعد خروجهم من الأردن عام 1971. والإسرائيليون كانوا أحد تلك العوامل التي ظلت تعبث في الساحة اللبنانية عن طريق مد جسور مع إحدى مكونات المجتمع اللبناني، وسوريا لم تكن يوما إلا أحد العوامل الداخلية في التركيبة اللبنانية، لها أحزابها ومريدوها والعاملون معها والمتطوعون لخدمتها. وتعاظم هذا الدور بعد دخول القوات السورية لوقف الحرب الأهلية عام 1976 وبقيت هناك نحو 30 عاما تأمر وتنهى وتعدم وتقتل وتخطف وتقرر من هو الرئيس ومن هم الوزراء وتخترق الدستور وتمدد للرئيس نصف دورة. وضعت صور حافظ الأسد وابنه باسل في المطارات والأماكن العامة وسميت باسمائهم الساحات والشوارع. لم تخرج سوريا من لبنان إلا مكرهة وبعد قرار مجلس الأمن 1959 (2004) واغتيال رفيق الحريري عام 2005 والتهديد الأمريكي. لقد سيطرت سوريا على كل مقاليد الوضع في لبنان وحالفت الجميع وحاربت الجميع وانقلبت على الرؤساء والوزراء وتخلصت من الضباط والسياسيين والصحافيين الذين يعارضون سياستها.
دخل على الساحة اللبنانية عاملان فاعلان، إيران والسعودية. نقلا خلافاتهما ومنافستهما إلى كافة مناحي الحياة اللبنانية. إيران استطاعت أن تبني لها قاعدة صلبة داخل الطائفة الشيعية عبر تسليح المقاومة ودعمها ماديا وسياسيا وعسكريا. أما السعودية فكل مراهناتها باءت بالفشل ونفرت سلوكياتها كل الطوائف خاصة عندما وقفت مع إسرائيل ضد المقاومة في حرب 2006 وعندما قام محمد بن سلمان باحتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري عام 2017 بطريقة مهينة لكل لبناني.
كل هذه العوامل المعقدة تفاقمت بعد انطلاق الثورة السورية. أعلنت الدولة أنها ستلتزم بسياسة “النأي بالنفس” عن المعادلة السورية، لكن الواقع أمر آخر. لقد وجد في الساحة اللبنانية من يساعد ويسلح ويمول المعارضة. كما انتقل حزب الله للقتال إلى جانب النظام السوري وتبنى موقفه وأعلن أن معركة النظام هي معركته واستطاع أن يحسم تدخله مسألة ضبط الحدود اللبنانية التي كانت تستخدم لتمويل وتسليح المعارضة. سياسة النأي بالنفس لم تكن أكثر من شعار رفعته الدولة، فالحقيقة أن لبنان غرق حتى أذنيه في تفاصيل الأزمة السورية وأصبح ساحة اصطفاف مع الأطراف المتصارعة لغاية اليوم.
العوامل الجديدة
اللاجئون: وكأن لبنان ليس فيه ما يكفيه من مصائب، فقد عبر الحدود اللبنانية نحو 1.2 مليون لاجئ سوري. وكي لا تصبح قضية اللجوء أزمة مزمنة، رفض لبنان فتح مخيمات للاجئين ورفض تسميتهم لاجئين بل هم مشردون يختارون المكان الذي يستطيعون الإقامة المؤقتة فيه. معظم السوريين من ذوي رأس المال لم يأتوا إلى لبنان بل ذهبوا إلى تركيا ومصر وأوروبا. أما لبنان فقد استقبل “المعترين” على رأي اللبنانيين، أي الفقراء الذين تفرقوا في البلاد يزاحمون اللبناني لقمة عيشه ويقبلون الأعمال اليدوية أيا كانت بأسعار أقل وحرفية أعلى. وهذا ما أدى إلى ظهور حالات من الاحتقان والاحتكاك السلبي والتوتر.
تقول مفوضية اللاجئين إن أكثر من 80 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان، الذين يقيمون في حوالي 1.700 موقع في جميع أنحاء البلاد، يستأجرون مساكنهم ويدفعون نحو 200 دولار أمريكي شهرياً. لكن مع ازدياد ضعفهم، يضطرون للعيش في مبان غير مكتلمة وفي أقبية سيارات وحظائر مهجورة، ومواقع العمل وفي خيام في مواقع وأحزمة عشوائية. وتقول المفوضية المعتمدة في لبنان، نينات كيلي: “يواجه لبنان اليوم تحدياً غير مسبوق في تلبية احتياجات سكانه واللاجئين السوريين، وهو البلد الأعلى كثافةً باللاجئين في العالم، لذا فإن الحاجة ماسة إلى دعم أكبر لتحقيق أهداف عديدة بينها التنمية الطويلة الأجل”.
الحراك الجماهيري: كان الشعب اللبناني يراقب الحراك الجماهيري الذي انطلق في السودان ثم الجزائر ثم العراق. كانت الموجة الثانية من الربيع العربي في جوهرها مطلبية: إنهاء سلطة الاستبداد واجتثاث بؤر الفساد والفاسدين وبناء دولة المواطنة المتساوية. وهل من بلد يستشري فيها الفساد مثل لبنان؟ وهل من طبقة سياسية تسيطرعلى مقاليد الحكم والأعمال والعمولات والتمويل الخارجي مثل الطبقة السياسية في لبنان؟ كانت الشرارة عندما قررت الحكومة فرض ضرائب على خدمة “الواتساب” المجاني فكان الحراك اللبناني السلمي العارم الذي انطلق يوم 17 تشرين الأول/أكتوبر 2017 تحت علم لبنان فقط وشعار “كلن يعني كلن”. وضع الحراك إصبعه على الجرح الحقيقي للبنان وهو “الطائفية” وهو ما أثار حفيظة الطبقة السياسية بكاملها. تطور الحراك وتعاظم ليشمل كل لبنان ومن كل الطوائف. كما زاوج بين المسيرات والاضرابات وقطع الشوارع والاعتصام في الساحات. استطاع الحراك أن يسقط الحكومة وأن يجبر بعض المسؤولين على تقديم تنازلات لكنها ليست جوهرية وحتى بعض الأحزاب والفصائل التي كانت تعتبر نفسها أقرب إلى نبض الشارع وقفت ضد الحراك ونزل أنصارها بالعصي والسلاح والدراجات النارية لقمع الحراك. والنتيجة أن الأوضاع الاقتصادية تفاقمت أكثر من دون أن تحقق نتائج.
وباء كورونا: في ظل هذا الوضع الصعب وصل البلاد ضيف ثقيل وهو وباء كوفيد-19 وانتشر بشكل سريع خاصة وأن عددا من السياح والتجار والزوار رجعوا من إيران، أحد أهم بؤر الوباء في العالم آنذاك، لينشروا الوباء وبسرعة فتضطر الحكومة أن تغلق البلاد كليا وتمنع السفر وتغلق المطار والحدود في ظل نقص شديد في مواد التعقيم والوقاية والأجهزة الطبية. تقطعت بالآلاف السبل وخاصة العمال حيث توقف العمل وتوقف تحويل العملة والتداول بالدولار وانهارت كثير من الشركات.
كان أكثر المتضررين اللاجئين. قال المفوض السامي لشؤون اللاجئين، فيليبو غراندي، إن الوباء في لبنان قد فاقم التحديات، فالبلد الذي يستضيف ما يقرب من مليون لاجئ سوري ويضم إحدى أعلى تجمعات اللاجئين في العالم، قد خسرت سبع أسر لاجئة من كل عشرة سبل عيشها، وهي بالكاد تتدبر أمورها، وتخشى من الجوع أكثر من خشيتها من فيروس كورونا. وقال غراندي: “تولد الضغوط الاقتصادية المتزايدة توترات وتقوض التماسك الاجتماعي”.
قانون قيصر: ثم يأتي قانون قيصر الأمريكي الذي يضم سلة عقوبات واسعة ضد سوريا والدول المتعاملة أساسا مع النظام السوري وبالتحديد لبنان وإيران وروسيا. لكن الترابط العضوي بين لبنان وسوريا جعل لبنان أكثر عرضة للتأثر بقانون قيصر. انتشر الذعر داخل الشارع اللبناني وأدى هذا إلى انهيار الليرة اللبنانية لتصل إلى 8000 للدولار الواحد. قانون قيصر لم يخلق الأزمة المالية اللبنانية بل فاقمها في ظل انكماش اقتصادي عالمي وإقليمي ومحلي. لبنان كان يحاول أن يسد العجز بالقروض، كما أن البنك المركزي قرر أن يستولي على ودائع الناس ويمنع أحدا منهم أن يسترد أمواله وتحويلاته ومدخرات عمره كلها. فكيف لا تضع هذه القرارات العجيبة الناس أمام تحد وجودي يصل إلى حد اليأس والتفكير في الانتحار بعد أن ضاقت نوافذ الأمل على حد قول الشاعر الطغراني “ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل”؟
لبنان الآن أمام امتحان صعب ومعقد وخطير. إنه ينزلق نحو الدولة الفاشلة بسرعة إن لم يكن قد وصلها فعلا. لبنان على فوهة بركان وانفجاره سيؤدي إلى خلخلة منطقة الشرق الأوسط برمتها. لكننا ما زلنا نراهن على رجال ونساء لبنان لضم الجهود، حكومة وأحزابا ومجتمعا مدنيا ومؤسسات مالية وقيادات مخلصة خارج لبنان وداخله، لإنقاذ الوضع في الدقائق الخمس قبل منتصف الليل.